الإسلام ومقترح الإيمان

من بين التّصوّرات والثّمثلات الممكنة للإسلام، نجد تلك الّتي يمكن استخلاصها من مجموعة من الآيات الّتي تسمح بمقاربته كمقترح يجيب عن بعض الأسئلة الّتي لازمت الإنسان وتلازمه دوما، والمرتبطة بلغز الوجود ومعنى الحياة ومآل الكائن ومصيره بعد الموت. إنّ الإسلام من خلال هذه الآيات يقترح جواب الإيمان بما هو قبول بالعديد من المسلّمات وعلى رأسها الإقرار بوجود خالق لهذا العالم بما يتضمّنه من ظواهر طبيعيّة وكائنات حيّة من ضمنها وفي مقدّمتها الإنسان نفسه. ووفق التّأويل الّذي نقترحه لبعض هذه الآيات، فإنّنا نعتبر أنّ  الإسلام حضّ الفرد على الإيمان بهذه المسلّمات للتّخفيف من قساوة الإحساس بهول الفراغ واللاّمعنى وثقل العدميّة في ظلّ غياب تفسير لورطة الوجود الّتي يجد الإنسان نفسه منقذفا في خضمّها دون أن يعرف متى وكيف وأين وإلى أين. ويستشفّ من  هذه الآيات أنّ الإسلام لم يفرض أجوبته كحقيقة لا تقبل المناقشة بل اقترحها وترك للفرد حريّة تبنّيها أو رفضها مع تحمل مسؤوليته عن أي اختيار يختاره. فإذا اختار الإيمان بها فإنّ ذلك سيكون في صالحه من النّاحية الّنفسيّة وسيساعده على تحمّل العيش وإيجاد تفسير للحياة يخفّف من وطأة الإحساس بالغربة في هذا العالم. أمّا إذا رفض الإيمان بذلك فإنّه سيقضي حياته تحت وطأة الإحساس باللاّمعنى والعبث واللاَّجدوى وسيصعب عليه تحمّل الحياة كورطة حقيقيّة وكتيه دائم دون هدف أو غاية معلومة. وما يهمّنا في هذا التّصوّر للإسلام الّذي نستشفّه من تلك الآيات وفق التّأويل الَّذي نستسيغه، هو اقترانه بالحريّة وبالقدرة على الاختيار فهو تصوّر يعتبر الإيمان كمقترح جواب ممكن وليس حقيقة مطلقة. وقد تقدّم به الإسلام بمراعاة تامّة للبيئة الثّقافيّة الّتي نشأ في ظلّها، والّتي كانت تعجّ باعتقادات وتأويلات للوجود من بينها التّأويل التّوحيدي الّذي كان رائجا وله أتباع بشبه الجزيرة العربيّة. وقد عمل الإسلام على احتضان هذا التّأويل وتطويره والإضافة إليه، وهو ما يفسّر تقبّله وانتشاره بعد ذلك بسرعة رغم المقاومة الّتي وجدها من طرف أتباع الاعتقادات والتّأويلات الآخرى. لنتأمّل إذن هذه الآية الّتي تقول:” لا إكراه في الدّين، قد تبيّن الرُّشد من الغيّ”، إنّها تسمح  لنا بتمثّل الإيمان  كاختيار وليس كإجبار، كمقترح وليس  كأمر يتوجّب تنفيذه .

ويمكننا الذّهاب بعيدا في فهمها بالقول إنّها عندما تنطلق من حريّة الاختيار، فإنّها تكرّس الإيمان كتجربة مفتوحة يمكن للفرد أن يغامر بالدّخول إليها والخروج منها متى شاء دون قيد أو شرط، فقد يؤمن في الصّباح ويعود إلى شركه أو معتقده السّابق في المساء. قد يبقى داخل تجربة الإيمان مدّة تطول أو تقصر وقد لا يخرج منها أبدا، أو قد لا يعود إليها مطلقا. هو حرّ في جميع الأحوال وبهذا يصبح الإيمان آليّة من آليات تدبير الوجود إلى جانب آليات أخرى ليس هو بالضّرورة أحسنها فذلك يتوقّف على خصوصيّة كلّ فرد من حيث مساره وثقافته وخلفيّته الفكريّة وبناءه النّفسي. فهناك أفراد لا يستطيعون تدبير وجودهم إلاّ داخل سياج حقيقة معطاة يمثلها الإيمان وهناك أفراد آخرون يفضّلون تدبير ذلك الوجود خارج سياج الحقيقة الواحدة لأنهّم في بحث دائم عن حقيقتهم الخاصّة الّتي قد يجدونها أوقد لا يعثرون عليها أبدا، إنّهم في تيه مستمرّ لا يستقرّ على حال لأنّ الاستقرار على حال أو داخل حقيقة واحدة هو بالنّسبة إليهم جمود يفضي إلى التّكرار وفقدان نسغ طراوة السّؤال وجماليّة الحيرة والشّك باعتبارهما من حوافز استكشاف الجديد والتّطلع إلى المفاجئ والمغاير.

والحقيقة أنّ اعتبار الإيمان اختيارا وليس إجبارا وإكراها هو الّذي يتماشى منطقيًّا مع النّظر إلى الفرد كمسؤول، إذ المسؤوليّة تقتضي الحريّة في الاختيار فلا يمكن تصوّرها دون ذلك. وهذه النّظرة إلى الإيمان هي وحدها الّتي تجعل الإسلام صالحا لكلّ زمان ومكان .فالفرد الإنساني منذ وجد يميل بطبعه إلى الحريّة ويسعى إليها مكسّرا كلّ القيود من أجلها. والإسلام عندما يتمّ تصوّره مقترنا بالحريّة تزول عنه كلّ شوائب النّكوص والارتداد عن مكتسيات العصر الّتي تبجّل وتثمّن هذه الحريّة. وكان ممكنا لو تظافرت عوامل وشروط ومقتضيات تاريخيّة وثقافيّة أن تكون تلك الآية الّتي تعلن عدم الإكراه في الدّين هي المحدّدة لهويّة وطبيعة الإسلام كدين مناصر للحريّة ومناهض لكلّ إكراه وإجبار. ولكن بما أنّ التّأويل السّائد للنّص القرآنيّ ارتبط برهان للسّيطرة والإخضاع، فإنّه رجّح القراءة الدَّاعية إلى الإكراه واستبعد كليًّا أيّ نزوع تأويليّ يناصر حريّة الاختيار، لأنّه ارتبط منذ البداية بنزعة تسعى لاحتكار كلّ شيء من ثروة وسلطة وحقيقة، وكانت النّتيجة أنّنا أصبحنا أمام إسلام  يمجّد الاستسلام والخضوع  والحقيقة الواحدة ويناهض بشدّة كلّ نزعة إلى التَّحرّر والحريّة وتعدّد المعنى.

إنّ الحقيقة المرتبطة بتصوّر للإسلام مناصر للحريّة لا تقدّم جاهزة بل تبنى بالبحث والتَّساؤل، يتمّ اكتشافها من طرف الفرد المسؤول في إطار الصَّيرورة وخضمّها. وقد يحدث للبعض أن لا يتوصّل لأيّ حقيقة، أو يتوصّل إلى حقيقة غير نهائيَّة، فينتهي إلى الاقتناع بأنّ الحقيقة أفق مفتوح على الجديد والمغاير والمدهش واللاّنهائي.

وفق هذا التّصوّر يصبح الإيمان الّذي يقترحه هذا الإسلام، مشبعا بروح النّسبيّة، ويصبح الفرد المعتنق لهذا الإيمان مؤهّلا ليستوعب الحقّ في الاختلاف سواء في إطار المعتقد الواحد أو في إطار تعدّد المعتقدات. هذا المؤمن الجديد هو الّذي ينبغي استيلاده عند السّعي لترسيخ مجتمع يتأسّس على تقديس الحريّة والمسؤوليّة الفرديّة، مؤمن يعتبر إيمانه صيغة من الصّيغ المتعدّدة للتّعاطي مع لغز الوجود، صيغة لا تصدر بالضّرورة عن حقيقة مَّا، ولكنّها الصّيغة الّتي ارتاح لها وفضّل أن يراهن عليها وهو يخوض مغامرة الحياة لعلّها تقلّل خسائره وتسعفه في الفوز بحظّ وافر من السَّعادة  كأسمى غاية يسعى إليها كلُّ فرد.

إنّ جعل هذا التَّصوّر يسود ويهيمن، يتطلب خلق شروط اجتماعيّة وثقافيّة تدمجه في نسيج الشَّخصيَّة العامَّة للمجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وهو ما يتطلّب أداء ثقافيًّا وفكريًّا تنويريَّا مكثّفا يتسم بنفس طويل، ويندرج ضمن مشروع شامل للإصلاح الدّينيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق