ما تبقى من قواعد التَّدين العاقل..

-14-

القاعدة الرّابعة عشرة: لا ينتج الخوف غير النفاق الديني..

التّحليل: يجعل الخوفُ الناسَ أشراراً سيئين منافقين، يجعلهم يستمرئون العيش بين العتمات في الخفاء، ويخفون حوائجهم خلف أقنعة التستر عند الابتلاء، وستائر التحجّب عند الرياء، وثقافة التمكين والكتمان عند الاقتضاء. يجعل الخوفُ الناسَ يُظهرون باللسان غير ما يُبطنون في الوجدان، لكنّهم يُظهرون في كل أحوالهم أرذل ما فيهم من خصال كامنة أو دفينة، من قبيل البراء بالقلب والولاء باللسان، فيصبحون من أسوأ الخَلق خُلُقاً، ومن أقبح الناس قولاً وفعلاً وانفعالاً، بل يصبحون خطرين على أنفسهم إذا تحمّسوا، وعلى الآخرين إذا يئسوا. أليس يقال في بعض مجتمعاتنا المحلية : احذروا ضربة الخواف !؟ يجعل الخوفُ الناسَ لا يجرؤون على النقد والتمرّد، لكنهم ساعة العصيان سرعان ما يقترفون أفظع الجرائم وأشنع الأعمال. يجعل الخوفُ الناسَ يغرقون في أوحالهم جاثمين خانعين لا يحركون ساكناً، لكنهم ساعة الانفجار يدكون الأرض دكا فلا يتركون حجراً على حجر؛ ذلك لأن الخائفين أشخاص فاقدون للثقة في كل المباني والمعاني والأماني  والأشياء ( يحسبون كل صيحة عليهم ) كما يقول الذكر الحكيم، وإنهم لخائفون من أنفسهم بالذات. يجعل الخوفُ الناسَ لا يتورّعون عن ممارسة أسوأ الرذائل : الغدر والمكر والكذب والرياء والخذلان. لذلك، إن كان هناك ما يجب الخوف منه فهو الخوف نفسه، بل هو الخوف بالذات.

إذا استشرى الخوف في أوصال المجتمع، يفقد الناس ثلاث قدرات أساسية هي من صميم الشرط الإنساني : القدرة على التفكير، القدرة على الحب، والقدرة على الاحترام. فماذا  يتبقى؟  لنتكلم في التفاصيل : الإنسان الخائف، سواء أكان خائفا من الله أو الطبيعة أو السلطة أو كاهن/كائن من كان، لا يمتلك (أولاً) القدرة على التفكير، لماذا؟ بكل بساطة لأنّ الخوف يُعطل العقل ويشلّ الفكر؛ وهو (ثانيا) لا يمتلك القدرة على الشعور بالحب، لماذا؟ لأنّ الخوف والحب لا يجتمعان في قلب واحد؛ وهو (ثالثا) لا يمتلك القدرة على الاحترام، لماذا؟ لأنّ العلاقات القائمة على الخوف لا تقوم سوى على ثنائية الطاعة أو العصيان، أما علاقات الاحترام فهي قائمة على الاعتراف المتبادل والمتكافئ بين ذوات حرة ومستقلة. الاحترام مثل الحب إن لم يكن متبادلا فإنه يفقد معناه.

الخائف من الله، أو من الطبيعة، أو من السلطة، لا يمكنه أن يكون مواطنا صالحا بأي حال من الأحوال، بل مجرّد رعية تنقاد مع القطيع انقياداً غريزيا، ومن ثمة يهدد السلم الأهلي ولو بعد حين. إذا كان الأمر كذلك فإن الخطاب الديني السائد في مساجدنا ومدارسنا ومجالسنا يصرّ على ترهيب الناس من كل شيء : حشرجة الموت، أهوال القيامة، عذاب القبر، غضب الله، علامات الساعة، الدجال الأعور، إلخ. الأدهى من ذلك كله هو الإصرار على الادعاء بأن الخوف شرط لبناء الأخلاق الحميدة. وفي ذلك الإصرار إنكار وجداني مذهل لواقع يؤكد العكس.

طيب، لكي لا ننسى أحد دروس الفلسفة المعاصرة ( هيجل، نيتشه، كوجيف… ) : ثمّة نوعان من الأخلاق، أخلاق السادة وأخلاق العبيد. المقصود بالسادة سادة أنفسهم، والمقصود بالعبيد أولئك الكسالى الذين يحتاجون دائما إلى من يفكر لهم، ويقرر لهم، ويفتي لهم، في كل مسائلهم ومشاكلهم. عموماً، تلك الأخلاق تظهر أكثر ما تظهر عندما يشتدّ الصراع، سواء في إطار سلمي أو في إطار عنيف. السّادة -بالمعنى الأخلاقي الفلسفي للكلمة- يكافحون بشهامة، يدافعون عن مواقفهم باستماتة، فتبقى رؤوسهم مرفوعة حتى الرّمق الأخير، وفي الأوقات الحرجة لا يُفوتون الفرصة لتبليغ رسائلهم بثقة وثبات. أمّا العبيد – بالمعنى الأخلاقي الفلسفي للكلمة- فلا يكافحون، بل يطعنون غيلة، ويفجرون غدراً، ثم ينسفون أنفسهم فراراً إلى حضن السماء.

كان الدّرس الأخير لسقراط بليغاً، رافع باستماتة ثم رفض الهرب من زنزانة الإعدام حين رسم له بعض تلاميذه الأوفياء خطة الهرب، مفضلا مواجهة الحكم بشجاعة على أن يعيش هاربا متخفيا مثل الجبناء. لا شك في هذا : تحرير الإنسان من  الخوف هو رأس الحكمة بمعناها الفلسفي الأكثر أصالة، سواء لدى الأرسطيين أو الأبيقوريين أو الرواقيين، أو لدى الفلاسفة المعاصرين.

عندما يقول كانط، كن جريئا في استعمال عقلك، فهو يدرك بأن استعمال العقل يستدعي الكثير من الجرأة والشجاعة. بل -هذا هو المعطى الأهم- يعلم بأن التنازل عن التفكير مجرد جبن قد يستهوي الكسالى، بل لعله الجبن الأكبر داخل كل المجتمعات القائمة على تمجيد قيم السمع والطاعة.

واضح للعيان أن الرهان الأكبر للخطاب الديني السائد عندنا في مساجدنا ومجالسنا ومدارسنا، هو تخويف الناس من كل شيء : غضب الله، ملك الموت، عذاب القبر، أهوال القيامة، حطب الجحيم، إلخ. وهذا ما يجعل الخطاب  إياه – بصرف النظر عن نواياه المعلنة- يمثل بيئة حاضنة لقيم الكراهية والحقد والشماتة والتشفي.

الاستنتاج: بصرف النظر عمّا ترويه النصوص الدينية، وهي في كل الأحوال مفتوحة على مئات المقاربات والرؤى والتأويلات، فإننا نقول قولا صريحا واضحاً : إن التديّن الصادق لا يقوم على خطاب التخويف والترهيب، سواء من الله، أو الأب، أو السلطان، أو كاهنا من كان؛ لأن التديّن القائم على الخوف ينتج في الحساب الأخير إنسانا منافقا وعديم المروءة والأخلاق، تصدق عليه “آيات المنافق” في الحديث النبوي الشهير : “إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر”.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. رياض

    شكرا استاذنا الرائع ، المعنى هنا جميل وعميق، فقط اود ان سال بخصوص بعض النصوص الدينية سواء قران او حديث، ولا اعلم منها لكن فلناخذ مثلا:
    “وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ”
    “ويدعوننا رغباً ورهَباً”

    وبحسب ما اوضحت انت، “هي في كل الأحوال مفتوحة على مئات المقاربات والرؤى والتأويلات”
    لكن تظل على الاقل احدى الرؤى لدينا في معنى الخوف والاخضاع !

    مع جزيل شكري،،

أضف تعليق