العقلانيّة السَّائلة مقال في الحدود

الحديث الّذي سأفضي به إليكم هو حديث أريده جذريًّا، إذ أنّي أعتقد أنّ الأحاديث الجذريّة وحدها تستحقّ صفة العقلانيّة؛ لهذا فالغاية عندنا لن تكون الانتصار لتصوّر محدّد عن العقل، بل السّعي لبيان شروط فعل التَّحديد نفسه، ولأنّه كذلك فإنّه سيكون بالضّرورة قولا تراجيديّا، من حيث إنّ التراجيديا كانت تعني عند الشّعوب الوثنيّة الأولى الّتي أنتجتها كون الأصل في الاشياء المفارقة، والأصل في الوجود التَّساؤل، تساؤل لا يفضي لأجوبة بالضَّرورة، وليس له أن يفضي.

ما الّذي نقصده بالعقلانيّة في سياق تداولنا الفكري؟

حين نقلب المذاهب الّتي اشتهرت عندنا باعتبارها مذاهب عقلانيّة، سواء أعلنت ذلك أم كتمته، نجد أنّها تستقصد من هذا الوصف معاني مخصوصة، نقتصر منها نحن على ثلاثة رئيسة، أوَّلها الواقعيّة، وثانيها التَّاريخانيَّة، وثالثها البرغماتيّة. ما المقصود بهذه المسميات؟ وما الذي تستلزمه من معاني ورهانات؟

1 – الواقعيَّة

تعني العقلانيّة حين تعتمد صفة الواقعيّة النّزوع الّذي يضاد التّنظير، هكذا سيكون العقلاني في التَّصوّرات هو ما يضادّ الخطابيّة، بل وما قد يضاد، في حدّ أقصى، الإيديولوجيا. والمعنى الّذي تستقل به هذه الصّفة هنا هي أن يكون النّظر العقلاني مستحضرا (على مستوى الوعي) وملتزما (على مستوى الغاية) بشرط الواقع.

يبدو تحديد مثل هذا في غاية البساطة والقوّة، وقوّته هذه تأتي من بساطته تلك، بيد أنّ تمحيص النّظر فيه يبيّن أنّ الأمر أعقد ممّا يبدو عليه، بل هو يفضي، إذا قسناه على مقدّماته، إلى محالات كثيرة، والأصل في هذه المحالات كلّها يعود لعنصر واحد، وهو أنّ الواقع الّذي تريد أن تقيمه هذه العقلانيّة سندا ومرجعا هو، في ذاته، غير موجود ابتداء، فالواقع دائما “بناء”، أي هو دائما “نتيجة بعديّة” لتصوّر نظريّ نتوسّل به نحن في إدراكه، فالَّذي يوجد ليس الواقع، بل تأويل معين وممكن للواقع فقط، وهذا لا يصحّ على المستوى القيمي أو الوجودي فقط، كما بين ذلك الجينيالوجون في حديثهم عن كون كلّ تصوّر عن الواقع هو، في النّهاية، محض تأويل يلبس الواقع “معنى” محدّدا،  بالاستناد إلى إرادة قوّة تستبدّ به؛ بل إنّ هذا يصحّ أيضا حتّى في المستوى المعرفيّ الخالص، فكلّ أعمال الإبستمولوجيين الكبار في أواسط القرن العشرين كانت بهذه الغاية، ولنتذكّر في هذا السّياق عبارة غاستون باشلار الشَّهيرة “لا شيء يعطى، كلّ شيء يبنى”1.

إن كان ذلك كذلك سيصير تعريف العقلانيّة بالواقعيّة مصادرة على المطلوب بلغة المناطقة، فبما أنّ الواقع نتيجة لتصوّر “عقليّ” عنه، وليس العكس، فمن غير الممكن أن “نؤصّل” للعقلانيّة بما لن يكون إلاّ فرعا عنها.

2- البراغماتيّة

المعنى الثّاني الذي قد يتوسّل به في القول بالعقلانيّة هو أن تأخذ بمعنى النَّجاعة؛ بهذا المعنى سيكون العقلاني هو الشّخص الّذي يبتغي الفعل بنجاعة في ما جريات الأحداث، أي سيكون العقلاني، بلغة مباشرة، هو البراغماتي، بيد أنَّنا حين ننظر في هذا التَّصوُّر عن قرب، وننظر في معنى الفلسفة البراغماتيّة وفي مسلماتها سنجد أنّ الأمر، وهنا أيضا، لا يستقيم، لأنّ البرغماتيّة، من أي ما جهة أخذناها، تنتهي إلى نتيجة واحدة، وهي رفض القناعات المسبقة كلّها، عقلانيّة كانت أو غيرها، بل ورفض تمايز القناعات، أي رفض إمكان التَّمذهب أصلا، إذ أنّ ثابت البرغماتيّة هو ألاّ وجود لتحديد “قيمي” يمكن أن ننسب إليه أي فكرة،  بما أنّ الفكرة ليست إلاّ مجموع الأثار العمليّة الّتي تنتج عن “الشَّيء” حسيًّا، وهذا ما يشهد به التَّعريف الشَّهير لمعنى الشَّيء عند شارل بيرس، وما يشهد به نقده الشَّهير للفلسفة والمذاهب الفلسفيّة كلّها، ففي عرف البراغماتيين “لا وجود لفرق بين الشَّيء الصّلب و الّشيء الرَّخو” الفرق في النّتائج فقط، بل إنّ الشَّيء الرّخو والشّيء الصّلب ينتهيان لأن يصيرا نفس الشّيء، متى ما كانت الآثار النّاتجة عنهما واحدة2.

هكذا سيكون علينا، إن أردناها عقلانيّة برغماتيّة، أن نعترف بأنّنا الأبعد عن العقلانيّة براغماتيًّا، لأنّ الواقع يشهد أنّ الأكثر نجاعة والأكثر “تأثيرا حسيًّا” في واقعنا اليوم هم من ينعتون في عرفنا باللاَّعقلانيين، فالحركات الأصوليّة الأكثر تغلغلا في الغيب والخرافة، هي الّتي تستحوذ اليوم على الواقع وتقود الجماهير وتستبد السّلطة الماديّة والمعنويّة، هكذا تتواطؤ عندنا الأضداد، فيصير خصم العقل، بحجّة الأثر العمليّ، هو المجسّد بفعل، للتَّصوُّر البرغماتي.

3 – التَّاريخانيَّة

يبقى هناك تحديد ثالث يمكن أن نفزع إليه، وهو ذلك الّذي يذهب إلى تحديد العقلانيّة باعتبارها الوعي التّاريخي، وهذا هو الّذي اشتهر في فترة تحت مسمّى التّاريخانيّة، ولنقصر الحديث هنا على أشهر علم في هذا المذهب هو عبد الله العروي3. إذا ما أردنا أن نلخص أطروحة الأستاذ العروي، تلخيصا قد لا يخلو من ابتسار، سنقول إنّ المعتمد في هذا الموقف هو إيمانه، أوّلا، بضرورة تحقيق وعي بطبيعة اللّحظة التّاريخيّة الّتي نحياها، وهو دعوته، ثانيا، إلى تبيّن ما يميّز هذه اللّحظة قياسا إلى السّياق العام للتّاريخ، وهو أن نعمد ثالثا، استنادا إلى ما تحصل من العنصرين السّابقين، إلى تخيّر ما ينبغي علينا فعله حتّى نلحق، بأقرب وسيلة وأكثرها فعاليّة، بروح العصر الرّاهن، وهذا هو ما تسمّى عنده في فترة بالماركسيّة الموضوعيّة، والمقصود عنده، إن أردنا الحديث بلغة أوضح، هو أن نختزل مجموع ما مرّ منه غيرنا ممَّن تقدّمنا، في فترة أقصر، حتّى نلحق به بحسب الممكن، إذ أنّ صيرورة الثّقافة قابلة لأن تختزل، على عكس الصَّيرورة الطَّبيعيّة أو البيولوجيا الّتي تظلّ عصيّة على الاختزال.

يبدو هذا التّصوّر واضحا وقويًّا، وضوح أغرى عددا غير قليل من منظري الإيديولوجيا العربيّة المعاصرة، بأن يعتبروه السّند والمرجع في خطاباتهم، وهذا ما يفسّر شهرة العروي وقيمته الّتي تظلّ، في هذه الحدود، مستحقّة. بيد أنّ شيئا من البحث في هذا الأمر يبيّن أنّ هذا

التّصوّر لا يصمد أمام النَّقد، وعدم صموده هذا لا يأتي منه تحديدا كمذهب إيديولوجيّ، بل يأتي من الأساس العميق الّذي قام عليه “فلسفيٌّا” وهو الهيجليّة في صيغتها الماركسيّة وتصوّرها الغائي عن التّاريخ، وهذا هو ما يفسّر في نظرنا انحساره، الّذي تزامن مع انحسار الأصل الّذي يقوم عليه في نهاية الّذي هو الماركسيّة، نهاية القرن الماضي.

أوَّل عيب يكشف عنه الامتحان النّقدي لهذا المذهب نجده كامنا في طبيعة التّصوّر الّذي يبنيه عن التّاريخ والّذي هو تصوّر “تراجعي” Anachronisme، والمقصود بهذا التَّوصيف هو كون التَّاريخانيّة  تنطلق من رؤية عن التّاريخ  “مبنية بعديًّا”، هذا ناهيك عن تسليمه بقابليّة التّاريخ لأن يصاغ في تصوّر أصلا. إلى جانب هذا العنصر يسقط  التَّاريخاني في عيب ثان لا محيد له عنه وهو النّظرة الاختزاليّة réductionnisme، وهذا ما يكشف عنه بوضوح المؤرّخون المحترفون، وهو ما يفسّر في جزء كبير منه توجس المؤرّخين من التّاريخانيين بشكل عام، وهذا الأمر يظهر في عنصر أساسيّ وهو تمثّل التّاريخانيّ لوقائع التّاريخ، فعندما يتحدّث التّاريخاني عن الأنوار أو عن النّهضة، فإنّه في الحقيقة يتحدّث عن تمثّلات أكثر ممّا يتحدّث عن وقائع فعليّة، وهذا ما بيّنته أعمال المؤرّخين المعاصرين، من مثل جاك لوغوف، الّذين يبيّنون مثلا أنّ الأنوار والنَّهضة وحراك القرن الثامن عشر كلّه يردّ إلى عناصر ضاربة جذورها في القرون الوسطى4، وقد نضيف نحن في هذا السّياق أمورا أخرى، كلّها تبيّن هشاشة وضعف التّمثُّلات الّتي تقدّمها التّصورات التّاريخانيّة، فديكارت كما تصوّره هذه التّمثّلات ليس هي ديكارت التّاريخي، كذلك هو الشَّأن بالنّسبة لروسو وفولتير وأعلام الثّورة الفرنسيّة وكانط وغيرهم، ولا نرى داعيا للتَّفصيل في هذا الأمر بأن نذكر مثلا الأفكار غير “التّقدميّة” الّتي كانت لديكارت من السّياسة ولروسو من الدّين والطبّ ولكانط من المرأة ولهيغل من السُّود واليهود. قد تبدو هذه الأمور غير ذات قيمة أمام الرُّؤية العامّة، لكنّها تبيّن على الأقل أنّ التّاريخانيّة لا تعني التّاريخ، بل إنّها تخالفه وتضادّه في كثير من الأحيان.

يبدو أنّنا نحن أمام صروح تهاوت، وأنّنا نشارف على السُّقوط في ليل بهيم تتساوى فيه كلّ الأشياء، فما الّذي يبقى لنا بعد كلّ هذا؟

في اعتقادي يبقى علينا، فيما يتعلّق بمسألة العقلانيّة الّتي تهمّنا، أن نعي أربعة أمور؛ أمور هي في علاقة جدليّة مع هذا الّذي قلناه، بل يبدو أنّها نتيجة مباشرة عنها؛ ما يبقى علينا أن نفهمه أساسا هو أنّ العقلانيّة ديناميّة وليست ماهية، فعل وليست صنما، فعل لا يتحقّق إلاّ بتجاوزه الدَّائم لكلّ ما يمنعه من أن يكون ويصير، وهذه الأمور الأربعة نعرضها، إن شئنا صيغة النَّفي، كالتَّالي:

  • أن تكون هذه العقلانيّة، أوَّلا، عقلانيّة غير صوريّة، أي أن تكون عقلانيّة تؤمن بشرط الظّرف والحدث، عقلانيّة لا تحيل على أصل في التّاريخ، وهو ما قد يسقطها في الأصوليّة، ولا تحيل على نموذج في الجغرافيا، وهو ما قد يسقطها في وهم النموذجيّة، وهذا كلّه يتأسَّس على قناعة تتعارض مع التّصوّرات التّاريخانيّة، وهي أنّ التّاريخ لا يكرّر نفسه أبدا.
  • أن تكون، ثانيا، عقلانيّة غير دعويّة، أي ألاّ تشتغل ضدّ أحد، وهذا الأمر لاعتبارين اثنين: أوّلهما لأنّنا عندما نشتغل وفق نمط التّضاد فإنّنا نفقد إمكانيّة ابتكار الأسئلة الخاصّة، فنحن لا نضادّ أحدا إلاّ على أساس التّسليم له بإشكاليته، والفكر اليقظ لا يتلقى الإشكاليات بل يبنيها، هكذا فنحن لن نختلف بحقّ عن “اللاّعقلانيّة” إلاّ حين ندرك أنّنا متباعدون عمّن يمثّلها إشكاليًّا، فإشكاليّة العقلانيّ ليست كامنة في الإيمان بالغيب أو عدمه، بل هي الإيمان بالحضور والحياة أوَّلا، هذه هي المقدّمة، وحتّى وإن كان هذا لا يمرّ إلاّ عبر نفي الغيب فلن يكون هذا إلاّ في سياق سجاليّ خالص، والسّجال لا يؤسّس شيئا. ثاني الاعتبارين قائم في ضرورة الوعي بكون كلّ تفكير على نمط التَّضاد ينتهي إلى تبنّي نمط تفكير مَّا يضادّه، وهذا ما نشهده في السّياسة بوضوح في كلّ يوم، وما حلّله مفكّرون كبار ليس أقلّهم الألماني مارتن هايدغر.
  • أن تكون ثالثا، عقلانيّة غير مثاليّة، أي أن تكون عقلانية تعي بأنّ العنف من صميم الكائن ومن صميم التَّجربة الإنسانيّة وليس مسألة أخلاقيّة أو تدبيريّة فقط، هكذا ينبغي أن نعي مثلا أنّ الشّعوب ليست طيّبة أو قاصرة، وهو ما قد يسقطنا في النّزعة الشّعبويّة الّتي هي باثولوجيا الديمقراطيّة، وأن نحترز من أن يعمينا نور العقل – إذ النّور الشّديد يعمي تماما كما الظّلمة – فنعتبر أنّ الدّين شيء ثانوي، أو أنّ النّزوعات الرّجعيَّة مجرّد أعراض، بل ينبغي أن نرتقي لنفهم أنّ هذه الأمور كلّها لا توجد إلاّ لأنّ هناك ما يكفي من الأسباب الموضوعيّة لوجودها، هكذا فوجود الدّين ليس “خطأ” في الرُّؤية، بل هو حاصل لأنّ هناك حاجة “موضوعيّة” له، حاجة زائفة ربّما على المستوى النّظريّ لكنّها حقيقة في الواقع، حاجة تنبّه إليها فرويد في أواخر حياته، حين تحدّث عن كون النّاس لا تتديّن لأسباب واعية، بل تتديَّن لاعتبارات لا واعية أساسا، أي لا تتديّن لنقص في الفكر، بل رغبة في إرواء ظمأ المعنى.
  • أن تكون هذه العقلانيّة، رابعا، عقلانيّة غير إرادويّة، عقلانيّة لا تعتقد كثيرا في سلطة الثّقافة، بأن تظنّ أنّ المثقّف شخص يمسك بزمام التّاريخ، فالتّاريخ إن صحّ أنَّه ينفعل بالإديولوجيا، فإنّه ينفعل خصوصا بالاقتصاد والديموغرافيا والحروب والمعتقدات الأساطير والرُّموز الّتي تعتمل وتتصارع فيه وفق قوانين وآليات لا تفهم إلاّ في إطار صيرورات ضخمة آتية من عمق القرون، والمثقّف، من حيث هو إنسان، هو جزء من هذا كلّه، إنّه طرف في هذا الوضع، طرف يصارع هذا الوضع بما يمكّنه منه هذا الوضع نفسه، لأنّه كائن في كينونة  وليس “مملكة في مملكة” كما قال سبينوزا.

قد يبدو في هذا الحديث إقرار بالمحدوديّة، بل وبالضّعف، بيد أنّ في الاعتراف بالمحدوديّة والإقرار بالضّعف، من العقلانيّة، أي من أسباب القوّة الفعليّة، أكثر من كلّ ما تحمله الخطابات الإرادويّة السَّاذجة الَّتي يستبدّ بها الزَّهو ويميد بها الخيلاء وتأخذها الثّقة العمياء في نيتها الصَّادقة الطيّبة، فما تنتبه إلاّ وقد أثمرت كلّ أشأم قبيح من الثّمار، وهذا ما تعلمنا إيّاه كلّ التّجارب “النّهضويَّة” الحديثة في العالم العربيّ، من العراق إلى ليبيا، ولا عجب، ففي الفكر كما في السّياسة، النيّات الطَّيّبة هي أقصر الطُّرق نحو الخراب.

إحالات:

  • Bachlard, Gaston ; le rationalisme appliqué, puf, paris, 1949 ; pp 3- 9.
  • Charles S. Peirce, How to Make Our Ideas Clear, Popular Science Monthly 12 (January 1878), 286-302.

3- نقصد بهذا الكتابات الأولى لعبد الله العروي نهاية السّتينيات وبداية السّبعينيات، خصوصا منها كتاباه العرب والفكر التّاريخيّ والإيديولوجيا العربيّة المعاصرة.

4- أنظر مثلا مؤلّفاته الشّهيرة من مثل:

L’Europe est-elle née au Moyen Âge ?, Seuil, 2003

Un Autre Moyen Âge, Paris, Gallimard, coll. « Quarto », 1999

كما نحيل في الانتقادات الفلسفيّة الخالصة لهذا المذهب على أعمال حايك وبوبر وميز.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق