مشكلة الإسلام والزَّمن

في معظم حوادث الارهاب الّتي يقف وراءها إسلاميون متطرّفون من المعتاد أن تظهر مقولة إنّ الفاعل الأصلي ليس “التَّطرف الاسلامي”، وإنَّما هو دين الاسلام نفسه. وعادة يرفق هذا الزّعم باستشهادات من نصوص القرآن وأحاديث النّبيّ محمّد. اللاّفت هو أنّ هذا الزّعم يشترك فيه طرفان يفترض أنّهما عدوّان: الإسلاميون أنفسهم؛ والعنصريون الغربيون.

فبعد كلّ عمل إرهابي على يد متشدّدين إسلاميين يخرج شيوخ دين ومنظّمات إسلاميّة مسلّحة وغيرها للدّفاع عن الجريمة بوصفها جهاداً ضدّ الكفّار تطبيقاً لإرادة الله المنصوص عليها في القرآن. فالخطاب الإسلاميُّ المتشدّد ينطلق، في تسويغ إرهابه، من النّصوص المقدَّسة، ويعتمدها سنداً. الحجّة الّتي يستند عليها هذا الخطاب هي أنّ أبديّة وإطلاقيّة الدّين تعنيان أبديّة وإطلاقيّة كلّ آية في القرآن وكلّ أحاديث النَّبيّ محمّد، بتجاهل متعمد لأسباب وظروف ظهورها، وأنّ هذه النّصوص المقدَّسة ليست فقط صالحة لكلّ زمان ومكان، وإنَّما يجب أن يفرض تطبيقها في كلّ زمان ومكان وعلى جميع الأفراد وجميع الأجناس.

لكنّ القول بأبديّة النّصوص المقدَّسة ليس حجّة الأصوليين والمتشدّدين وحدهم، وإنّما هو كذلك حجّة العنصريين في الغرب. صرّح أحدهم وهو الهولندي اليميني خيرت فيلدرز، مرَّات عديدة بأنّ مشكلة الإرهاب في الغرب لا تتعلّق ببضعة أفراد عنفيين، وإنّما بدين بأكمله، مشيراً إلى أنّ نصوص هذا الدّين تحضّ على قتل المدنيين “الكفّار” وتمجّد الوحشيّة وتدعو إلى تخيير غير المسيحيين بين الذّل والموت. ويورد فيلدرز مقاطع من القرآن والحديث النّبويّ تثبّت كلامه.

في مسعى حَسَن النيّة، يحاول “الإسلام الوسطي” أن يوصل للطّرفين المتشدّدين – إسلاميي الشّرق وعنصريي الغرب – عرضاً بالوساطة. لكنّ التكنيك الّذي يعتمده في ذلك ليس مقنعاً بما يكفي، فهو نفسه التكنيك الّذي اعتمده الطرفان المذكوران أعلاه، وهو الانتقائيّة. ففي حين أنّ المتشدّدين الإسلاميين ينتقون آيات قرآنيّة وأحاديث وأعمالاً نبويّة تناسب نزوعهم إلى الطّغيان وتسوّغ الإرهاب تحت مسمّى الجهاد، وينتقي العنصريون الغربيون ذات النّصوص للبرهنة على وحشيّة هذا الدّين، فإنّ “الوسطيين” يلجؤون إلى ذات المصادر المقّدسة لينتقوا منها ما يناسب توصيفاتهم الرومانسيّة لدين الإسلام. وهكذا فإنّ الأطراف الثّلاثة كلّها صادقة في اقتباساتها، فهي تستقي من نبع واحد!

الآيات والأحاديث النّبويّة الّتي تدعو إلى قتل “الكفّار” وإذلال غير المسلمين واضطهاد النّساء، موجودة ولا سبيل إلى إنكارها. بمقدورنا، كعِلْميين، أن نفهم أنّ هذه الوحشيّة كانت ثقافة بيئة معيّنة في عصر معيّن، ولكن هذا لا يحلّ المشكلة سوى بالنّسبة لنا، أمّا بالنّسبة لملايين المسلمين فهذا – في الواقع – هو المشكلة نفسها. إنّ مشكلة الفرد المسلم هي كيف سيتعامل مع هذه النّصوص المقدّسة في ظلّ بيئة حضاريّة مناقضة لها؟ كيف يجمع بين الأحكام المتشدّدة للشّريعة وبين تعامله اليوميّ الاجباريّ مع ضحايا هذه الشّريعة (أي “الكفّار” والنّساء وأتباع الديانات الأخرى)، الّذين يشاركونه السّكن والعمل والبلاد والكوكب؟ المأزق المؤلم الّذي يجد المسلم نفسه فيه اليوم هو – بصراحة – أنّه يتوجّب عليه أن يحذف من المعادلة أحد طرفيها: إمّا ثقافة الحضارة الرّاهنة، وإمّا بعض أحكام الشّريعة. لا يوجد حلّ وسط سوى النّفاق، وهذا ما يتكفّل به أدعياء “الإسلام الوسطيّ”. فهؤلاء يحاولون ليّ أعناق الآيات والأحاديث ويبتدعون تفسيرات لها تتناسب وروح العصر، وهو سلوك انتهازي حيث إنّهم بذلك يخدعون الجمهور بتفسيرات يعلمون أنّها غير صحيحة، بل مضحكة لفرط خياليتها. فضرب الزّوجات، وقتل “الكفّار” و”الفاسقين” والانتقام من غير الملتزمين “بالسّلوك الاسلاميّ”، ووحشيّة أساليب العقاب للمدانين، واستلاب أموال أبناء الديانات الأخرى، واستيلاء الرّجل على نصف حصّة المرأة من الميراث، وحقّ الرّجل بتعدّد الزَّوجات، وإغراء الرّجال المسلمين بالجنس الوفير في الآخرة جرَّاء “الجهاد في سبيل الله”… إلخ كلّها مذكورة في القرآن والأحاديث بشكل واضح لا لبس فيه لكنّ الإسلام الوسطيَّ يعيد تفسيرها، أو بالأحرى يتلاعب بمعانيها، إلى درجات تصل أحياناً حدّ قلبها رأساً على عقب لتبرئة الإسلام.

لكن لا التّلاعب بمضامين النّصوص المقدّسة ولا التّشكيك بمصادرها سيساعدان الفرد المسلم على التَّعايش مع الحضارة الحديثة، بل كلّ ما سيؤديان إليه هو تأجيل المواجهة أوَّلاً، وتعقيدها ثانياً. الحلّ الجريء والمؤلم معاً لهذا الفرد هو خوض هذه المواجهة بين الشّريعة الاسلاميّة وقيم الحضارة الرَّاهنة، والاعتراف بالمسافة الشّاسعة بين ثقافة الجزيرة العربيّة، مهد الإسلام وشريعته، قبل ألفي سنة وبين المحطّة الحضاريّة الّتي تقف فيها البشريّة اليوم، والاقرار بزمنيّة الشّريعة، أي بكونها موجّهة إلى عرب الجزيرة – كمجتمع وكثقافة – قبل ألفي عام، يوم لم تكن ثمّة حدود دوليّة ولا دولة مدنيّة ولا قوانين حديثة ولا علم ولا تطوّر معرفي ولا تواصل عالمي.

المتشدّدون الإسلاميون أنجزوا هذه المواجهة واختاروا أن يحذفوا أحد طرفي المعادلة: حذفوا الزّمن الحالي. قرّروا أن يؤبّدوا لحظة ظهور الإسلام، وأن يؤبّدوا الآيات والأحاديث والتّعاليم، بل وأن يفرضوه على كلّ الأمم أو يعلنوا الحرب عليها كلّها، استلهاماً لما فعل الخلفاء الرَّاشدون من قبل! وبذلك قدَّموا للعنصريين في الغرب إثباتاً جاهزاً بأنّ المصدر الفكريّ الأساسيّ لإرهاب المتشدّدين الإسلاميين هو نصوص الإسلام، وبالتَّالي فالمشكلة ليست في الإسلاميين، وإنّما المشكلة هي الإسلام نفسه.

بقي على جماهير المسلمين أن تنجز هي الأخرى اختيارها التّاريخي: أن تحذف من عقيدتها التّعاليم المتشدّدة والمتخلفة والظّالمة، حتّى وإن كانت منصوصاً عليها في آيات مقدّسة وأحاديث نبويّة، ولن يؤثّر هذا في إيمانها بالله وبالدّين. على هذه الجماهير أن تتبنَّى قيم الحضارة الحديثة فهي وحدها الّتي تحفظ أمن النّاس وحريَّاتهم وكرامتهم.

إنّ المشكلة ليست في الإسلام كدين، وإنّما في اتّخاذه موقفاً عدائياً من الزّمن، عداءً لا داعي له ولا مكسب من ورائه. ولن يهدأ عالمنا طالما ظلّت مشكلة الإسلام مع الزَّمن معلّقة.

أمَّا الكيفيات والطّرق والمقترحات الَّتي تساعد لحلّ هذه المشكلة فالحديث فيها يطول لكن – على العموم – هي مسؤوليّة الدَّولة المدنيّة، ومؤسّسات التّعليم والثّقافة والإعلام، ومسؤوليّة العاملين في المجال الثّقافيّ والتَّربويّ والجماهيريّ، ومسؤوليّة المثقَّفين والصّحفيين والإعلاميين. لكن بالإضافة إلى ذلك، تقع مسؤوليّة كبيرة ورئيسيةّ على المؤسَّسة الدينيَّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. طارق زينة

    الواقع أن اقتحام العقبة التي تفصل الإسلام عن العصر قد بدأت مع سني حركات التحرر الوطني في العالم العربي في الخمسينات من القرن المنصرم و حتى بداية السبعينات منه عندما بدأت أموال البترول توظف لصالح نشر المذهب الوهابي، و عندما أصبحت وسائل التواصل و الاتصال الحديثة متاحة للجميع بشكل أصبح معه تكريس الدعاية لمذاهب العنف و التطرف ميسورا. اقتحام العقبة اليوم لا يتم إلا بتجفيف جذورها. مع أطيب التحية.

أضف تعليق