الأوان كمنبر للفكر الحرّ والكلام الممنوع عربيّا

"إلى العفيف الأخضر: مفكّراً عربياً رائداً"

ذكرى العفيف الأخضر

أحد كبار التّنويريين العرب في هذا العصر

أوَّلا يسعدني جدّا ويشرفني أن أتحدث لأوَّل مرَّة عن العفيف الأخضر في بلده الأصلي: تونس. فهنا تشعر بحضوره الجسدي والروحي أكثر من أي مكان آخر لأنه الابن النجيب لهذا البلد الطيب. وقد كانت تونس منه في الصميم:  قلبا وقالبا. اقرأوا رائعته الكبرى “رسائل تونسيّة“.أقول ذلك على الرغم من أنه كان مفكرا عروبيا بالمعنى الواسع والعريض للكلمة.وعندما كنت تجلس معه ما كنت تعرف هل هو مشرقي أم مغربي أو مغاربي.كل بلاد العرب كانت بلاده، وكان يحمل همومها جميعا. وقد جابها طولا وعرضا وعاش قليلا أو كثيرا في بعضها قبل أن ينتقل الى المنفى الباريسي الطويل. كان يعتبر نفسه مسؤولا عنها كلها: عن تنميتها واخراجها من جحيم التخلف والفقر والأمية والظلامية الدينية. كان يرغب في أن تلحق بركب الأمم المتطورة بأسرع وقت ممكن. كان غيورا عليها وعلى مستقبلها الى أقصى حدود الغيرة. وأعتقد أنه كان يعتبر كل أطفال العرب أطفاله. ولكن بالطبع تبقى لتونس مكانة خاصة.فهي مسقط رأسه ومربع طفولته وشبابه الأول. وهذا ليس بالقليل. تونس الخضراء لا تنسى. كم أتمنى لو أنه كان حيا لكي نلتقي هنا في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة التونسية لكي “ندردش”، نتحدث الى ما لا نهاية..وقد كان حديثه ممتعا لا يضاهى. وذلك مثلما كنا نلتقي في مقاهي باريس وضواحيها: من السان ميشيل، الى البورت دوريه، الى البارك دو سو..ولكن اللقاء في تونس كان سيكون أعظم وأرقى وأقرب الى القلب. وقبل أن آتي الى هنا قرأت للمرة الثانية أو ربما الثالثة: رسائل تونسية.قرأتها ليس فقط للاستضاءة بأفكارها وفهم الواقع التونسي على حقيقته العميقة وانما أيضا للاستمتاع بأسلوبها.فالعفيف الأخضر لم يكن مفكرا تنويريا شجاعا فقط وانما كان كاتبا كبيرا أيضا.انه يثقفك ويمتعك في ذات الوقت تماما كفولتير.ولذلك وصفته يوما ما بأنه فولتير العرب. وهذه ليست حالة كل المثقفين العرب بل ولا حتى ربعهم أو عشرهم.انها متعة ما بعدها متعة أن تقرأه، أن تترك كل شيء وتتفرغ لنصوصه لمدة ساعة أو ساعتين أو ساعات.انك لن تكل ولن تمل.وأتذكر أني قرأت رائعته الكبرى الثانية “إصلاح الإسلام” دفعة واحدة في فندق غامبيتا بمدينة رانس الفرنسية على مدار يومين كاملين(ويك اند) دون توقف.لم أستطع تركه حتى أجهزت عليه. وكدت أموت من الضحك والفرح والاستمتاع والإعجاب تماما كما يحصل لي عندما أقرأ رسائل فولتير أو مؤلفاته.انه حتى وهو يتحدث عن موضوع جليل وخطير كإصلاح الدين يستطيع أن يضحكك، أن يدخل البهجة الى قلبك.وذلك لأنه لم يكن غليظا ثقيل الدم كبعض الآخرين.وعلى عكس الكتابات الأكاديمية الجافة الوعرة فإنّ اسلوب العفيف مباشر، شخصي، عفوي، بدون تعقيدات لا لزوم لها.يضاف الى ذلك أنه بارع في فن التهكم والسخرية.من هنا تشابهه الواضح مع فولتير.فولتير أيضا لن تكل ولن تمل عندما تقرؤه.لا أعرف فيما اذا كان العفيف يتقصد ذلك أم لا؟ بل أرجح أنه لم يكن يتقصده على الاطلاق. وإنما كانت السخرية اللاذعة تخرج منه بشكل طبيعي، عفوي.وهذه هي أقوى أنواع السخرية. فلو تقصدها لربما بدت مفتعلة، مصطنعة، غير مقنعة. أتذكر أني قرأت مرة نصا يتحدث فيه عن سيرته الذاتية.انه نص أدبي من الطراز الأول.وفيه يتحدث عن لوعته بعد وفاة والده وكيف أنه كان يركض وراء كل رجل تونسي يمشي في الشارع أو السوق الشعبي ويشبه والده من الخلف الى حد ما.ثم يظل يلاحقه ويسرع في المشي لكي يصل الى محاذاته بل ويتقدمه لكي يحدق في وجهه قليلا لكي يعرف فيما اذا كان والده أم لا؟ فلم يستطع التصديق بأن والده قد مات أو لم يرد أن يصدق ذلك على الرغم من أنهم دفنوه أمامه..نص من أروع ما يكون.لن أستطيع هنا الدخول في تفاصيل هذين الكتابين الهامين: رسائل تونسية، وإصلاح الإسلام.فهذا يتطلب مقالات عديدة وتحليلات مطولة.ولكن سوف أتوقف عند نقطة واحدة لتبيان تشابه آخر بينه وبين فولتير.في الصفحة 127 نجد عنوانا فرعيا:القتل لا أخشاه ولا أتمناه.وفيه يقول ما يلي:

“في أكتوبر 2011 هاتفني جامعي تونسي متقاعد قادم من تونس للقاء في باريس. كان مرتبكا، على غير عادته، أبى أن نجلس بجوار 3 فرنسيين “لكيلا يسمعونا”…حدست فورا أنه يشعر بالذنب وبالعار من نفسه من مهمة قذرة قد يكون كلف بها. طلب، وألح في الطلب، عنواني الذي ضيعه ولم يعد يذكر منه إلا الرمز البريدي. فأعطيته اياه فقرأه جيدا للتأكد منه قائلا أريد أن أرسل لك كتابا..وضعه في محفظة نقوده ثم سأل:

*ما تكتبه ضد الإسلاميين في تونس خطير عليك

*أكتب ما أفكر فيه حقا غير مبال بالأخطار

*انك تقامر بحياتك

*ومتى لم أقامر بها؟

*هذه المرة قد تُقتل…

سيكون قاتلي في سباق مع السرطان.الشهادة لا أخشاها ولا أتمناها.لكن مع ذلك أفضل أن تكون بديلا عن موتي بالسرطان على فراشي كما يموت البعير.العقلانية والعلمانية وإصلاح الإسلام في حاجة الى شهيد.ولا بأس أن أكون هذا الشهيد لتنافس كتاباتي في انتشارها البخاري ومسلم معا”.

انتهى الاستشهاد. انتهى كلام العفيف الأخضر. خير الكلام ما قل ودل. لماذا يذكرني هذا الكلام بفولتير؟ لسبب بسيط هو أن فيلسوف الفرنسيين كان أيضا يخشى الاغتيال من قبل الأصوليين أو الاخوان المسيحيين على الرغم من أنه هرب من فرنسا وعاش معظم حياته خارجها تماما كالعفيف.ولكن يدهم طويلة فكانوا يلاحقونه الى بلاد المنفى بزمجراتهم ووعيدهم. وقد هددوه أكثر من مرة بإرسال كوماندوس من باريس لاغتياله حيث هو في الخارج. ومعلوم أن فرنسا آنذاك كانت أصولية كاثوليكية في أغلبيتها الساحقة. كانت الأصولية حاكمة بأمرها وشديدة البأس والرهبة تماما كما هو عليه الحال لدينا اليوم. وويل لمن ينتقد الدين أو رجال الدين. ولكي يتحاشى ذلك فإنّه كان يبث اشاعة من وقت الى آخر تقول ما معناه: “المسيو دو فولتير مصاب بمرض عضال. أيامه أصبحت معدودة”، الخ. وهكذا يقولون بينهم وبين أنفسهم: “لا داعي لأن نتعب أنفسنا بسفك دم هذا الكافر الزنديق. بما أن حالته متردية الى مثل هذا الحد فلنتركه يفطس لحاله بشكل تلقائي”. ولكن فولتير عاش بعد ذلك عشرين أو ثلاثين سنة اضافية. وظل يناوشهم ويحاربهم بكل ما يملك من قوة.. ولكن بما أنهم كانوا آنذاك يمثلون أغلبية الشعب الفرنسي وهو أقلية قليلة فإنّه كان مضطرا للمناورة والمراوغة حفاظا على حياته، ثم بالأخص بغية اكمال معركته الفكرية ومؤلفاته.وكان أخشى ما يخشاه أن يقتلوه قبل أن يكمل مهمته.

قد يتوهم الناس الذين لا يعرفون العفيف أو لم يقرؤوه أنه كان ماديا ملحدا معاديا للإسلام! ولكن هذه صورة مغلوطة تماما. فالواقع أنه كان معتزا بتراثه العربي الإسلامي كل الاعتزاز. ولم يكن يريد التخلي عنه بأي شكل لأنه يشكل العمق التاريخي لتونس ولكل العرب. كان يريد فقط مصالحته مع الحرية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان: أي مع الحداثة بشكل عام.الشيء الذي كان يحاربه ليس الإسلام الأخلاقي الروحاني العالي المتعالي وإنما النسخة الوهابية الطالبانية الاخونجية للإسلام.وشتان ما بينهما. فالإسلام دين عالمي كبير لا يمكن اختزاله الى هذا التيار الانغلاقي المتعصب وان كان يملأ الشارع حاليا. انه حمال أوجه وله تفسيرات عديدة اخترقت تاريخنا من أوله الى آخره.فهناك التيار الحنبلي والتيار المعتزلي، هناك تيار المتصوفة وتيار الفلاسفة، الخ..كان يدعو الى “دراسة الإسلام وتدريسه بعلوم الأديان” على حد تعبيره. فما معنى هذا المصطلح يا ترى؟ لشرحه يمكن أن نقول ما يلي: يرى العفيف أن العلوم الدينية الإسلامية القديمة تجاوزها الزمن والتقدم العلمي. وبالتالي فوحدها علوم الأديان الحديثة قادرة على إصلاح الإسلام. وهي مثلا لا حصرا : تاريخ الأديان المقارن، وسوسيولوجيا الأديان(أي علم اجتماع الأديان)، وعلم نفس الأديان، الخ..ويرى العفيف أن مبادئ هذه العلوم كونية. والدليل على ذلك أنها نجحت في إصلاح الأديان الأخرى (كالمسيحية في أوروبا) فلماذا لا تنجح في إصلاح الإسلام؟ كل ما نحتاجه هو تطبيق مناهجها ومصطلحاتها بشكل مبدع خلاق على دراسة الإسلام وشخصياته وتاريخه. ثم يقول بأن عصرنا هو عصر الانتقال شبه النهائي من الحاكمية الالهية الى حاكمية العقل البشري غير الكاملة لكنها القابلة للكمال(أنظر حواراته المطولة مع ناصر بن رجب ولحسن وريغ. وانظر بشكل عام كتابه الهام:إصلاح الإسلام). وكان يقول بأن الهدف من إصلاح الإسلام هو جعل الإسلام المعاصر يتبنى العقلانية الدينية الإسلامية. ثم يتساءل: ماالمقصود بالعقلانية الدينية؟ ويجيب: قبول مؤسسات  وعلوم وقيم العالم الذي نعيش فيه، وخاصة اعتناق الدين العلماني العالمي، دين حقوق الإنسان، المناسب لجميع الديانات شرط أن تحترم هي قيمه الكونية التي يسلم بها كل عقل سليم أينما كان مثل: حرية التعبير، حرية التدين أو عدم التدين، حرية الضمير، المساواة الكاملة في الحقوق والكرامة بين الرجل والمرأة، والمسلم/ وغير المسلم، والعربي/ وغير العربي، والمؤمن/ وغير المؤمن، وبين المؤمنين أنفسهم مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية أو الطائفية.ثم يردف قائلا: بالإصلاح نريد التخلص من الشلل النفسي الملازم لعبادة الأسلاف بطريقة تدينهم التي لم تعد من هذا العالم: عالم حقوق الإنسان والمواطن.نريد التخلص من إسلام القرون الوسطى المتقادم الذي عبر عنه مشروع جماعة الاخوان المسلمين المصرية للدستور عام 2011. وهو دستور لا يعرف مفهوم المواطنة بالمعنى الحديث للكلمة ولا يعترف بها. انه يريد تأسيس دولة لاهوتية ثيوقراطية لا دولة مدنية حديثة تتسع أحضانها لجميع مواطنيها دون أي تمييز ديني أو طائفي. وهنا تكمن الاشكالية الكبرى للعصر العربي الراهن كما نعلم. باختصار شديد فإنّ العفيف الأخضر كان يضع التونسيين وكل العرب أمام خيارين لا ثالث لهما: اما إسلام الأنوار، وإما إسلام الاخوان. نقطة على السطر. فإما الإسلام المتصالح مع الحداثة والعصر، وإما الإسلام المعادي لهما الى أبد الدهر والذي ملأ العالم بالتفجيرات وألب علينا كل أمم الأرض. لقد كرس العفيف الأخضر كل جهوده لهذه المعركة الفاصلة لأنه كان يعرف أنها معركة المعارك، أم المعارك.وحتى آخر لحظة من حياته لم يتخل عن حلمه الكبير الجميل بإخراج العرب من الفقر والجوع وسوء التنمية وجهالات القرون. هذا هو العفيف الأخضر قدمناه لكم بسطور معدودات وبشكل حرفي تقريبا. ولكنها لا تفيه حقه على الاطلاق. فنظرياته وأطروحاته أوسع من ذلك بكثير. ومن يريد الاطلاع عليها بشكل مفصل وكاف فليعد الى مؤلفاته ونصوصه الكبرى.

“الأوان” وتنوير العرب

سوف أقولها بكل صراحة ودون أي لف أو دوران: لو كانت الجرائد العربية تسمح بطرح المشكلة الدينية على مصراعيها لما كان هناك أي داع لوجود منبر يدعى: الأوان. بل ولدعوتكم فورا الى اغلاقه. لو كانت تسمح بطرح الاشكالية الأساسية للعالم العربي والإسلامي كله لكنا استغنينا عنه سهولة. لا ريب في أنه توجد بعض الجرائد أو الملاحق الثقافية الرصينة التي تترك للكتاب العرب هامشا لا يستهان به من الحرية. ولكن عندما يصل الأمر الى القضايا الدينية الحساسة فإنّ الهامش يتقلص ويضيق كثيرا. وعلى ذكر فولتير والعفيف الأخضر فسوف أروي لكم الحكاية التالية: في أحد الأيام سمع فولتير – وكان في المنفى البعيد – بأن الإخوان المسيحيين شددوا الخناق على ديدرو في باريس بسبب الموسوعة الشهيرة وهددوه بالقتل ان لم يكفّ عن نشرها تباعا جزءا بعد جزء. ومعلوم أنها كانت رأس الحربة ضد الأصولية المسيحية وكانت تبث الأفكار الفلسفية والعلمية بغية تنوير فرنسا وإخراجها من ظلمات التعصب والجهل. عندما سمع بذلك اتصل بديدرو وقال له ما يلي: أترك باريس فورا وتعال أنت ودالامبير والمجموعة كلها الى منطقة جغرافية واقعة تحت نفوذ المستبد المستنير فريدريك الكبير. فهو يعطينا الحرية الكاملة لنقد العقائد الدوغمائية المتحجرة. ونحن لسنا بحاجة إلا الى مطبعة وورق أبيض وفريق عمل متكامل ومصمم لخوض المعركة. وعندئذ سنخوضها شبرا شبرا وفترا فترا ضد الأصوليين: كتاب مقابل كتاب، منشور مقابل منشور، فكرة مقابل فكرة، حداثة مقابل قدامة، الخ. ومن يربح المعركة في نهاية المطاف حلال عليه..صحيح أن الماضي معهم وكذلك الجماهير الشعبية الغاطسة في مستنقع الجهل والأمية ولكن المستقبل لنا.نحن سنصنع مستقبل الأجيال الفرنسية القادمة وليس الأصولية الظلامية والكتب الصفراء التي علاها الغبار..على هذا النحو كان يفهم فولتير المعارك الفكرية.ومن هذه الناحية فهناك تشابه كامل بينه وبين العفيف الأخضر.

على أي حال فإنّ الأوان خاضت معركة موازية لمعركة فولتير ولا تزال. فعلى مدار السنوات العشر السابقة نشرت مع رابطة العقلانيين العرب التابعة لها مئات المقالات وعشرات الكتب الهادفة الى تنوير العالم العربي. كما وجرت على صفحاتها مناقشات فكرية حرة عن شتى الموضوعات الحساسة التي تهم القراء العرب. وهناك مقالات عديدة جدا ما كان يمكن أن تنشر إلا على صفحات هذا المنبر نظرا لهامش الحرية الفكرية الكبير الذي يتمتع به. أقصد بالطبع المقالات التي تتمحور حول المسألة الدينية بكل تفاصيلها وجوانبها. ومعلوم أن هذا الموضوع يصعب الخوض فيه نظرا لحساسيته الشديدة بالنسبة للعالم العربي ككل. نقول ذلك على الرغم من أنه موضوع الساعة.فهو الذي يفجر البلدان ويشعل الحروب الأهلية في كل مكان.فكيف يمكن أن نغض الطرف عنه؟ هل نتحدث عن كل شيء ما عدا الشيء الذي ينبغي التحدث عنه؟ هل يمكن أن تُحل المشاكل السياسية والاجتماعية بل وحتى الاقتصادية بدون حل المشكلة الدينية؟ هل يمكن تشكيل وحدة وطنية بدون حسم هذه المسألة الأساسية؟ لماذا وصلنا الى الباب المسدود في المشرق العربي خصوصا؟ لماذا تكسرت كل آمالنا وجهودنا على هذه الصخرة التراثية الكبرى؟ كان عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو يقول هذه العبارة البليغة عن بعض المثقفين: انهم يقولون كل شيء عن اللاشيء، أو اللاشيء عن كل شيء. وبالفعل فالكثيرون يتحاشون هذا الموضوع نظرا لخطورته. وإذا ما تحدثوا عنه فكثيرا ما يرددون نفس الكلام التقليدي السائد عن الطوائف والمذاهب.وبالتالي فينبغي أن تُطرح المسألة الدينية بشكل جديد ومن منظور مختلف تماما.أقصد ينبغي أن تُطرح من منظور الحداثة الفكرية والفلسفية لا من منظور القدامة اللاهوتية القروسطية التي لا تزال تهيمن على العالم الإسلامي من أقصاه الى أقصاه. ضمن هذا المنظور سوف أطرح مسألة التسامح في هذه المداخلة. وذلك انطلاقا من منظور أنه لا تعايش بدون تسامح.وقد أصبح التعايش أمرا عسيرا في بعض مجتمعاتنا خصوصا في المشرق العربي بعد أن استيقظت كل العصبيات الدفينة دفعة واحدة وتكاد تحرق الأخضر واليابس كما يقال. وهي عصبيات لاهوتية كانت مطمورة تحت سطح الأيديولوجيات الحداثية. وقد توهمنا أننا تجاوزناها لمجرد أننا “تمركسنا” قليلا أو كثيرا. ولكن هذه الأيديولوجيات كانت من الهشاشة بحيث أنها لم تصمد دقيقة واحدة أمام الاعصار المدوي لداعش والنصرة والقاعدة وعشرات التنظيمات والتسميات الأخرى.

كيف نطرح مشكلة التّسامح أو التّعايش بين الطَّوائف والمذاهب في المشرق العربي؟

لقد فكرت في الموضوع مطولا في السنوات الأخيرة واستقر رأيي على ضرورة طرح مشكلة “التسامح” بكل أبعادها بعد أن حصل في المشرق العربي ما حصل، وبعد أن دُمر ما دمر..في الواقع أني أكره هذه الكلمة ولا أحبها.وأفضل عليها بألف مرة مصطلح: “الحرية الدينية الكاملة”. بل وحتى أفضل عليها مصطلح التعايش. لماذا؟ لأن التسامح يعني ضمنيا أني أتفضل عليك وأتسامح معك وأغض الطرف عن أصلك وفصلك ونواقصك. وبالتالي ففيه اهانة للشخص الذي نتسامح معه. فيه ازدراء واستعلاء ونظرة اليه من فوق. ولكني مضطر لاستخدامه لأنه شائع حاليا. ثم لأنه يمكن أن يكتسب معنى جديدا موسعا غير السابق.ونقطة انطلاقي الأولى هي أن مفهوم التسامح بالمعنى الحديث للكلمة غير موجود في الثقافة العربية الحالية ناهيك عن الثقافة التقليدية الموروثة. لا ريب في أن الكلمة موجودة ولكن المضمون بالمعنى الحديث للكلمة -أي بالمعنى الفلسفي التنويري-  غير موجود على الاطلاق.انه يشكل ما يدعوه علماء الابيستمولوجيا “باللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه” بالنسبة للعرب والمسلمين ككل. وهنا يكمن النقص المريع لثقافتنا المعاصرة وتربيتنا الدينية على وجه الخصوص. لماذا؟ لأنها لا تزال تعتقد بأنه لا يمكن أن يوجد الا دين واحد صحيح على وجه الأرض أو حتى مذهب واحد صحيح داخل هذا الدين هو مذهب الأغلبية العددية أو ما يدعى بالأرثوذكسية الدينية والعقائدية. كما ولا تزال تعتقد بوجود فرقة ناجية/وفرق أخرى ضالة منحرفة زنديقة الخ. (بالمناسبة هنا يكمن الجانب الأخطر والأهم من المذبحة العربية المشرقية الجارية حاليا. ولكن لن تجدوا مثقفا واحدا يتحدث عنه. لقد كتبت عنها آلاف المقالات ما عدا مقالا واحدا!). كما ولا تزال ثقافتنا الشائعة تعتقد بأنه لا يوجد إلا مفهوم واحد للدين هو المفهوم التقليدي السائد والراسخ منذ مئات السنين. يضاف الى ذلك أنها لا تزال تقسم الناس الى قسمين: مؤمن/وكافر، دار إسلام/ودار حرب، طاهرين/وأنجاس، مسلم صحيح/ وهراطقة، باعتبار أننا وحدنا المؤمنون على وجه الأرض وبقية الناس كفار وأنجاس.. ينبغي تفكيك كل هذه الكليشيهات القروسطية القديمة لكي يستطيع مفهوم التسامح أن ينبثق في ساحة الفكر العربي المعاصر. وهو ما يدعونا اليه العفيف الأخضر بشكل أو بآخر. انه يدعونا الى توسيع عقولنا ومداركنا ولو قليلا..انه يدعونا الى الخروج من الكهوف المظلمة والانغلاق على الذات. ينبغي أن تدخل الحقيقة الدينية في أزمة مع نفسها كما حصل في أوروبا بدءا من عصر الأنوار وتتنازل من عليائها وتتحول من حقيقة مطلقة الى حقيقة نسبية. بمعنى: أنه لو شاء الله أن يخلق البشر على دين واحد لفعل ذلك منذ زمن طويل وتخلصنا من المشكلة نهائيا ولكنه لم يشأ. هل الله عاجز عن ذلك؟ معاذ الله. ألله قادر على كل شيء. وهذا يعني أنه توجد عدة طرق تؤدي الى الله لا طريق واحد على عكس ما يزعم الاصوليون الحرفيون المتحجرون الذين حولوا القرآن الكريم الى مجرد نص ارهابي عنفي بعد أن نجحوا في مصادرته والسطو عليه..وبالتالي فمفهوم الدين الوحيد الصحيح في المطلق لم يعد مقبولا من وجهة نظر الفكر الحديث. لقد كان مهيمنا على فترة العصور الوسطى كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش ولكنه لم يعد مقبولا الآن بعد أن دخلت الحقيقة الدينية في أزمة مع ذاتها كما يقول بول ريكور. فهناك أديان عديدة على وجه الأرض لا دين واحد. وكلها صحيحة من وجهة نظر أتباعها. أذهب الى البوذي أو الهندوسي، وقل له بأن دينك وثني كافر لا معنى له. اذهب الى اليهودي أو المسيحي، وقل له بأن دينك  محرف، مزور، غير مقبول عند الله. انه يصفعك فورا بنظرات الاستغراب والاستنكار. هذا ان لم يكن أكثر. وبالتالي فينبغي أن تُحترم جميع الأديان بصفتها تلك لأنها تؤمن الطمأنينة والسكينة لملايين البشر.. وكل دين يحتوي على نقاط قوة ونقاط ضعف. كل دين يعبر عن جانب من الحقيقة نسيه الدين الآخر أو أهمله أو لم يره.. قد توجد في البوذية قيم رائعة لا نعرفها نحن في الإسلام، هذا ناهيك عن المسيحية حيث يسود مفهوم للمحبة والسلام من أروع ما يكون. وتوجد في الإسلام أيضا قيم رائعة لا يعرفها الآخرون بل ولا يعرفها حتى المسلمون المعاصرون أنفسهم! فقد غطت عليها زمجرات الظلاميين المتطرفين وحجبتها كليا. وبالتالي فالأديان تتكامل ولا تتصارع بالضرورة. يضاف الى ذلك أن الأديان، كما قال كلود ليفي ستروس، ما هي في نهاية المطاف إلا مجرد رؤى للعالم. كل دين يقدم رؤيا معينة عن هذا العالم/ والعالم الآخر. وهذه الرؤيا صحيحة بالمطلق بالنسبة للمؤمن المتدين المنغلق كليا داخل جدران هذا الدين. ولكنها لا تعني شيئا بالنسبة لمؤمن ينتمي الى دين آخر. كما أنها مجرد رؤيا من جملة رؤى أخرى بالنسبة للإنسان الحديث الذي يقف خارج كل الأديان ويطل عليها من فوق ومن مسافة متساوية. والأديان تختلف في العقائد والطقوس والشعائر اختلافا شديدا. ولكن هناك نواة أخلاقية مشتركة لجميع الأديان الكبرى كما قال هانز كونغ. فالإسلام والمسيحية واليهودية بل وحتى أديان الشرق الأقصى كالبوذية والهندوسية والكنفشيوسية كلها تدعو الى مكارم الأخلاق. لن تجد دينا كبيرا واحدا يدعو الى القتل، أو السرقة، أو الكذب، الخ..

كلمة سريعة عن مفهوم “الإسلام الصحيح”والإسلامات “المهرطقة أو المزندقة”

أتذكر أني سمعت أحد كبار المفكرين يقول مرة بأن مفهوم “الإسلام الصحيح” هو عبارة عن أسطورة. صحيح أنه جرت الدماء من أجله أنهارا بين مختلف الفرق الإسلامية. ولكن ذلك تم ضمن اطار الفضاء العقلي للعصور الوسطى/ لا ضمن اطار الفضاء العقلي للعصور الحديثة.وشتان ما بينهما.أنظر المفهوم المركزي للقطيعة الابيستمولوجية الفاصل بين كلا الفضاءين المعرفيين. لقد آن الأوان لكي يأخذ الفكر العربي مفهوم القطيعة الابيستمولوجية بعين الاعتبار وعلى محمل الجد. فنحن لم نعد نستطيع أن نؤمن ونتدين كما كان يؤمن أجدادنا ويتدينون. ومفهومنا الحالي للدين لم يعد مفهوم أسلافنا في العصور الغابرة. و”عبادة الأسلاف” كما يقول العفيف الأخضر قد تعمي البصر والبصيرة. لا ريب في أنه ينبغي احترامهم وتقديرهم ولكن تنبغي موضعتهم ضمن ظروف عصرهم التي لم تعد ظروفنا ولا حيثياتنا. ينبغي أن نعرف حجم المسافة التي تفصلنا عنهم بقدر ما نعرف حجم الوشائج العاطفية التي تربطنا بهم. على أي حال فمفهوم كانط عن الدين غير مفهوم بابوات القرون الوسطى وزعماء الأصولية المسيحية. هذا أقل ما يمكن أن يقال. أنظروا كتابه الشهير: “الدين ضمن حدود العقل فقط”. ومفهوم عبد النور بيدار أو محمد الحداد أو العياض بن عاشور عن الإسلام غير مفهوم ابن تيمية أو حسن البنا أو على بلحاج أو يوسف القرضاوي وبقية قادة الأصولية المعاصرة. الخ.. وبالتالي فكل “الإسلامات” صحيحة من وجهة نظر أصحابها وأتباعها. أذهب الى ايران تجد أن “الإسلام الصحيح” هو المذهب الشيعي الامامي. واذهب الى عُمان تجد أن الإسلام الصحيح هو المذهب الاباضي. ولكن أذهب الى البلدان العربية والإسلامية الأخرى تجد أن “الإسلام الصحيح” هو مذهب أهل السنة والجماعة. وقد استطاع احتكار مفهوم الإسلام الصحيح لذاته بسبب الكثرة العددية والهيمنة التاريخية منذ الأمويين وحتى العثمانيين. وأنا شخصيا لو خيرت أو أجبرت على الخيار لقلت بأن الإسلام الصحيح هو المذهب المعتزلي من حيث العقلانية، ومذهب التصوف من حيث الشطحات الروحانية. وأنا شطحاتي شطحات..ولربما قلت أيضا بأن الإسلام الصحيح هو خلاصة أفضل ما أعطته المذاهب الثلاثة الكبرى: من سنية، وشيعية، وإباضية. الإسلام الصحيح هو “كل” الإسلام وليس الإسلام مجزوءا ومبتورا. انه إسلام بلا مذاهب، إسلام يخترق المذاهب، إسلام يعلو على كل المذاهب. بهذا المعنى فأنا سني وشيعي واباضي ومعتزلي وصوفي بل وحتى علوي ودرزي وفاطمي اسماعيلي الخ..كل تراث الإسلام تراثي. وفي ذات الوقت فأنا أتموضع خارج هذا التراث كليا لأني من جماعة الحداثة أو ما بعد الحداثة.أو قل بأني أصالح بينها وبين أفضل ما أعطاه تراثي العربي الإسلامي. (لاحظوا كيف أني تجرأت على ذكر العلويين والدروز والاسماعيليين وعددتهم من بين المسلمين! لاحظوا كيف بلغت بي الوقاحة مبلغها! نقول ذلك ونحن نعلم أن أتباع هذه المذاهب الثلاثة “أشد كفرا من اليهود والنصارى” بحسب أقوال ابن تيمية والدكتور يوسف القرضاوي في آن معا. ولله الأمر من قبل ومن بعد..).

لتوضيح هذه الاشكالية الكبرى بشكل أفضل فسوف أستخدم منهج المقارنة وأقول ما يلي: أذهب الى اسبانيا والبرتغال وايطاليا وسواها تجد أن “المسيحية الصحيحة” التي لا تشوبها شائبة هي المذهب الكاثوليكي البابوي. ولكن أذهب الى سويسرا أو السويد والبلدان الاسكندنافية أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية فعندئذ تجد أن “المسيحية الصحيحة” هي المذهب البروتستانتي اللوثري أو الكالفني.ومعلوم أنهم احتجوا في وقتها على انتخاب كندي كأول رئيس كاثوليكي لاميركا البروتستانتية.ولكنهم تجاوزوا المشكلة بفضل علمانية الدولة. فهو مواطن أيضا وفي دولة مدنية لا لاهوتية ثيوقراطية.هل يمكن أن تتخيل رئيسا سنيا في ايران، أو شيعيا في مصر؟ وبالتالي فحيث توجد الكثرة العددية أو الحاضنة الضخمة توجد “الحقيقة المطلقة”. وويلٌ لمن يقع في الجهة الأخرى. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فإنّ كل المذاهب مشروعة من وجهة نظر الفكر الحديث الذي يتخذ مسافة متساوية عنها.فلا يفضل بشكل مسبق السني على الشيعي والاباضي أو العكس كما يفعل الأصوليون من كل المذاهب. لماذا؟ لأنّ النص القرآني تعددي بطبيعته وذو لغة مجازية عالية فوارة بالمعنى. ولا يمكن سجنه في أغلب الأحيان داخل معنى واحد كما يفعل الحرفيون المهيمنون على الساحة حاليا. وبالتالي فالكلام القرآني يؤدي الى عدة تفاسير وعدة تيارات بالضرورة لا الى تفسير واحد.فهناك التفسير الظاهري/ والتفسير الباطني،هناك التفسير الحرفي/ والتفسير المجازي، هناك التفسير الحنبلي/ والتفسير المعتزلي، الخ..هناك أيضا التفسير التكفيري الذي يركز على آيات العنف والقتال فقط ويهمل ما عداها أو يعتبرها منسوخة. وهو السائد اليوم. وهناك التفسير الإيماني الواسع الذي يعترف بالتعددية الدينية محترما الأديان الأخرى ومركزا على آيات الرحمة والصفح والسلم  والغفران. وهي موجودة في القرآن أيضا. ولكن لا أحد يراها الآن. القرآن وجهان أو سفحان..ولكم الخيار!..بقي أن ينتصر المعنى التنويري للقرآن على المعنى الظلامي، أو المعنى الانفتاحي على المعنى الانغلاقي. بقي أن تنتصر القراءة التاريخية للقرآن الكريم على القراءة الغيبية اللاتاريخية التي تعتقد أنه خارج الزمان والمكان.. بقي أن ننزله من علياء السماء الى سطح الأرض. عندئذ ربما زلزلت الأرض زلزالها!..ولكن شوية، شوية..القصة خطيرة والانغلاق القديم المزمن لا يُفتح دفعة واحدة وإلا انفجر في وجهك اعصار أو بركان! فعلى مهلك أيها النزق المتهور(الكلام موجه لي شخصيا.ألا يحق لي أن أخوض حربا أهلية مع نفسي؟). بقي أن نتجاوز مرحلة القصور العقلي ونبلغ سن النضج أو سن الرشد كما يقول كانط في تعريفه للأنوار. وهذه هي مهمة المثقفين العرب اليوم. وهي مهمة ملحة وعاجلة جدا نظرا لخطورة الأحداث التي تحصل حاليا. اذا ما انتصر التفسير التاريخي والفلسفي التنويري للدين الإسلامي على التفسير الإخواني- السلفي المهيمن منذ الدخول في عصر الانحطاط فإنّه يمكن عندئذ لمفهوم التسامح أن ينبثق في الساحة العربية. ويمكن للتعددية العقائدية والمذهبية أن تصبح مشروعة في ثقافتنا.ولن يعود أحد يكفر أحدا. عندئذ يصبح التعايش ممكنا بين السنة والشيعة والخوارج الاباضيين وكل متفرعاتهم. وعندئذ يمكن أن نقبل بوجود عدة أديان وعدة مذاهب في المجتمع دون أي مشكلة. بل ويمكن أن نقبل بوجود أشخاص غير متدينين بالمرة وخارجين على كل المذاهب والطوائف. انهم “يعتنقون فلسفة الأنوار دينا” كما يقول العفيف الأخضر، وان بصياغة أخرى. انهم يأخذون من الإسلام روحانيته الجميلة ومكارم أخلاقه مصالحين بينه وبين فلسفة الأنوار. وهم المرشحون لأن يكونوا الكثرة الكاثرة غدا كما في الأمم المتقدمة التي تجاوزت كليا مرحلة التدين الأصولي المرهق بكل طقوسه وشعائره.ويمكن أن نكون من بينهم، بل وفي طليعتهم في هذا المنبر، منبر الأوان الجديد، دون أن يعني ذلك أننا نتخلى عن تراثنا العربي الإسلامي العظيم. فنحن نتاجه قلبا وقالبا. ولكن آن الأوان لكي نقيم علاقة جديدة معه. آن الأوان لكي نغربل وننخل، نبقي وندع. بمعنى آخر: يحق لنا أن نأخذ منه الجانب الانفتاحي المشرق الذي يتماشى مع فلسفة الأنوار ولا يناقضها أو يكفرها. وهؤلاء اللامتدينون أو اللامؤمنون (بالمعنى التقليدي للكلمة) سيكونون هم المؤمنين الغالبين في العصر القادم. والحال أنهم أصبحوا يشكلون الأغلبية العظمى في المجتمعات المتقدمة. وعندئذ نتخلص نهائيا من القاعدة والنصرة وداعش وكل هذه الحركات المتطرفة التي سممت وجودنا وسببت لنا مشكلة خطيرة مع كل أمم الأرض. وهي حركات تدل على وجود مرض خطير ومستفحل عضال في أحشائنا. انها ليست مزحة بسيطة ولا ظاهرة سطحية عرضية كما يزعم البعض.ا نها ليست مفتعلة على الاطلاق وإنما خارجة من الطبقات التحتية، من أحشاء أحشائنا. ولها ركيزتان أساسيتان في الوقت الحاضر: الايديولوجيا الاخوانية، والايديولوجيا الوهابية. أو قل اللاهوت الاخواني، واللاهوت الوهابي، أو قل المفهوم الاخواني للإسلام، والمفهوم الوهابي للإسلام. وهو مفهوم أصبح يصطدم بجدار العصر. انه يناطح العصر. انه ضد حركة التاريخ ولا مستقبل له. فبالاضافة الى فقره الفكري المدقع فإنّه لم يعد مقبولا في عصر العولمة والحداثة الكونية:عصر التعايش السلمي، والاحترام المتبادل، والتفاعل المبدع الخلاق بين مختلف الشعوب والثقافات والتراثات..لا أعرف لماذا لا أحترم البوذي والهندوسي والكنفشيوسي ناهيك عن المسيحي واليهودي دون أن أتخلى عن هويتي وتراثي العربي الإسلامي العريق؟ فقد تكون عندهم أشياء لا أعرفها. وهم أيضا قد يجدون عندي أشياء لا يعرفونها. هنا يكمن غنى التجربة الروحية لكافة التراثات البشرية. كل تراث يعبر عنها-أي عن معنى الوجود- بطريقة ما. ينبغي أن نوسع عقولنا قليلا وننظر الى الدين من منظور أنتربولوجي واسع: أي يشمل كل الأديان والتراثات البشرية دفعة واحدة.وهذا هو الفكر الذي يليق بعصر العولمة الكونية وثورة المعلوماتية التي وصلت كل شعوب الأرض ببعضها البعض بشكل يومي وفي نفس اللحظة.

في البداية كان التَّعصب لا التَّسامح!

هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فينبغي العلم بأن الإنسان بطبعه العميق ميال الى التعصب لا الى التسامح. وتاليا ينبغي أن يشتغل على نفسه اشتغالا قاسيا ويوسع عقله ومداركه لكي يستطيع أن يقبل بوجود دين آخر غير دينه أو مذهب آخر غير مذهبه أو طائفة أخرى غير طائفته. وهذا يعني أن التسامح شيء جدا عسير جدا على النفس، بل وطعمه مر.فنحن نتمنى لو أن جميع البشر يعتنقون نفس ديننا ونفس مذهبنا. وبالتالي فالتسامح شيء مكتسب لا فطري. انه مكتسب عن طريق التربية والتثقيف وبرامج التعليم وليس شيئا جاهزا أو معطى بدهيا عن طريق الخلقة والفطرة. الشيء المعطى بشكل عفوي بدهي هو حب الذات والانغلاق عليها وكره الآخر والنفور من دينه وعقيدته بل وتكفيره واحتقاره. هكذا ابتدأنا جميعا. لقد تشربنا حب طائفتنا ومذهبنا وديننا مع حليب الطفولة.من هنا صعوبة التخلص من التعصب الطائفي والانفتاح على الآخر. وهذا يعني أنه ينبغي تغيير طريقة تدريس الدين ليس فقط في الأزهر وكليات الشريعة وقم والنجف الخ وانما في كل المدارس والجامعات العربية الحديثة.هذا ناهيك عن الجامعات الوهابية التكفيرية صراحة.وهي جامعات تعتقد بأن الشيعة وبقية الفرق خارجين عن الإسلام كليا بل وحتى مشركين! ولكنهم يكفرون أيضا عقلاء أهل السنة المتنورين.كما ويكفرون المسيحيين العرب ويبيحون دمهم.أنظروا بيان داعش الأخير عن تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة حيث اعتبروا المسيحيين الأقباط مجرد “صليبيين وكفارا تباح دماؤهم شرعا”! هذا في حين أن القرآن يحترمهم في آيات بينات ويعتبرهم “أهل كتاب” لهم مكانة خاصة متمايزة تماما عن المشركين. وبالتالي فشيوخ داعش أهم من القرآن ذاته وكلمتهم أعلى من كلمته. أرأيتم كيف وصل بنا الجهل مبلغه؟ على أي حال ينبغي تجديد تعليم الدين وتغيير برامجه جذريا في كل المدارس والجامعات العربية بلا استثناء. بهذا المعنى فمادة التربية الدينية هي حاليا أهم وأخطر من مادة الفيزياء الذرية! انها أخطر منها وأكثر انفجارا وتفجيرا. لماذا؟ لأنها اما أن تؤدي الى تفريخ الوهابيين والطالبان ومتعصبي السنة والشيعة بالملايين وتوصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم من كوارث وانسدادات، وإما أن تؤدي الى انبثاق أجيال عربية وإسلامية جديدة: أي مستنيرة، متصالحة مع ذاتها التراثية ومع الحداثة العالمية في آن معا. ولكن كيف يمكن أن تتصالح مع ذاتها التراثية قبل نفض الغبار عنها وتفكيك انغلاقاتها اللاهوتية والطائفية الضيقة؟هكذا تجدون أننا عدنا الى نقطة الصفر، أننا ندور في حلقة مفرغة. كل شيء يعتمد اذن على كيفية تدريس الدين في العالم العربي من المدرسة الابتدائية وحتى الجامعة.أنظروا كيف يدرسون الدين المسيحي في المعهد الكاثوليكي في باريس أو في كلية اللاهوت البروتستانتية في ستراسبورغ؟ شيء مختلف كليا. انهم يطبقون على تراثهم المسيحي أحدث المناهج التاريخية والاجتماعية والانتربولوجية. انهم يتحدثون عنه كفلاسفة تقريبا لا كرجال دين.

هانز كونغ ونظريّة الباراديغمات اللاَّهوتيَّة

أنظروا كيف يتحدث اللاهوتي السويسري الشهير هانز كونغ عن المسيحية. أنظروا كتابه: “من أجل لاهوت ديني يليق بالألفية الثالثة” أي بالقرن إلحادي والعشرين: أي لاهوت ما بعد الحداثة! وقارنوا بين ما يقوله هذا المفكر عن الدين/ وما يقوله مشائخنا على الفضائيات. شيء مخيف! شيء مخجل، هوة سحيقة. نحن أمام المشهد التالي: لاهوت القرون الوسطى مقابل لاهوت الحداثة، أو حتى ما بعد الحداثة! أين الثرى من الثريا؟ وأين العلم من الجهل؟ انهم يقارعون أقدس عقائدهم الموروثة بأحدث النظريات العلمية والفلسفية والتاريخية. هانز كونغ مطلع على أحدث النظريات الابيستمولوجية وهو رجل دين! انه يطبق نظرية الباراديغمات للعالم الفيزيائي والابيستمولوجي الأميركي “توماس كهن” على تاريخ اللاهوت الديني ويخرج بنتائج مقنعة ومدهشة.  فهناك باراديغم القرون الوسطى، وهناك باراديغم الإصلاح الديني البروتستانتي للوثر، وهناك باراديغم التنوير في القرن الثامن عشر، وهناك الباراديغم الليبرالي في القرنين التاسع عشر والعشرين، والآن أصبحوا يتحدثون عن باراديغم ما بعد التنوير، أو قل باراديغم الحداثة وما بعد الحداثة. وكل هذا أخذه عن توماس كهن، فيلسوف العلوم الاميركي، صاحب كتاب: “بنية الثورات العلمية” الذي ترجمه الى العربية صديقنا العزيز الراحل قبل الأوان: سالم يفوت. فتوماس كهن يشرح لنا كيف انتهى باراديغم أرسطو وبطليموس وحل محله باراديغم كوبرنيكوس وغاليليو. ثم جاء بعده باراديغم اسحاق نيوتن للميكانيك الكلاسيكي، وبعده جاء باراديغم انشتاين ونيلز بور والميكانيك الكمي والموجي، الخ. أقول ذلك بسرعة شديدة وقحصات أشد. فإذا برجل دين يأتي لكي يطبق نفس النظرية على تاريخ علم اللاهوت الديني عبر تاريخه الطويل. هل سمع شيوخنا مجرد سماع بذلك؟ مستحيل. ولا نلومهم على ذلك. فنحن لسنا متخلفين علميا وتكنولوجيا فقط وإنما دينيا أيضا. تدريس الدين في العالم الإسلامي لا يليق حتى بالقرون الوسطى! على أي حال فالعلم واحد، والمعرفة البشرية لا تتجزأ. قل لي بالله عليك: كيف يمكن أن نخرج من انغلاقاتنا اللاهوتية الطائفية التي تذبح الناس على الهوية حاليا اذا لم نجدد الفكر الديني وننفضه من أساسات أساساته؟

هل تحوّلت فرنسا إلى بلد عربي؟

من المعلوم أن محمد أركون كان يريد تأسيس كلية لتعليم الدين الإسلامي بطريقة حديثة على غرار كليات اللاهوت الكاثوليكية والبروتستانتية في فرنسا. وذلك بغية تدريس تراثنا الكبير على أحدث المناهج التاريخية والأنتربولوجية والفلسفية. وهو ما يدعو اليه العفيف الأخضر كما رأينا. ولكن لم يستمع أحد لكلامه آنذاك. والآن سمعت بأنهم عادوا للتفكير في المشروع مجددا بغية تنوير عقول المسلمين بعد التفجيرات الأخيرة التي أرعبت بلاد فولتير. لقد اعتقدوا بأنهم تجاوزوا مشكلة التعصب الديني كليا بعد أن قضوا على الأصولية المسيحية فإذا بهم يقعون في براثن أصولية أخرى هي: الأصولية الإسلامية. ولذلك نبشوا فولتير من قبره لكي يخوض المعركة ضد الظلامية الأصولية مجددا. وسمعت بأنهم طبعوا رسالته عن التسامح ونشروها بآلاف النسخ. بهذا المعنى فإنّ فرنسا تحولت الى بلد عربي. فهي الآن مهمومة ومشغولة بمشكلة الأصولية مثلنا وأكثر.ولكن هنا ينبغي أن نقول كلمة توضيحية منعا لأي التباس.فالجاليات العربية الإسلامية ضخمة وتزيد على الخمسة ملايين نسمة. ومعظمها مغاربي الأصل بالمعنى الواسع للكلمة: أي توانسة وجزائريون ومغاربة. وأغلبيتها مسالمة لا تخيف أحدا بل هي الخائفة. وبالتالي فلا ينبغي عكس الأمور كما تفعل بعض الأوساط المغرضة الكارهة لكل ما هو مسلم أو عربي. وهذا ما يدعى حاليا بالإسلاموفوبيا. وهي كلمة بحاجة أيضا الى توضيح. فمثلا أنا لا أعتبر فرانسوا فيون الذي قد يصبح رئيسا لفرنسا بعد شهرين من جماعة الإسلاموفوبيا. لماذا؟ لأنه هو الذي دشن شخصيا مسجد الإحسان في إحدى الضواحي الباريسية المكتظة بالمسلمين عندما كان رئيسا للوزراء. ولأنه لا يهاجم الإسلام كإسلام ولا المسلمين ككل وإنما يهاجم التنظيمات المتطرفة فقط كالإخوان المسلمين والسلفيين الوهابيين. بل ويعتبر أن الإسلام سيحتل كل مكانته في المجتمع الفرنسي بعد أن يجدد ذاته ويتصالح مع الحداثة ودولة القانون وشرعة حقوق الإنسان والمواطن. وهذا هو موقف العفيف الأخضر بالضبط كما رأينا سابقا. ويضيف بأن المسيحية الكاثوليكية (التي ينتمي اليها هو شخصيا) كانت معادية للحداثة التنويرية مثل التنظيمات الإسلامية المتشددة اليوم. ولكنها جددت نفسها وتخلت عن فتاواها التكفيرية وظلاميتها القروسطية وأصبحت منسجمة مع جوهر الحداثة الديمقراطية والقيم الجمهورية. ويرى أن هذا ما سيحصل في الإسلام لاحقا عندما يتطور ويتجدد. من يقول هذا الكلام لا يمكن أن يكون من جماعة الإسلاموفوبيا: أي الكارهين بشكل مسبق لكل ما هو عربي أو مسلم.هذا الموقف الشجاع المنفتح على الإسلام هو نفسه موقف ريجيس دوبريه الذي قال ما يلي ” ينبغي أن نكون صبورين مع الإسلام”. بمعنى أنه اذا كانت المسيحية في نسختها الكاثوليكية البابوية قد استغرق إصلاحها وتنويرها ثلاثة قرون فإنّ الإسلام لا يستطيع أن يحقق هذه القفزة الهائلة في ثلاث سنوات أو حتى ثلاثة عقود.يلزمه وقت طويل لكي يستطيع أن يتصالح مع الحداثة والعصر. فأعطوه الوقت الكافي اذن واصبروا عليه قليلا ولا تدينوه سلفا. هذا الموقف ليس موقف الإسلاموفوبيا على الاطلاق، لنكرر ذلك مرة أخرى. ما هي الإسلاموفوبيا اذن؟ انها موقف أولئك الذين يعتقدون بأن الإسلام غير قابل للإصلاح اطلاقا. وبالتالي فالعلة في أصله وجوهره لا في ظرف تاريخي عارض وقابل للتغيير.انه في رأيهم دين عنف وسفك دماء من أوله الى آخره. وبالتالي فعبثا نحاول إصلاحه. فنصوصه المقدسة ذاتها تدعو الى تكفير الآخرين وذبحهم، فكيف يمكن أن يتغير؟ انه يعتبر نفسه الدين الوحيد الصحيح على وجه الأرض وبقية الأديان ضلال في ضلال. والمسلمون في رأيهم سجناء هذه الآيات التكفيرية والتصورات اللاهوتية القروسطية الى أبد الآبدين. هذا بالإضافة الى الأحاديث النبوية المتشددة التي تمشي في نفس الاتجاه. هذا ناهيك عن فتاوى كبار شيوخ الإسلام من أمثال ابن تيمية التي تكفر ليس فقط كل الأديان الأخرى وإنما كل المذاهب الإسلامية الأخرى أيضا. و بالتالي فحتى لو أراد المسلمون التطور والتنور فإنّهم لن يستطيعوا. فعندهم “جينات وراثية خاصة” مضادة للانفتاح والتسامح والاستنارة. انهم في أصلهم وجوهرهم يرفضون الحرية الفكرية والتعددية العقائدية الدينية.كما ويرفضون الحوار الديمقراطي مع الآخر، بل وحتى فيما بين بعضهم البعض. أنظروا الصراع المدمر بين السنة/ والشيعة حاليا. هذا ما تقوله أبواق الإسلاموفوبيا. وهذا الموقف ظالم جدا، ولاتاريخي، بل ومتهافت. لماذا؟ لأنه لا يدين فقط الحاضر الصعب لمليار ونصف المليار شخص وإنما يصادر عليهم حتى المستقبل! انه ينسى أو يتناسى أن المسيحيين في أوروبا كانوا هم أيضا تكفيريين وظلاميين مثلنا ثم تعلموا وتثقفوا واستناروا. وبعد “الفاتيكان الثاني” اعترفوا بكل الأديان الأخرى من بوذية وهندوسية ويهودية بل واعترفوا حتى بالإسلام، عدوهم التاريخي اللدود.بل واعترفوا حتى بالملاحدة واللادينيين باعتبار أنه لا يمكن فرض الإيمان بالقوة على أحد. فالإيمان المفروض من فوق عن طريق القوة والتخويف لا يساوي قشرة بصلة.ولذلك فتحوا مكتبا لمحاورة اللامؤمنين أو اللامتدينين. وما عادوا يكفرون أحدا أو يدعون الى ذبحه واستئصاله (لأنه ليس من جماعتنا وطائفتنا) كما كانوا يفعلون ابان القرون الوسطى ومحاكم التفتيش.هكذا نلاحظ أنه حتى الثوابت العظمى اللاهوتية المقدسة يمكن أن تتغير وتتطور.وكل ذلك بفضل انتصار الحداثة الدينية والعلمية والفلسفية.وهذا ما سيحصل في الإسلام لاحقا على الرغم من أنف الإسلاموفوبيا. فالشعوب العربية والإسلامية لم تدخل التاريخ بعد. وعندما تدخله سوف يتوهج العالم. وسوف يمتلئ بالخير والفضيلة ومكارم الأخلاق. على أي حال سوف يدرك الفرنسيون عاجلا أو آجلا أن الجالية العربية الإسلامية الضخمة بملايينها الخمسة أو الستة هي حظ كبير لفرنسا، وليس العكس! والواقع أن أذكياءهم، وهم عديدون لحسن الحظ، يعرفون ذلك جيدا منذ الآن.

أين هم عباقرة العرب والإسلام؟..

أيا يكن من أمر فلكي نخرج من المأزق (أو المغطس الرهيب) الذي وقعنا فيه لا يمكن ترك التعليم الديني حكرا على السلفيين والإخوان المسلمين في بلاد فولتير الى الأبد. نقول ذلك خاصة بعد أن وصلت النار الى باب الدار. من المعلوم أن مشروع أركون كان يهدف الى تحرير التراث الإسلامي من دوغمائيته المتحجرة على مدار القرون. وهذا ما فعله فلاسفة أوروبا بالنسبة للمسيحية.وهذه هي الطريقة الوحيدة لسحب البساط من تحت أقدام الدواعش..فالإسلام يستصرخ الآن، يستغيث. ولا من سامع أو مجيب. أين هو محرر الإسلام من غياهب العصور الوسطى المظلمات؟ فالإسلام مسجون في قفص بل ومختوم عليه بالشمع الأحمر. ولا يمكن تغيير أي فاصلة أو نقطة فيه.وعلى أي حال فهو مخطوف كليا من قبل جماعات التطرف التي هي وحدها تعرف ما هو الإسلام! انه مجرد تفجيرات لاهوتية ما بعدها تفجيرات. لقد سطت عليه تماما وأرعبت العالم. فمن سيحرره من براثنها؟ من سيحرر أطفال العرب وبراعمهم الغضة؟ أين هو كانط الإسلام؟ أين هو فولتير الإسلام؟ أي هو جان جاك روسو الإسلام؟ أين هو بول ريكور المؤمن العظيم؟ أين هم عباقرة العرب والإسلام؟ ماذا يفعلون؟ متى يولدون؟ متى يظهرون؟ ولكن هذا التحرير الكبير مرفوض من قبل الأزهر حاليا وجميع كليات الشريعة والمعاهد الدينية في العالم العربي. بل وربما اعتبروه رجسا من عمل الشيطان. ربما اعتبروا التدريس التاريخي والفلسفي للدين بمثابة ازدراء للأديان! ربما حبسوك بسبب ذلك. وهنا تكمن الطامة الكبرى. ينبغي أن يظل “الجهل المقدس” معششا في العقول ومهيمنا على كل العالم الإسلامي من أقصاه الى أقصاه. شيخ الأزهر لا يستطيع تكفير حتى داعش! ولكنه يستطيع تكفير كل المثقفين العرب بجرة قلم اذا شاء. وهذا يعني أن المرض العضال أصاب الإسلام الرسمي كما الإسلام المتطرف.الفرق في الدرجة لا في النوعية. العقيدة واحدة! وهذا شيء منطقي في الواقع. وسيظل الأمر كذلك ما دام التراث الإسلامي لم يخضع للغربلة النقدية الصارمة كما حصل للتراث المسيحي في أوروبا.  لقد أصبح مصطلح “ازدراء الأديان” فزاعة حقيقية ترعب كل من تسول له نفسه أن يطبق المنهج العقلاني التاريخي على تراث الإسلام. بهذا المعنى فابن سينا مارس ازدراء الأديان، هذا ناهيك عن المعري والتوحيدي وابن الراوندي. وناهيك عن الفارابي وابن رشد. الخ. وناهيك عن محمد اقبال وفضل الرحمن ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي..والحبل على الجرار..وبالطبع فكل فلاسفة الأنوار مارسوا ازدراء الأديان عندما قدموا تفسيرهم الجديد للدين المسيحي واصطدم بعنف بالتفسير الأصولي السائد والراسخ منذ مئات السنين. واذن فكانط العاقل الرصين مارس ازدراء الأديان! هذا ناهيك عن فولتير وديدرو وسبينوزا من قبلهم بل وحتى ديكارت! الخ..والواقع أن الفاتيكان وضع مؤلفاتهم على لائحة الكتب المحرمة قراءتها. البابا أيضا كان يعتبرها ازدراء للأديان. أقصد بابا العصور السابقة لا بابا العصر الحالي الذي أصبح مثقفا وعقلانيا مستنيرا. ولكن هذه المؤلفات أصبحت الآن مجد أوروبا والأوروبيين.

برنامج أو مخطط للبحث يمكن تحقيقه على صفحات “الأوان”.

بعد كل هذه المقدمة التمهيدية الطويلة المزعجة يمكن أن نستعرض آراء كبار المفكرين المعاصرين عن مفهوم التسامح الديني وكيف يمكن أن ينغرس في البيئة العربية وينقذنا من جحيم الحروب الأهلية والمذهبية كما أنقذ الأوروبيين المسيحيين من قبل. أعتقد أنه من الضروري التوقف عند نظريات أندريه كونت سبونفيل، وبول ريكور، ومارسيل غوشيه، ودني كروزيه ، وجاك لوغوف، وأمبيرتو ايكو، ورينيه ريمون، وهانز كونغ، وآخرين عديدين..وعندئذ يمكن أن ينقسم البحث إلى عدة فصول على النحو التالي:

نظرية الفيلسوف بول ريكور عن التسامح/ أو التعصب الديني

نظرية العالم اللاهوتي السويسري الكبير هانز كونغ الذي يرفع الشعار الشهير التالي:

لا سلام في العالم دون سلام بين الديانات

نظرية الفيلسوف أندريه كونت سبونفيل

نظرية المؤرخ الكبير جاك لوغوف

ثم نظرية الفيلسوف مارسيل غوشيه عن كيفية الخروج من الأصولية الدينية: لماذا خرجت أوروبا منها ولم يخرج عالم الإسلام بعد؟ وما هو المعنى العميق لما يحصل حاليا في العالم الإسلامي؟ ما معنى اللحظة العربية أو الإسلامية الحالية؟ وأعتقد أن “الأوان” نشرت مؤخرا نصوصا أو مقابلات لمارسيل غوشيه.

ينبغي أيضا استعراض نظرية المؤرخ دني كروزيه:

وهو أكبر مختص فرنسي حاليا بالحروب الطائفية الاوروبية وصاحب الكتاب الضخم: “الحروب المقدسة باسم الله بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين[1]. أعتقد أن الاطلاع على هذا الكتاب أو تلخيصه يمثل الآن أكبر عمل نضالي فكري لاضاءة اللحظة العربية الراهنة. ما معنى العنف المقدس؟ لماذا يذبح الناس بعضهم بعضا حلالا زلالا باسم الله والإيمان والدين والطائفة والمذهب؟ مامعنى اللحظة الداعشية عند المسلمين حاليا؟ ما معناها عند المسيحيين سابقا قبل أن يستنيروا ويتقدموا ويتعقلنوا..أقول ذلك على الرغم من أن اللحظة الداعشية تجاوزت بما لا يقاس ما حصل في المسيحية ابان العصور الوسطى ومحاكم التفتيش. حتى توركمادا، قائد محاكم التفتيش الاسبانية، قد يبدو لطيفا مهذبا قياسا الى داعش.ويمكن القول بأنه لا مثيل للحظة الداعشية في تاريخ البشرية من حيث القسوة والوحشية. ولكن المقارنة تبقى مفيدة وضرورية.

ينبغي أيضا استعراض نظرية المفكر الايطالي الشهير أمبيرتو ايكو عن التسامح والتعايش بين الاديان والحضارات المختلفة وبخاصة بين عالم الإسلام/ والغرب..

هذه النظريات وكثير غيرها اذا ما استعرضناها بشكل صحيح و أسلوب سلس فإنّها ستضيء لنا اشكالية التسامح/ أو التعصب من مختلف جوانبها أو على الأقل سوف تلقي اضاءات ساطعة عليها كما نأمل ونرجو..

وفي نهاية المطاف نستخلص الدروس والعبر من كل ذلك.لا أعرف مسبقا الى أين سيقودنا البحث ولا الى أين سنصل بالضبط.فللبحث العلمي منطقه الخاص وقد يقودك الى حيث تدري ولا تدري..بل وقد يقودك الى حيث لا تريد ولا ترغب، أي الى ما هو مضاد لقناعاتك العميقة..من هنا متاهاته وجاذبيته، وأسراره ومجاهيله..

تاريخ الإيمان وتاريخ الإلحاد

ولا ينبغي أن ننسى ضرورة الاطلاع على تاريخ الإلحاد في الفكر العالمي بدءا من اليونان وحتى اليوم. فلكي نفهم تاريخ الإيمان ينبغي أن نفهم تاريخ الإلحاد. فهما ضدان متقابلان. ولا يمكن فهم أحدهما جيدا بدون فهم الآخر. النظرة الإلحادية للعالم كانت دائما موجودة مثل النظرة الإيمانية. وأنا شخصيا لست من أتباع النظرة المادية الإلحادية على الاطلاق. ولكن لا أرى مانعا من الاطلاع عليها. وأقترح بهذا الصدد الاطلاع على كتاب المؤرخ جورج مينوا عن الموضوع. وقد سبق أن ترجمت له الرابطة كتابا ضخما بعنوان: الكنيسة والعلم، في جزئين. عنوان الكتاب بكل بساطة هو: تاريخ الإلحاد. منشورات فايار في 674 صفحة من القطع الكبير.

Georges Minois : Histoire de l’atheisme.

وأما فيما يخص تاريخ الفلسفة فربما كانت مؤلفات الفيلسوف لوك فيري عن الموضوع هي الأهم والأعمق والأوضح.فهو يشرح لنا تاريخ الفلسفة منذ اليونان وحتى اليوم بكل تقلباتها ومراحلها.كما ويشرح لنا كيف حصلت القطيعة الابيستمولوجية مع الفلسفة اليونانية عندما ظهرت المسيحية وانتصرت عليها. وعندئذ ماتت الفلسفة في الغرب – أو قل نامت – طيلة ألف سنة، أي طيلة العصور الوسطى. ثم يشرح لنا كيف انتصرت الفلسفة مجددا على المسيحية وهمشتها في الغرب على الأقل. لقد انتقمت الفلسفة لذاتها بدءا من عصر النهضة ثم بالأخص عصر التنوير.كل ذلك نجده في مؤلفات لوك فيري وبالأخص في الكتاب التالي: فلسفات الأمس واليوم، أو حكمات الأمس واليوم(جمع حكمة). منشورات فلاماريون في 816 صفحة من القطع الكبير.

Luc Ferry :Sagesses d’hier et d’aujourd’hui.Flammarion.816 Pages

فتوحات الاستشراق الأكاديمي على صفحات “الأوان”

ولكن كل هذا على أهميته لا يكفي. ذلك أنه ينبغي بشكل خاص نقل كل الفتوحات الاستشراقية عن تراثنا الى اللغة العربية.وأقصد بالفتوحات هنا تلك الكشوفات المعرفية الكبرى عن القرآن والسيرة النبوية والحديث النبوي وكل بدايات الإسلام.توجد هنا إضاءات رائعة غير معروفة حتى الآن في اللغة العربية. من المعلوم أن المسيحية الأوروبية مرت بالمرحلة التنويرية وتعرضت للغربلة النقدية الصارمة على مدار ثلاثة قرون ولكن تراث الإسلام لم يمر بها حتى الآن.وهذا هو التحدي الكبير المطروح على جيلنا والأجيال القادمة.أكتب هذه الكلمات وأمامي في هذه اللحظة بالذات عدة كتب عن القرآن الكريم باللغة الفرنسية.وفيها اضاءات وكشوفات هائلة. وبالتالي فينبغي عرضها أو استعراضها على صفحات “الأوان” لكي يطلع عليها القارئ العربي. أكتبها أيضا وأمامي مؤلفات الباحثة الفرنسية الشهيرة جاكلين شابي. ومعلوم أن أطروحاتها زعزعت اليقينيات الأكثر رسوخا. لا أقول بأني متفق معها في كل شيء، بل ان لهجتها الفجة في التحدث عن الموضوع قد تصدم وتجرح أحيانا. ولكنها عالمة كبيرة في الموضوع ومؤرخة محترفة. وبالتالي فينبغي أن نعرف الى أين توصلت في أبحاثها الحفرية العميقة عن بدايات الإسلام الأول. لقد قامت بأكبر عملية أرخنة لتراث الإسلام[2]. ولكنها ليست الوحيدة. انتبهوا الى هذا المصطلح الخطير،هذا المصطلح التحريري المحرر: الأرخنة. انه له مستقبل كبير وسوف يشغلنا طيلة العشرين أو الثلاثين سنة القادمة. مصطلح واحد يتوقف عليه مصير الثقافة العربية بأسرها. هذه هي المعركة التنويرية. انها تعني احلال الصورة التاريخية عن التراث محل الصورة التقديسية والتبجيلية الموروثة. وهذا لا يعني القضاء على الإيمان أبدا. فالإنسان يمكن أن يظل مؤمنا بعد هذه العملية الجراحية التنويرية. ولكنه سيصبح عندئذ مؤمنا عن بصر وبصيرة.

أخيرا أعتقد أن “الأوان” بصفتها منبرا للفكر الحر والكلام الممنوع عربيا قادرة على تقديم المزيد في هذا المجال. صحيح أن ما فعلته في السنوات العشر الماضية لا يستهان به. فإنجازاتها واضحة وراسخة. ولكن المسألة التنويرية ضخمة جدا وتتطلب اضافات واضاءات متجددة باستمرار. انها تظل أمامنا لا خلفنا لفترة طويلة بل ولعشرات السنين القادمة. فأنا لم أقل شيئا عن تقديم النظريات العلمية المحضة عن أصل الكون والعالم والمجرات. ولم أقل شيئا عن النظريات الفلسفية الكبرى منذ أفلاطون وأرسطو وحتى هابرماس وبول ريكور مرورا بديكارت وسبينوزا وكانط وهيغل وفويرباخ ونيتشه وعشرات غيرهم. كل هذا ينبغي أن يظهر أيضا على صفحات الأوان بغية تنوير العقول العربية والأجيال القادمة.وبالتالي فينبغي وضع الصورة العلمية والفلسفية عن العالم مقابل الصورة الدينية الموروثة لكي يحصل توازن في الثقافة العربية ولكي تستطيع اللحاق بركب العصر. كم أتنمى لو يشرح لنا أحدهم فلسفة الدين عند جان جاك روسو مثلا، أو عند كانط، وهيغل، أو عند نيتشه العدو اللدود للدين والتدين، أو عند فويرباخ الذي لا يقل عداوة، أو عند بول ريكور المؤمن والفيلسوف الكبير في آن معا. وهذا شيء يحير البعض أو حتى الكثيرين.ومعلوم أن سارتر كان يزدريه قائلا بأنه: خوري يتفلسف!

ملاحظة أخرى وأخيرة

لكيلا تبدو الأوان وجبة فكرية عسيرة على الهضم ينبغي أن تفسح مجالا كبيرا للنصوص الأدبية من شعرية ونثرية.وهو ما تفعله في الواقع تحت عنوان: كتابة.ولكن ربما كان ينبغي أن تهتم بكبار الشعراء والأدباء الأجانب مثل اهتمامها بكبار العلماء والفلاسفة.وهكذا يمكن أن نهتم بشخصيات كبرى من أمثال: هولدرلين، وبودلير، ورامبو، وريلكه، وأراغون، ورينيه شار، والسرياليين، وعشرات الآخرين.هذا ناهيك عن بلزاك، وفلوبير، و ستندال، ودوستيوفسكي، وتولستوي، وعشرات الآخرين أيضا.فالأدب هام جدا وهو روح الحياة، خلاصتها ونسغها الحي. ومؤخرا صرح تودوروف بأنه لا يستطيع أن يعيش بدون أدب. نقول ذلك على الرغم من أنه مفكر أكاديمي من أعلى طراز. ولكن بدون أدب يموت تماما كالسمكة اذا ما أخرجت من الماء.لسوء الحظ فربما لم تكن هذه حالة أغلبية المثقفين العرب. فهم يستطيعون أن يعيشوا كل حياتهم دون أن يقرؤوا قصيدة شعرية واحدة. ودون أن يشعروا بالحاجة الى ذلك! لحسن الحظ فإنّ الأوان تبعث النصوص العربية الكبرى من مرقدها.وهذا شيء ينبغي أن يتواصل ويتوسع أيضا.فالأدب العربي عظيم وشخصياته لا تقل أهمية عن شخصيات الأدب الفرنسي أو الروسي أو الانكليزي الخ..تنبغي مواصلة التعريف بأدبائنا الكبار ونشر مختارات من نصوصهم مع شروحات وتعليقات مطولة عليها لكي تموضعها ضمن اطارها التاريخي وتكشف عن جوهر ابداعها.

************

[1]العنوان الحرفي للكتاب هو: حروب الله.العنف في زمن الاضطرابات الدينية.جزءان. 1500صفحة.منشورات شام فالون.2005

Denis Crouset :Les Guerres de Dieu :La violence au temps des troubles de religion.Champ Vallon.2005.1500 Pages

ينبغي أن نضيف اليه كتاب المحاورات الممتعة التي أدلى بها الى الصحافي جان ماري لوغال مؤخرا بعنوان:ا لمجازفة الخطرة على حافة الحروب الطائفية. أو على حافة الحروب الطائفية الخطرة.المطبوعات الجامعية الفرنسية.2015

Au perils des guerres de religions.PUF.2015

قارنوا ذلك بما يحصل حاليا في سوريا والعراق واليمن وعموم المشرق العربي تتضح لكم الصورة أكثر بكثير.فما دمنا محصورين بتراثنا ومنغلقين داخل جدرانه فاننا لن نفهمه على حقيقته.ينبغي أن نقارنه بتراث آخر لكي نفهمه جيدا.فظاهرة التكفير مثلا والذبح على الهوية كانت شائعة عندهم أيضا في العصور السابقة.ولكنهم تخلصوا منها بفضل التنوير والتثقيف والتفكيك لكل الحزازات اللاهوتية القديمة.وبعدئذ استطاعوا تشكيل دولة مدنية حديثة، لا ثيوقراطية ولا طائفية.كتابات هذا المؤرخ الفرنسي الفذ تساعدنا على فهم واقعنا العربي الحالي أكثر من كتابات معظم المثقفين العرب.

[2] “كانت جاكلين شابي قد أصدرت ثلاثة كتب أساسية هي التالية : “رب القبائل.إسلام محمد ثم: “القرآن وقد حُلت طلاسمه وفُكت رموزه.قصص وشخصيات توراتية في الجزيرة العربية”.ثم: “أركان الاسلام الثلاثة.قراءة أنتربولوجية للقرآن”.هذه الكتب تعتبر بمثابة حفر أركيولوجي في أعماق الاسلام.فمتى سيطلع عليها المثقفون العرب؟ متى سندرك حجم الثورة الفكرية التي تنطوي عليها مثل هذه الأبحاث الريادية الخطرة؟ متى سنتعرف على تلك الاضاءات الساطعة المسلطة على قدس الأقداس؟ لا أقول بأن كل نتائجها ينبغي أن تؤخذ كحقائق معصومة.فهذا شيء مخالف لروح البحث العلمي.ولكن ينبغي الاطلاع عليها على الأقل بغية مناقشتها وحتما

تصحيح أطروحات الباحثة عندما تقتضي الضرورة.

Jacqueline Chabbi : Le Seigneur des tribus.L’islam de Mahomet.1997

Le Coran decrypte.Figures bibliques en Arabie.2008

Les trois piliers de L’islam.Lecture anthropologique du Coran

ينبغي أن نضيف الى هذه الكتب ذلك الكتاب الذي أصدره المستشرق الألماني المعروف تيلمان ناجيل عن النبي. وهو أول سيرة تاريخية متكاملة عن مؤسس الاسلام. وعنوانه هو التالي: “محمد. قصة حياة شخص عربي. كيفية ظهور نبي، أو كيفية اختراع نبي”.

Tilman Nagel: Mahomet :Histoire d’un Arabe,Invention d’un Prophete

ترجمه عن الألمانية الى الفرنسية الباحث: جان – مارك تيتاز، وصدر عن دار نشر لابور وفيديس في جنيف عام 2012.

Jean – Marc Tetaz: Labor et Fides,Geneve

هذا الكتاب أيضا قد يصدمنا لأنه يتحدث عن النبي بطريقة تاريخية محضة لا تبجيلية ولا تقديسية.وقد يحتوي على أشياء خاطئة أيضا أو لهجة معادية بشكل ظاهر أو مبطن.ولكن ينبغي الاطلاع عليه.فقد آن الأوان لكي نطبق المنهجية التاريخية – النقدية على تراثنا المقدس مثلما طبقت على التراث المسيحي المقدس في الغرب.ومعلوم أنها أثارت ردود فعل هائجة آنذاك من قبل المؤمنين المسيحيين.ولم يتقبلوها بسهولة.ولكنهم في نهاية المطاف رضخوا لها.أنظر كيف هاجوا وماجوا عندما قدم رينان صورة تاريخية عن يسوع المسيح عام 1863..

وبالطبع فهناك كتب أخرى عديدة غير ما ذكرت وذلك في كافة اللغات الاستشراقية الاساسية من فرنسية، وانكليزية، وألمانية.وينبغي تشكيل مركز بحوث ضخم لترجمتها الى العربية يوما ما.ذلك أن السؤال المطروح هو التالي: بما أننا نحن المثقفين العرب عاجزين عن تطبيق المنهجية التاريخية – النقدية على تراثنا فلماذا لا نترجم مؤلفات المستشرقين الأكاديميين الكبار؟

في كل الأحوال لا يمكن أن نخرج من المغطس الهائل الذي وقعنا فيه الا اذا سلطنا أضواء المنهج التاريخي والأنتربولوجي على أصولنا التراثية الأولى.نحن سندخل قريبا في أصعب وأشرس معركة في تاريخنا: قصدت المعركة الهائلة للذات ضد الذات!

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق