وداعا توفيق بكّار..

خلّفتَ فينا ما لا يُنسى..حبّا للأدب وتمسّكا بالعربيّة

 

 

ضجّت المواقع الاجتماعية في تونس طيلة الساعات الأخيرة تعليقا وتفاعلا مع رحيل الناقد الأدبي الكبير أستاذ الأدب بكلّية الآداب توفيق بكّار. ويكاد لا يوجد ناقد أدبيّ ولا أستاذ للغة العربيّة في مختلف درجات التعليم ولا محبّ للأدب العربيّ ولا مناصر للتونسة لا يدين بجزء من تكوينه ومن محبّته للأدب للأستاذ توفيق بكّار.

توفيق بكّار من مؤسسي الجامعة التونسية ومن أعمدة قسم العربية فيها، وقد عرف عند عموم الطلبة بمواقفه المبدئية والتزامه النقابي ومنافحته عن التقدّم في غير ما تعصّب وقبوله بالرأي المخالف وإيمانه بأنّ الاختلاف مفيد ونافع..لم يكن سياسيا بالمعنى الحزبي للكلمة، وإن كان قريبا إلى الحزب الشيوعي التونسي، من أولئك الذين يؤمنون بأهمية الفعل الثقافي وتأثيره، من ذلك أنّه كان ضمن كلّ المحاولات الجادّة لتأسيس المنابر الإعلامية الفكرية، والنشاط ضمن النوادي الثقافية والفكرية منذ أوائل الستينات..وعُرف بزهده في خوض النقاشات العقيمة والترفّع عمّا يسيء إلى إنسانية الإنسان، وكان على مسافة نقدية وسياسية من السلطة السياسية سواء في العهد البورقيبي أو خلال فترة بن علي، ولم يُسجّل عليه أيّ اقتراب من الماسكين بخيوط القرار السياسي أو الثقافي أو التربوي في العهدين. بل إنّه – بعد تقاعده من الجامعة – ورغم وجع تلامذته وأحبته لم يسع – كما فعل المقربون من السلطة – إلى تمديد خدمته رغم كونه من مؤسّسي الجامعة نفسها، بل غادر في صمت كبير إلى فرنسا حيث مكّنته جامعة السوربون من بضع سنوات للتدريس ومواصلة نشاطه الفكريّ.

كان يحلو لنا – نحن طلبته في كلّية الآداب – أن نردّ على من يتحدّث عن قلّة كتابات توفيق بكّار- بمقارنته بسقراط أو ابراهيم النظّام : هو قليل النشر ولكنّه خلّف ما هو أهمّ، أي طلبته أوّلا وما نشره فيهم من انفتاح فكريّ على المناهج الحديثة في النقد الأدبيّ، وأهمّ من ذلك التعلّق بالأدب عموما، وباللغة العربيّة خصوصا.

توفيق بكّار كان رائدا في استكشاف المناهج الحديثة في النقد الأدبيّ، وناجحا في تطبيق هذه المناهج على نماذج من الأدب العربيّ قديمه وحديثه. نذكر من ذلك دراسته لنصوص من بخلاء الجاحظ، ومقامات الحريري، ودروسه الافتتاحية التي كانت تستقطب من طلبة الآداب العربيّة ومدرّسيها ما تنوء به مدرجات كلّية الآداب بمنوبة، وكلية العلوم الإنسانية بتونس، لينصتوا في وقار وتمعّن ما يجود به الشيخ على مريديه. فمرّة يبني درسه على تحليل نصّ أبي نواس “المغتسلة” فيطرب المستمعون لا للنص في ذاته بل لقدرة الشيخ بفطنته وسعة ثقافته في الشعر والنثر والحياة عامّة على إنطاق النصّ بمعاني الطرافة وإعطاء شاعر الخمريات ما يستحقّ من مكانة هو بها جدير…ويقبل عليه مريدوه في درس افتتاحيّ آخر لينصتوا إلى الشيخ يقضي ساعات في تحليل نص بل بيتين لأبي الطيّب المتنبّي من مقدّمة إحدى قصائده:

ذراني والفلاةَ بلا دليل**ووجهي والهجيرَ بلا لثام”

فيزعزع بشرحه الثوابت الساكنة وما دأب عليه النقد الأدبي منذ قرون، ويخلخل ما تركم على الأفهام من قراءات متكلّسة ويفتح مجالات للنقد ما كانت لتكون. وكذلك قل عن نصوص عنترة والشابّي وابن المقفّع…

اشتهر توفيق بكّار بمقدّمات لنصوص أدبية رائدة، منها “حدّث أبو هريرة قال” للروائيّ والمفكّر التونسي محمود المسعدي، والمقدّمة في عرف دارسي المسعدي الكثيرين نفضت الغبار عن رواية فريدة، وألزمت هؤلاء الدارسين بالحذر عند تناولها بالدرس والانتباه إلى ريادتها إلى فرادتها في الشكل كما في المضمون. وكانت الطبعات التونسية لعدد من الروايات العربية الصادرة ضمن سلسلة “عيون المعاصرة” التي أشرف عليها توفيق بكار ، مميّزة بالمقدّمات من ذات النوعية. نذكر منها “موسم الهجرة إلى الشمال” للسودانيّ الطيّب صالح، و”حمام زنوبيا” للسوريّ رياض معسعس، و”المتشائل” للفلسطينيّ إيميل حبيبي، و”الزيني بركات” للمصريّ جمال الغيطاني، و”موعد النار” للعراقي فؤاد التكرلي..كما لا ننسى تقديمه لـ”مختارات شعرية” للفلسطيني محمود درويش..وانفتاحه على فنون مختلفة تمثّلت في تقديمه لعشرات الرسامين التونسيين في إطار النادي الذي نشطه في المركز الثقافي لمدينة تونس طيلة سنوات بين الثمانينات والتسعينات، وقد قدّم أعلاما تونسيين مهمّين في عالم الفنون التشكيلية مثل محمود السهيلي وحاتم المكّي ورشيد القرشي والهادي السلمي، وكتب عنهم نصوصا رائعة تنسف ما بين الفنون من حواجز ومساحات.

و”الأوان” إذ تنعى توفيق بكّار باعتباره رائدا من روّاد التعليم في تونس، وأستاذا للأجيال كما يحلو لطلبته نعته وشيخا من شيوخ الدراسات الأدبية وعلما من أعلام الفكر التقدّمي فإنّها ترجو أن يكون هذا النعي مناسبة للانكباب على أعماله وإحيائها، لا بنشرها فقط، بل بالتحريض على التجديد والعقلانية في دراسة الأدب حديثه وقديمه، والتمسّك بإيتيقيا البحث وأخلاقيات التدريس وقد كانا من أبهى ما تحلّى به توفيق بكّار باحثا ومدرّسا ومناضلا تقدّميا.

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. آدم الباي

    أعزي نفسي وأعزيك بهذا المصاب الجلل وأجدد العهد أن ألقاك على دروب الإبداع بعد أن قضيت العمر بين ىالكتب فقد طاب الزمان صلح الدهر ويمكن المرإ ان يغنم فرصة وجودك بالأوان للتعرف على كيفية المشاركة إلى أن نلتقي لك مني أجمل التحايا أخوك آدم الباي

أضف تعليق