ابن رشد بين الدّين والفلسفة (3)

ولكن لماذا تمّ تقدير القولة على هذا النّحو أوروبيًّا بينما طمست عربيًّا أو على الأقلّ تمّ تجاهلها؟ هل لأنّ الأثر الّذي تضمنها مفقود عربيا؟ وبالتّالي فإنّ العرب ظلّوا منشغلين بتأكيد الوصل / الاتّفاق، ربّما لأنّ تلك كانت رغبتهم ولا تزال، فهم في ورطة تاريخيّة فالحداثة لم تترك للفكر الدينيّ الإسلاميّ من مجال إلاّ وإنتهكته، لذلك انشغلوا بتأكيد الاتّفاق بين العقل والنّقل، بين الدّين والفلسفة، وانهمكوا في ذلك أي إنهماك، مثلما كان حالهم سابقا مع الفلسفة اليونانيّة الوافدة.

لقد اعتبر بعضهم ذلك القول  علمانيّة مبكرة في العالم قاطبة، وهذا ما تمّ تركيز الأنظار عليه في الغرب اللاَّتينيّ، وكان مدار صراع كبير في جامعات أوروبا وبلاطاتها وكنائسها إلى الحدّ الّذي ذهب معه هنري كوربان إلى القول إنّ مصيري الشّرق والغرب على صعيد العلاقة بين العقيدة والعقل كان المحدّد فيهما فيلسوفان هما الشَّيخ الرّئيس وفيلسوف قرطبة، إذ برأيه ” يمكن أن يؤخذ ابن سينا وابن رشد كرمزين للقدرين الرّوحيين اللّذين كان أحدهما ينتظر الشّرق والآخر ينتظر الغرب “[1] .

ولكن ما هما هذين المصيرين؟ إنّهما العلمانيّة والعقلانية والحداثة في الغرب والتّصوف والروحانيّة والوجدان والعرفانيّة في الشَّرق، فابن رشد اللاَّتيني أعطانا الرشديّة السّياسيّة بينما أعطانا ابن سينا الصوفيّة والرّوحانيّة والغنوصيّة، وأنّه إذا كان هناك سعي حقيقي للإفلات من أسر القوى المحافظة في الشّرق الإسلاميّ وحلّ معضلة العلاقة بين الدّين والسّياسة، فإنّ الوجهة يجب أن تكون ابن سينا والباطنيّة الإسلاميّة، لا تلك الرشديّة السّياسيّة فـ” ليست الرشديّة السياسيّة ولا شيئا على نحوها هي الّتي يقدر لها أن تقتاد الروحانيين في الإسلام إلى التّخلص من وطأة التيّار المحافظ ومن وطأة أهل المتشبثين بالشّريعة، بل ذلك المنحى التّأويلي الّذي علينا أن نحلّل كلّ ما يتضمّنه في الباطنيّة الإسلاميّة عامّة، حتّى نتمكّن من تحديد ما يقابله في الغرب “. [2]

صحيح أنّه يجب الالتفات ناحية صرخة فيلسوف قرطبة الّتي ستدوي في أوروبا وهي تبحث عن أقوم مسالك نهضتها: أيّها النّاس لست عالما بأمور دينكم وإنّما أزعم أنّي عالم بأمور دنياي، وتفسير لماذا لم يكن لتلك الصَّرخة الّتي يتكثّف فيها المشروع الفلسفي الرشدي الخاصّ بالسّياسة من غد لدى العرب كما ذكرنا، وهو ما يفسّر  بضعف تأثير الفلسفة في دار الإسلام من جهة الموانع الدينيّة على وجه التّحديد الّذي هو من ضعف حاملها الاجتماعيّ، وعندما نقدّم هذه الإجابة فنحن لا نلغى بطبيعة الحال في هذا التّفسير دور العوامل الموضوعيّة الاجتماعيّة والسّياسيّة، بل إنّنا نعتبرها الأساس الّذي منه ينبع ذلك التَّأثير الضّعيف، وأنّ ابن رشد وهو يحاول ترتيب تلك العلاقة بين الدّين والفلسفة كان مدركا لاستتباعاتها السّياسيّة في ملّة عانت طويلا من استبعاد الفلاسفة واضطهادهم.

لقد كانت العلاقة بين الدّين والفلسفة متوترة في بلاد العرب، ممّا سيدفع فيلسوف قرطبة إلى الاهتمام  بترتيب العلاقة المشار إليها، وهو ما سنجده بشكل خاص في ثلاثيته ونعني الفصل والتّهافت والكشف حيث ستتركّز مقاربته للعلاقة المذكورة على إثبات ما يلي:

أوَّلا: تقربنا الفلسفة من الله، ومن ثمّة وجوب الإقبال عليها فهي بحث في العلل الّتي بإبطالها يبطل العقل نفسه الّذي ” ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها “[3].

ثانيا: أمرنا الدين بالتفكّر والتدبّر، وهو ما يتوافق وغرض الفلسفة ويوظّف هنا ابن رشد آيات تبيّن ذلك [4]، مثل ” فاعتبروا يا أولي الأبصار ” مؤوّلا إيّاها على أنّها توجّب استعمال القياس العقلي والآية الّتي تقول ” ألم ينظروا في ملكوت السّموات والأرض وما خلق الله من شيء ” قائلا إنّها تحث على النّظر في جميع الموجودات  وإنّ النّبي إبراهيم اختصّه الله بذلك وقال فيه” وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السّموات والأرض، هذا فضلا عن آيات أخرى مثل: “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السّماء كيف رفعت ” و” يتفكّرون في خلق السَّموات والأرض” .

ثالثا: التّأويل مطلوب لرفع كلّ تعارض ظاهري بين الفلسفة والدّين .

رابعا: الفلسفة والدّين يختلفان في الطّرق، يلتقيان في الأهداف، فالحكمة والشَّريعة أختان بالرّضاعة كما أنّهما متممان لبعضهما البعض ” ذلك أنّ العلم المتلقى من قبل الوحي إنّما جاء متمّما لعلوم العقل، أعني: أنّ كلّ ما عجز عنه العقل أفاده الله تعالى الإنسان من قبل الوحي” [5].

لقد خصّ ابن رشد إشكاليّة العلاقة بين الفلسفة والدّين باهتمام كبير مثلما نلاحظه، وفضلا عن تركيز نظره عليها في ثلاثيته فإنّه كثيرا ما كان يعود إليها في مختصراته وتلاخيصه وشروحه على أرسطو وأفلاطون أيضا، بمعنى أنّها كانت تمثّل هاجسا من هواجسه الأساسيّة، فقد كان يفكّر وهي ماثلة نصب عينه، وفي قلب تلك الإشكاليّة طرحت مشكلة إيمانه ومعلوم أنّ فكرة راجت ضمن الرشديّة اللاتينيّة حول كفر أبي الوليد بشتّى الأديان، وهو ما سيعمل رينان [6] لاحقا على دحضه. وما يهمّنا نحن هنا هو تبيئة أبي الوليد للفلسفة في المحيط الإسلاميّ ودفاعه عن التّوافق بين الفلسفة والدّين وإدراكه أنّه لا يمكن تنظيم المجتمع/المدينة  بالعلم والعقل والنّظر والبرهان فقط، بل يجب استثمار الرموز والمعتقدات والطقوس والتّخيلات والقيم . ومن ثمّة مسعاه لانتزاع المتخيّل الإسلاميّ من المتكلمين، وهو ما أثار سخط  السّلطة الدينيّة، وهنا بالذّات ندرك منزلة الفلسفة والدّين في التّدبير المدني لديه، فقد كان على بينة من طبيعة الأزمة الّتي تعانيها المدينة العربيّة، وهي تلك الماثلة في الاشتباك بين العقل والنقل، بين الفلسفة والشّريعة، وهو ما انعكس في مجال السّياسة بوجه خاصّ من خلال الفتن المتلاحقة فسعادة المدينة وسلامتها تتطلّب حلّ تلك الأزمة.

وقد عرض ابن رشد إلى ذلك ضمن نزعة هجوميّة غير خافية، لذلك كان قاسيا على الغزالي والمتكلّمين، ولكنّه كان حذرا في علاقة بالملّة، متوخيا الدّفاع لا الهجوم، فحشد ترسانة من الآيات الّتي تعضد موقفه لترتيب العلاقة بين الدّين والفلسفة، وما لم يستطع بلورته علنا عبّر عنه بين السّطور، أو من خلال المُنافحة عنه بشرح ما يوافق هواه ممّا ورد في متون فلاسفة اليونان، وهذا ما يُفسّر برأينا اتّجاهه ناحية تلخيص جمهوريّة أفلاطون الّتي تزخر بمواقف جدّ مثيرة في التّدبير المدني، لم يجد ابن رشد غضاضة في شرحها وتقديمها لمدينته وإن كان لخاصّتها وليس لعامّتها، الّتي كانت في ذلك الحين بعيدة عن إدراك ذلك، ولكنّه واع بأنّ السلطتين الدينيّة والسّياسيّة يمكنهما في أي حين استثارة ردود أفعالها ضدّ الفلسفة.

يتبع ….

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 ـ المرجع نفسه، ص 368.

2ـ المرجع نفس، الصفحة نفسها.

3ـ ابن رشد:  تهافت التّهافت، مصدر سابق ، ص 507 ويضيف ابن رشد قوله: “من رفع الأسباب فقد رفع العقل”، المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

4ـ  ابن رشد: فصل المقال في تقرير ما بين الحكمة والشّريعة من الاتّصال، مصدر سابق، ص ص 86 ـ 87.

5ـ ابن رشد: تهافت التّهافت، مصدر سابق، ص 302.

6 ـ  Renan (Ernest): Avérroès et l’avérroïsme. Maisonneuve et Larose. Paris .1997. ويرى رينان أنّ الدّين يمثّل  أعمق تعبير عن الشّعور الإنسانيّ في عصر مّا وأنّه لفهم النّظام الدينيّ لقرن معيّن يجب أن نضع أنفسنا في هذه أو تلك من المراحل التاريخيّة الّتي ساد فيها وهذا ما يصعب على أفضل  مؤرّخ القيام به وأنّ إيمان مفكّرين عظام  بمعتقدات تحيّر اليوم شعور الطّفل لا يقلّل من شأنهم  مفترضا أنّ ابن رشد  والفلاسفة العرب قد قاسموا  ملتهم عقيدتها الدينيّة، المرجع نفسه، ص 125. غير أنّ رينان لا يخبرنا بما إذا كان ذلك يتمّ ظاهريا فقط أم لا، ونراه يسهب في تفنيد تهمة الإلحاد الّتي ألصقها بعض المفكّرين اللاتين به باعتباره مُنكرا للأديان الثّلاثة اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، معتبرا ذلك أسطورة جعلت منه كبش فداء بأن نسبت إليه أفكارا لم يبح بها بما في ذلك نسبة عبارة “الدّجالين الثلاثة” إليه في إشارة إلى موسى وعيسى ومحمّد عن جهل لما كتب، وقد حوّل ردّ الفعل الشّعبي تلك العبارة إلى كتاب قيل أنّ ابن رشد قد ألّفه وهو الكتاب الّذي لم يوجد مطلقا، كما قيل أنّه اعتبر اليهوديّة دين الأطفال والمسيحيّة  دين المستحيل والإسلام دين الخنازير. أنظر المرجع نفسه في الصفحات 211 ـ 214. وقد انبهر ليون غوتييه بما قام به رينان على هذا الصَّعيد معتبرا أنّه خصّص كتابه ابن رشد والرشديّة  لدحض تلك الأسطورة  وأنّ ذلك “الكتاب الجميل ” أضحى تأثيره كبيرا بعد ذلك.

Léon Gauthier . Théorie d’ibn Rochd sur les rapports de la religion et de la philosophie .Ernest Leroux .Paris 1909; p3.

وفي المقابل نراه يؤاخذ مونك الّذي لم يول قضيّة العلاقة بين الفلسفة والدّين لدى ابن رشد كبير اهتمام مصرّحا (مونك) باقتضاب أنّه ” أثار الريبة بسبب آرائه الفلسفيّة رغم أنّه كان ظاهريًّا متقيّدا بالتّعاليم الدينيّة”.أنظر للغرض:  Salomon Munk. Mélanges de philosophie juive et arabe . Vrin.Paris .1988.p421.

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق