هل بقي للطبقة الوسطى دور وهوية؟ / صلاح الدين الجورشي

بعيداً عن الأجواء المتوترة في منطقة الخليج، والتي ازدادت تعقيداً بعد الحصار الذي فرضه الرباعي على قطر، نظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ندوة علمية في تونس عن “الطبقة الوسطى في البلدان العربية.. التحوّلات والرّهانات والتغيّرات السّوسيو – اقتصادية مقاربات مقارنة”.

للطبقة الوسطى قصة طويلة في العالم العربي، مختلفة عن المسار الذي عرفته في الدول الغربية، وخصوصاً الأوروبية منها. ولهذا السبب، استمر الجدل في الندوة ثلاثة أيام بشأن تعريف هذه الطبقة، وفق السياقات الراهنة. وكشف هذا الجدل عن أن المفهوم لا يزال غامضا وملتبسا، وأنه في العالم العربي لم يستقر الأمر بين الاجتماعيين وخبراء العلوم السياسية. لكن المؤكد أن هذه “الطبقة”، حتى وإن ضاعت ملامحها وترجرجت خصوصياتها، إلا أنها تحيل الباحثين إلى مسألةٍ لا يمكن إنكارها، وتتمثل في أنها القوة الاجتماعية الرئيسية التي تتحمل حاليا أعباء هذه المرحلة، بمختلف تحولاتها، مثلما تحملتها في السابق.

للفقراء دور ووزن ودلالات، لكن شريحة الفقراء تبقى، في الغالب، محكومة بوضعها الاقتصادي شديد الصعوبة. وظروفها تلك تجعلها باستمرار تحت رحمة الماسكين بالسلطة، تصدّق وعودهم، وترضى بما يقدّم لها من مساعدات ورعاية. وإذا ما ثارت، جاء احتجاجها عاصفاً وعنيفاً. لكن، سرعان ما يتم احتواء غضبها بما تلقيه أنظمة الحكم من فتاتٍ، وما تبتكره من خدع.

أما الأثرياء العرب فلا يزال النقاش متواصلا حول هويتهم الطبقية. بالتأكيد، يملكون المال، ويحتكرون جزءا واسعا من الثروات الوطنية. لكن ذلك لا يكفي حتى يحملون بوعي الخصائص التي تمنحهم لقب البورجوازية، كما هو الشأن في الدول الرأسمالية. إذ تاريخيا للبورجوازية ثقافة وهوية وتقاليد وأدوار قيادية، في حين أن جزءا واسعا من الأثرياء العرب يتعيشون من اقتصاد الريع، ويلعبون دور الوسطاء، ويعتمدون على الأسواق الموازية، ولا يتردّدون في توسيع دائرة الفساد. قليل من رجال ونساء الأعمال العرب الذين يسهمون، بحق وجدية، في تنمية الثروة الوطنية. يصح القول عن هؤلاء المغامرين إنهم من بين بناة الاقتصاد الوطني.

بين هؤلاء وأولئك، تصطف شرائح عديدة، تتفاوت في الفرص وفي القدرات المالية والعلمية، لكنها تشكل الأغلبية في معظم المجتمعات العربية. هذه الشرائح المنضوية تحت ما تسمى الطبقة الوسطى هي التي تحملت جزءا لا بأس به من أعباء بناء الدولة الوطنية، ففي تونس تعتبر هذه “الطبقة” العمود الفقري للمجتمع والدولة. أفرزت، في الغالب، النخب التي قادت الحركة الوطنية، وتحمّل أبناؤها بعد الاستقلال وضع السياسات وتنفيذها. وبفضل إعطاء الأولوية للتعليم، تشكلت قاعدة اجتماعية عريضة، وفرت الاستقرار السياسي، وقامت بحمايته فترات طويلة.

لكن الخيانات داخل هذه الطبقة تعدّدت، وتفاوتت الفرص والثروات، وتفجّرت تناقضات كثيرة، دفعت ببعض شرائح “الطبقة الوسطى” إلى الاحتجاج والمطالبة بالإصلاح والعدالة والحرية. وما حدث خلال الثورة التونسية دليل على ذلك. انطلقت الاحتجاجات من داخل حزام التهميش الاجتماعي. لكن شرائح الطبقة الوسطى الأكثر استنارة سرعان ما تلقفت مبادرة الاحتجاج، ونجحت في زعزعة النظام الاستبدادي، وأربكته وأسقطت رأسه، لتفتح بذلك ثغرة مهمة في المنظومة التي كانت تحتكر السلطة والثروة والقرار.

تشعر هذه “الطبقة” اليوم بأنها في مأزق، لأنها لم تستفد كثيرا من المغامرة التي أقدمت عليها. إذ مرة أخرى تخفق نخبها في الوفاء بوعودها. لكن، بقطع النظر إن صح الحديث عن سقوط مقولة الطبقة الوسطى نتيجة لأطروحة نهاية الطبقات التي يروجّها بعضهم، فإن المنطقة العربية تواجه أزمة قيادة بمفهومها السياسي وأيضا الاجتماعي. ولعل من شأن اهتزاز الحدود الفاصلة بين الطبقات أن يعيد فتح المجال لخلطةٍ سياسيةٍ جديدة، يتداخل فيها الأيديولوجي مع الاجتماعي، عسى ذلك أن يهيئ المناخ الملائم للحد من التداعيات الخطيرة للعولمة المتوحشة التي تهدم الحدود، وتقضي على الخصوصيات، من دون تفكير عميق في نتائج الإدماج الفوضوي والقسري للشعوب في سوقٍ عالمية، بدون ضفاف ولا قيم.

 

عن جريدة العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق