ابن رشد بين الدّين والفلسفة (ج2)

لقد كان ابن رشد حريصا على استعمال المتخيل الديني من منطلق إيمانه بوظيفته السياسيّة، مثلما كان حريصا أيضا على توظيف الفلسفة، وهذا ما يفسر اتّجاهه ناحية الماضي والمستقبل في الوقت نفسه، مستعملا متخيلين متقابلين، وفي هذا تكمن قوّة فلسفته فقد كان يلتفت إلى الماضي ليغرف منه ما يحتاجه للوثوب إلى المستقبل.

ولكن هذا الّذي نقوله لا ينبغي القبول به على عواهنه، فابن رشد يرى أنّ المشكلة بدأت مع الأمويين، وتحديدا مع معاوية [1]، عندما كان الإنحراف عن مدينة الخلفاء الرّاشدين، لذلك ينبغي العودة إلى اللّحظة الذهبيّة، ولكن هل تلك اللّحظة قابلة للإسترداد؟ نحن نُرجح أنّ ابن رشد كان مُدركا لاستحالة ذلك وهذا ما يفسّر بحثه عن حلول في السّياسة كعلم لدى اليونانيين، وأنّ قوله بتلك العودة إنّما يندرج في استثماره المتخيّل الإسلامي الّذي ألمحنا إليه وأنّ نقده لذلك المتخيّل في كتاباته الموجهة إلى الخاصّة حجّة تعضد ما نقوله، بل إنّنا نزعم أنّ محنته الّتي يمتزج فيها اتّهامه بالكفر في الدّين بالكفر في السّياسة تجد موقعها هنا بالذَّات.

ولا شكّ أنّه يقوم بذلك وفي ذهنه ما يحفل به تاريخ الإسلام من توظيف للمتخيّل، ألم يستعمله النّبي نفسه مخاطبا النّاس بما يفهمون؟ ألم يغرف من تاريخ الأجداد ما كان مساعدا له في مهمّته الدينيّة والسياسيّة وفي الوقت نفسه كان يشدّ أنظار المتّقين إلى يوتوبيا السَّعادة الأخرويّة، وعندما واجه أعوص مشكلة في غزوة حنين عندما اتّهمه البعض بتفضيل المهاجرين على الأنصار، رغم كلّ ما قدّموا له من معونة فأعطاهم من الغنائم أقلّ ممّا أعطى المهاجرين، جمعهم في خلوة وخطب فيهم مُوظفا مخيالهم الجماعي عن الفردوس الموعود فكان رضاهم. كما أنّ فيلسوف قرطبة على بينة ممّا تقوله الفلسفة بخصوص ذلك التّوظيف، ففي تلخيص كتاب الشعر نقرأ:” ما تتكفلّه الخطابة من تبيين أنّ شيئا موجودا أو غير موجود، إلاّ أنّ الخطابة تتكلّف ذلك بقول مقنع والشعر بقول مُحاك، وهذه المحاكاة هي أيضا موجودة في الأقاويل الشرعيّة، قال وقد كان الأقدمون من واضعي السّياسات يقتصرون على تمكين الاعتقادات في النّفوس بالأقاويل الشعريّة، حتّى شعر المتأخّرون بالطرق الخطبية ” [2] فتدبير المدينة يحتاج الخطابة وما تثيره من خيالات.

هذا فيما يخصّ الدين أمّا الفلسفة فقد نظر إليها عربيا باعتبارها “التّشبه بالإله بحسب الطَّاقة البشريّة لتحصيل السَّعادة الأبديّة كما أمر الصَّادق  صلعم في قوله: ‘‘ تخلقوا بأخلاق الله ’’ أي تشبّهوا به في الإحاطة بالمعلومات والتّجرد من الجسمانيات “. [3]

وهي تعني رشديا طلب المعرفة بتوسّط العقل [4] ومن هنا خط الفصل الّذي يرسمه فيلسوف قرطبة بين المعرفة العقليّة والمعرفة الوهميّة [5]، بين الحكمة والظّنون و” بادئ الرأي ”  قائلا ” لا تعجل وتحكم على مخلوقات الله سبحانه ببادئ الرأي فتكون من الذين قال فيهم سبحانه )قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالا، الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا( ” [6] وهو ما يتجلّى برأيه  في تعاليم أرسطو الّتي تكتسب قيمتها من كونها علم العصر فالفلاسفة هم “أهل البصائر” وهاتكي ” حجب الجهالة ” و” معلوم من أمرهم أنّهم يطلبون الحقّ “. [7]

والفلسفة  نظر وعمل غير أنّ تأثيرها كان ضعيفا في ملّة الإسلام فقد تمّ النّظر إليها باعتبارها وافدة من الأمم الوثنيّة الكافرة، وبالتّالي فهي مدنّسة وتمثّل خطرا على عقيدة الملّة، وحتّى من انتسب إليها من فلاسفة العرب فإنّهم ألحقوا بها أحيانا الضّرر ” لقلّة تحصيلهم لمذهب القدماء ” [8] واتّباعهم في بعض الحالات المتكلمين مثلما حصل للفارابي وابن سينا [9]، ممَّا سمح للغزالي بالافتراء عليها من خلالهم فـ”أبو حامد لما ظفر … بوضع فاسد منسوب إلى الفلاسفة، ولم يجد مجيبا يجاوبه بجواب صحيح، سُرّ بذلك وكثر المحالات اللاَّزمة لهم. وكلّ مجر بالخلاء يسر، ولو علم  أنّه لا يرد على الفلاسفة لما فرح به” [10].

ومن هنا نفهم تلك الأوصاف الّتي أسبغها أبو الوليد على الفيلسوف في بلاد الإسلام فهو يعيش بين وحوش ضارية[11]، وكان الغزالي قد ألحق بالفلسفة بالغ الأذى بتخرصاته ومماحكاته وتلبيساته على الفلاسفة، تحت عناوين مثيرة مثل: أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهم [12]، لذلك كانت المحاولة الرشديّة لردّ الاعتبار إليها وسط افتتان شديد بأرسطو. غير أنّ إعجابه هذا لا يعني التبعيّة فقد عمل على هضم الفلسفة اليونانيّة ثمّ توصل إلى الابداع وبالتّالي الاستقلال الفلسفيّ وانتهى إلى محاولة تغيير واقعه بفلسفته ممّا استثار ردود فعل قويّة ضدّه تجلَّت في محنته.

لقد أقرّ فيلسوف قرطبة وجوب اعتراف الأخلاف بما جاء به الأسلاف في مجال الفلسفة والأخذ عنهم حتّى لو كانوا من الأمم المباينة  والأسلاف هنا هم اليونانيون أمّا الأخلاف فهم العرب، وعلى هذا الصَّعيد يمكن القول إنّه كان في الفلسفة والدين سلفيا بمعنى مَّا، غير أنّها سلفيّة مبدعة مجدّدة برهانيّة عقليّة ويا للمفارقة، فهو على مستوى الدّين يعود إلى المنابع والأصول، أي إلى اللّحظة الذهبيّة للإسلام مُمثّلة في حكم الخلفاء الرَّاشدين وللقرآن كما قلناه سابقا، وفي مجال الفلسفة إلى المعلّم الأوّل باعتباره من بلغت معه فلسفة اليونان قمتها، ووجه المفارقة أنّه يستعمل تلك العودة للتّعبير عن أفكار تمكن من تجاوز التّحريم الديني. وهنا يقرّ على سبيل الذكر للمرأة بالإمامة الكبرى / رئاسة الدّولة والقدرة على مشاركة الرّجال الحرب والحكمة، كما إقرار إمكانيّة تولي الفيلسوف الملك وفصل بين العلمين الإلهي والإنساني والدنيا والدّين، فقد ميّز بين علم الله وعلم الإنسان، بين الوحى والعقل بين الفلسفة والدّين، وهو في الوقت الَّذي لا يزعم فيه أن علم الله علم خاطئ، إذ مبادئ الشَّرائع ليست موضع بحث عقلي وإنّما هي مسلمات وهذا مصرح به من قبله، فإنّه لا يجزم أيضا أنّه صادق وهذا ما لم يصرح به، ولكنّه  مفهوم من سياق كلامه، أمّا علم الإنسان فهو يجزم أنّه عالم به، والمهم هنا هو هذا الفصل الجلي بين العلمين، ومن هنا تلك الأهميّة التي مًنحت لتلك القولة أوربيا، حتّى أنّها اعتبرت مصدرا للحداثة والعلمنة فعصر النّهضة نفسه مبني عليها وهو ما يساعدنا على الإمساك بناصية الغاية من وقف الإشتباك بين الفلسفة والدّين الَّتي نرى أنَّها سياسيَّة  .

ـــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- يقول ابن رشد: “وأنت تقف على الّذي قاله أفلاطون في تحوّل السّياسة الفاضلة إلى السّياسة الكراميّة، من سياسة العرب في الزّمن القديم، لأنّهم حاكوا السّياسة الفاضلة ثمّ تحوّلوا عنها أيّام معاوية إلى الكراميّة ويشبه أن يكون الأمر كذلك في السّياسة الموجودة اليوم في هذه الجزر” ويقصد بذلك الأندلس، أنظر: ابن رشد، الضَّروري في السّياسة: مختصر كتاب السّياسة لأفلاطون، نقله من العبريّة إلى العربية أحمد شحلان، الطبعة الأولى، بيروت مركز دراسات الوحدة العربية، 1988، ص 184.

2- ابن رشد: تلخيص كتاب الشعر، تحقيق وتعليق محمد سليم سالم، القاهرة، لجنة إحياء التراث الاسلامي،1971، ص 81.

3- الجرجاني:كتاب التعريفات، مرجع سابق، ص 169.

4- يقول ابن رشد: ” فأمّا الفلاسفة فإنّهم طلبوا معرفة الموجودات بعقولهم، لا مستندين إلى قول من يدعوهم إلى قبول قوله من غير برهان ” تهافت التّهافت، مصدر سابق، ص 269.

5- نقرأ في تهافت التّهافت  ما يلي: ” إنّه لا يُشكّ  أنّ قضايا العقل إنَّما هي حكم له على طبائع الأشياء خارج النّفس، فلو لم يكن خارج النّفس لا ممكن ولا ممتنع، لكان قضاء العقل بذلك كلا قضاء ) كـ” لا قضاء “(، ولم يكن فرق بين العقل والوهم .” المصدر نفسه، ص 192.

6- المصدر نفسه، ص 149.

7- المصدر نفسه، ص 244.

8- المصدر نفسه، ص 161.

9- المصدر نفسه، ص 151. ومعلوم أنّ ابن رشد وقف ضدّ المتكلّمين جميعهم بما في ذلك المعتزلة الّذين يصف قولهم بخصوص هذه المسألة أو تلك بأنّه سخيف، أنظر المصدر نفسه، ص 211 .

10- المصدر نفسه، ص 297.

11- ابن رشد: الضَّروري في السّياسة: مختصر كتاب السّياسة لأفلاطون، مصدر سابق، ص 141.

12- الغزالي: المنقذ من الضلال، تحقيق عبد الحليم محمود، القاهرة، مطبعة حسان، دون تاريخ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This