ما تبقى من قواعد التَّدين العاقل..

-12-

القاعدة الثَّانية عشرة: القرآن ليس دستوراً..

التَّحليل: ليست عبارة “القرآن دستورنا”، أو عبارة “القرآن دستور المسلمين”، أكثر من فخ نصبه البعض ووقع فيه الكثيرون. فلا يتعلق الأمر هنا بمجرّد “كلمة حقّ يراد بها باطل” كما قال علي بن أبي طالب قديماً عن عبارة مشابهة، بل هي كلمة باطل يراد به باطل : من جهة أولى، فإنّ الدّستور مصطلح غير قرآني، لأنّ القرآن الكريم الذي أطلق على نفسه الكثير من الأوصاف ( الكتاب، النّور، المبين، الفرقان، الذكر، الموعظة…). لم يطلق على نفسه صفة دستور، ولم يختر لنفسه أيّ صفة تحيل إلى معنى من معاني الدّستور.  ومن جهة ثانية فإنّ القرآن الكريم نص غير دستوريّ لعدّة أسباب دقيقة:

أوّلاً، أنَّه موسوم بكونه حمّال أوجه وفق قول مأثور.. وما هكذا يكون نص الدّستور.

ثانياً، أنَّه يتضمَّن آيات متشابهات وأخرى محكمات.. وليس بهذا النّحو تكون بنود الدّستور.

ثالثاً، أنَّه يتضمَّن آيات منسوخة اللفظ أو المعنى وأخرى ناسخة.. ولا تكون عبارات الدّستور بهذا الشكل.

رابعاً، أنَّه أنزل على سبعة أحرف.. وهذا أبعد ما يكون عن لغة الدّستور.

خامساً، أنَّه يجيب عن أسئلة محدّدة في أحوال معيّنة، على طريقة (يسألونك عن.. قل إن …).. غير أن الدّساتير لا تصاغ بهذا النحو.

سادساً، أنَّه يميز المخاطَب، فمرّة النبيّ، ومرّة الناس، ومرّة أهل الكتاب، ومرّة نساء النبي، ومرّة قريش، ومرّة شخص بعينه، إلخ.. وهذا خلاف  ما تكون عليه روح الدستور.

سابعاً، أنَّنا نصلي به، ونقرأه قراءة تعبدية، ونترحم به على موتانا.. وما هكذا تكون وظيفة الدستور.

إن الذين يزعمون بأنّ القرآن دستور المسلمين هم أنفسهم من يروجون بأنّ “صحيفة المدينة” التي أنجزها الرّسول بعد هجرته إلى المدينة تعدّ “أوّل دستور في تاريخ الإسلام”، ويفتخرون بأنها دستور مدني يقرّ بحقوق متساوية للجميع يهوداً ومسلمين. وهذا تناقض واضح وصريح مع زعمهم بأنّ القرآن هو الدستور. فهل كان الرّسول يحتاج لصياغة دستور للمدينة فيما لو كان القرآن هو الدّستور؟ ألم يكن يتوجّب عليه أن ينتظر حتى تأتيه بنود “دستور” المدينة من الوحي، وتندرج ضمن الخطاب القرآني، كما يفعل مع الأسئلة التي تتعلق بالحياة اليومية للمسلمين، فيما لو كان الدستور وحياً أو كان الوحي دستوراً؟

الاستنتاج: إدعاء أنّ القرآن هو دستور المسلمين مجرّد خديعة كبرى، لكنّها الخديعة التي تؤكد مجدّداً بأنّ جوهر المشكلة هو التوظيف الإيديولوجي للدين لغاية جعل المسلمين يُصدقون كل ما يُقال أو قد يُقال باسم الإسلام. يتعلق الأمر مرّة أخرى بإحدى استراتيجيات الهيمنة والتسلط. وهذا كل ما في الأمر.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Pop

    كلام اكثر من رائع وموزون ‘سلمت يدك استاذ سعيد

  2. وليد

    شكرًا جزيلا دكتورنا . لفتة مُهمة جدًا لجماعة الاخوان المسلمين

أضف تعليق