الرَّمز والمخيلة والمثال، أسئلة واستنتاجات

في البداية يمكننا أن نشير بالتّعريف لمصطلح الرّمز بأنّه الشّيء الأهمّ الّذي انبثق من الرّسوم الانطباعيّة والتعبيريّة على جدران الكهوف في عصور ما قبل التّاريخ، في تلك العصور الّتي كان يحيا فيها الإنسان في تداخل حيوي مع الطبيعة، فهو لم يعتد بعد الانفصال وألمه، ولم يكن يُعنى في الأغلب إلا بما تمكنه البيئة من حوله في الحصول عليه. وإذا كانت الموضوعات الّتي تشغل الذّهن في تلك المرحلة المبكرة من التاريخ قد ارتبطت على نحو وثيق ببذور البنية النفسيّة، ففي هذا القاع السيكولوجي العميق تكمن أكبر الأحاجي والألغاز، وفي تلك الليالي الداكنة كانت تتلألأ النجوم فوقنا، وعند عتبات الكهوف وبعيداً وعميقاً في المغاور كنّا نحاول الاتّصال باللاّنهائي محاولين الانعتاق من أسر الحلم الأرضي. لقد كنا في توق كبير لشيء نتشبث به في تلك العتمة إن صحّ التَّعبير. وما تلك المحاولات المبدعة على جدران الكهوف إلاّ محاولة طفليّة يملأها الانطباع والتعبير. فاللّون والحركة يوحيان بالشّحنة الوجدانيّة والعاطفيّة لتلك الحيوانات المصوّرة على الجدران. فهي إمّا ساكنة تملأ المكان بشتّى الألوان الحارة وإمّا متحركة تملأ الفضاء، لقد كانت عوالم لانهائية، تسعى بصورة من الصور نحو المطلق. ومنذ اكتشاف النار الوثابة والطليقة والتجهز بأدوات الصيد، كانت المغامرات الأولى في تأكيد الذات وقد دفعتها الغرائز باتجاه غزو العالم والاستحواذ على الجنة. عند هذه المرحلة على الأغلب نلاحظ تكونات الرمز، في صور كفّ مطبوع، أو قرص الشمس، وفي الأشكال الغنيّة بالخطوط والأقواس. وفي هذه المرحلة أيضاً كان جهازنا الصوتي قد ارتقى للنّطق بتهويمات وأصوات محددة مع شحنتها الانفعالية، لقد كانت بداية اللغة وأولى الأصوات الموحّدة للمعاني. إنّ تلك كانت الإرهاصات الأولى لما يسمى “الرّمز”. وفي المقابل فقد بقيت الانطباعات مستمرّة في ما بعد، ومن هنا كان لابد من وجود علاقة معينة تسهم في ارتباط الانطباع بالرّمز.

ومن ذلك فإنّ مقابلات الرّمز تحظى في مستوى معين من شدة الانطباع، لكن ليس بمقدورنا حتّى اليوم وضع خريطة أو منهج لاحتلال الرّمز ساحات الفكر البدائي، والصّحيح ربّما أنّنا نألف الرّموز ذات التّأثير الوجداني وخصوصاً تلك الوجدانات المرتبطة بفعاليات (الليبيدو) النّفسي. فمع التّطور الكبير في الجملة العصبيّة المركزيّة أصبح من الممكن بناء خرائط متعدّدة، واحتمالات كثيرة لا حصر لها، ذلك أنّ الغنى الإدراكي عن طريق الحواس كان ومازال ملوّناً وغير متطابق حتّى عند معاينة نفس الحدث أو الخبرة من نفس الشّخص وفي نفس الوقت من اليوم والتاريخ، وهذا ما جعل الانطباع يحمل مدلولات شتّى وحتّى متناقضة في سياق التّفكير والحالة الذهنيّة. فمشهد غروب الشّمس مثلاً، نحن نعاينه في كلّ يوم وفي نفس التّوقيت لكنّه يحرض حالات شعوريّة مختلفة ومتباينة، وفي كلّ مرّة نحن نشاهده ونتأمّله دون أن نشعر بالضّجر، وهذا هو السّبب في كونه مشهداً محرضاً، كذلك الأمر لدى استماعنا للموسيقى أو مشاهدة منجزاً فنياً، أو حتّى في حالات التّريض في الغابات أو الالتقاء في حضور طبيعة طاغية، أو لدى قضاء الوقت في صحبة فكريّة أو عاطفيّة…إلخ.

في هذا السّياق فإنّ اللّغة تمسي طيّعة للأفراد ذوي المخيلة في التّعبير عن المكنونات الشعوريّة. وبقدر ما تكون تلك الخبرة عميقة وأصيلة بقدر ما تثير الدَّهشة والنَّشوة معاً، يصاحب ذلك شعور عميق بالتّناغم والوحدة، إنّ شعور الدّهشة والنّشوة تلك تميز مراحل الطفولة الأولى الّتي ما تزال فيها الذّات متمركزة حول الأنا، فهي بعد لم تضحي بجزء من أناها تجاه المجموع والنّاس. ولذلك فإنّ المثيرات الحسيّة تملأ ساحات متعدّدة من الأنا مثيرة فيها شتّى حالات الألوان والشّعور البدئيّة. وعلى هذا فإنّ المرتكزات الشعوريّة الأولى بالنسبة للأنا غنيّة بهذه الانطباعات إذا شئنا التّعبير . وكما هو الحال لهذه المرحلة العمريّة من تاريخ تطور الطفل النّفسي، فإنّ الغرائز أيضاً الّتي ترتهن على نحو مّا بالأنا وتلعب دوراً مهماً في كلّ دفاعات هذه الأنا، تخضع هي بالتّالي على نحو جدلي إذا  صحّ التّعبير لهذه الانطباعات، فمن الحاجات الغرائزيّة الأولى  تتولّد انطباعات لونيّة وحسّية تجاه الموضوع المفضل للغريزة، ويمكننا تسميتها وفق المنحى النّفسي (خيالات). وهذه الخيالات هي نماذج تصوريّة مرهونة بالانطباع الحاصل عن الخبرة والّتي جرى الإحساس فيها سابقاً. ويمكننا هنا سوق علاقة جدليّة بين هذه الخيالات والانطباعات المرافقة، لكن لا يمكننا تحديد انطباع محدّد مرافق لهذه الحالة من التّصور الذّهنيّ والانفعاليّ. ذلك أنّ السّاحة الشّعوريّة مرتبطة أيضاً بالاندفاعات الغريزيّة  في اللاّشعور وبمقتضيات الواقع المعاش. ومن هنا كان التّمييز الفرويدي بين ما يثير الإحساس باللّذة، وما يولد الألم. في هذا المستوى تترجم الانطباعات وترتبط بالذّاكرة على نحو انفعاليّ، وفي هذه الحلبة أيضاً تأخذ الأنا دورها في الدّفاع عن وجودها الموضوعيّ في العالم الخارجيّ، فتبتغي في الحالة السليمة صون وجودها وبذات الوقت التّنازل المؤقَّت أمام هذه الرّغبات اللاّشعوريّة فاتحة لها المجال لتؤكّد وجودها.

وفي الحلم فإنّ هذه الرّغبات تستغلّ غياب الوعي والتّيقظ، محاولة العبور إلى السّاحة الشعوريّة الحرّة زمن الحلم، وفي ذلك فإنّها تستدعى الرّموز ذات الصلة، فهي مواربة في التّعبير عن ذاتها (اندفاعات اللاّشعور)، وتسعى نحو التّكثيف أحياناً، عند تلك المرحلة تمسي الرّموز ذات وظيفة مركزيّة بالنسبة للأحلام. فهي إمّا لغويّة أو أشياء من العالم الواقعيّ أو حتّى شخصيات. ونحن نقول عادة أنّنا نمتلك طرازين للتّفكير، أحدهما واعي والآخر غير واعي- أي لسنا على وعي به، أي لسنا متيقظين ومنتبهين. إنّ وظيفة الاسترجاع التالية لخبرة الحلم تلك تقع على كاهل الذّاكرة الانفعاليّة، ولا يعبر من هذه الرّموز إلى ساحة الوعي والتيقظ سوى الخبرات الرمزيّة الأشدّ كثافة في الشّحنة الانفعاليّة، حتّى أنّ أكثر الحالات عنفواناً وأهميّة ومركزيّة بالنّسبة للصّراعات النفسيّة تجعلنا نستيقظ، أي نكفّ عن المتابعة، فالرّسالة الكامنة تكون قد وصلت مشفّرة بتلك الخيالات وتلك الرّموز، وما علينا سوى تأملها، والبحث عن معنى فعاليتها وظهورها في هذا الوقت. هذا هو المستوى الأعمق بالنسبة للرّمز. فهو يحيا حياته الخاصّة مع غيره الرّموز ويتبنين في الأعماق على نحو غريب ومتناقض، وفي حياة الشّعوب في عصور ما قبل التّاريخ كان الإنسان قد اختار رموزه البدئيّة الأولى والأكثر مركزيّة وأهميّة لوجوده. وكان لا يعنيه كثيراً الاتّساق في قواها وفعاليتها، بقدر ما يعنيه ما تثيره في النّفس من انفعالات ووجدانات. فهي غائبة وحاضرة في نفس الوقت على الدّوام، ومن هذا السّياق فإنّ (يونغ) يكتشف في نظريته عن النّفس ما يسمّيه النّماذج البدئيّة والصّور الأوليّة، إنّها الانطباعات الواقعيّة للنّفس وفق المفهوم اليونغي، ولسنا هنا في معرض تحليل تلك النّماذج البدئيّة وفق المفهوم اليونغيّ، لكن بمقدورنا فهم أنّ النّفس الإنسانيّة ذات تاريخ إن شئنا التّعبير متشابه خصوصاً في البدايات لعصور ما قبل التّاريخ. إنّ الكثير من الدَّلائل الأنثروبولوجيّة توجّه نحو أنّ التّطوّر البيولوجيّ في ما يختصّ بالدّماغ، والرّقي في تركيب الشبكيّة وبالتّزامن مع التّطوّر الهائل في القشرة الإبصاريّة للمخّ، تجعلنا نؤكّد أنّ الانطباعات البصريّة الغنيّة لابدّ لها من إرث بيولوجي مهمّ واستثنائي من حيث الكمّ والكيف.  فقد كان بمقدور تلك البنية المعقّدة وضع خرائط عصبيّة للعالم المحيط، وتشفيرها ومن ثمّ ربطها في سياقات الذّاكرة وذلك حسب الأولويّة في البقاء.

لكنّ المثير للدَّهشة كيف أمكن بناء نماذج عصبيّة شبه موحّدة في الأدمغة البشريّة في ما يختصّ بتلك الانطباعات البصريّة الأولى؟ .. أي أنّ المثيرات كانت شبه موحّدة لدى النّوع وخصوصاً تلك الموحية وذات الأثر لنفسي. فمظهر الشّمس وحركتها والقمر وتعاقبهما اليومي ومشهد النّجوم المتلألئة، إضافة لصور حيوانات الصيد وألسنة اللّهب في مغاور الكهوف والألوان والرّيح وحالات الطّقس والزّلازل والبراكين، كلّها وأكثر من ذلك كانت مثيرات طبيعيّة تحيط بنوعنا، وهي ذات تشابه، خصوصاً إذا علمنا أنّ المستقرّ أو المهد الأولي للنّوع البشريّ كانت جنوب شرق إفريقيا (وادي الصدع الكبير- بحيرة توركانا في كينيا). وبعد علمنا أنّ الطبيعة قد أمدّت الإنسان في البدايات بذلك التّنوع الحيويّ والنّفسيّ، وفي زمن كان يحيا فيه الإنسان في تداخل حيويّ وسيّال مع الطَّبيعة من حوله، فهو بعد لم يمتلك ناصية الوعي بذاته، وقد كان في فردوسه البدائي فطري النّشأة والاستجابة. وقد استمرّ ذلك حتّى حدث الانقلاب الأهمّ في تاريخ النّوع عندما اتّخذ الأدوات واكتشف طريقة إيقاد النّار والاستفادة منها، لقد بدأ يفكر منذ الآن بأنّه السيّد الّذي لا ينازع في البقاء والّسيطرة، وكما يقال أصبح مكيّفاً أكثر من كونه متكيفاً. نعم لقد كان الاستثمار لما حوله متاحاً بفضل تحرر يديه بأن يمشي طليقاً منتصباً واضعاً الخطط للصَّيد والبقاء. كلّ ذلك وأكثر كان تفاعلاً دائماً بين إرثه البيولوجي ومكتسبات الطبيعة الحية. في هذه الأجواء نمت الرّموز وتخلقت اللّغة الأولى، وأصبح لدى الأفراد تباينات شخصيّة، ويبدو على الأرجح بأنّ العقل قد بدأ يحقق قفزة ما على حسب الغريزة في ما يختصّ بالسّلوك والبنية النفسيّة.

من تلك المقدمة المنوّعة كيف يمكن لنا أن نستنتج ما العلاقة الّتي تتبنين بين الرّمز والمثال؟… ثمّ ما هي محدّدات تلك الرّموز في التّصور والخيال؟… هل يحقّق الرَّمز أقصى تطلّعات الخيال؟.. ثمّ ما الفارق بين الرّمز والمثال؟… هل ما زلنا قادرين على توليد أمثلة ورموز؟.. أم هل أعاق تطورنا المعرفي والتكنولوجيّ نمو النّفس؟… ما هو الجديد والأصيل بالنّسبة لنوعنا؟.. هل الوعي على المستوى الجمعي مازال متناقضاً وغير فاعل؟… هل كان تطوّرنا على هذا النّحو هو النّتيجة السببيّة المنطقيّة لإرثنا البيولوجيّ وبنياننا النّفسيّ؟.. هل يحقّق الوعي بالوجود والكون من حولنا قفزة أخرى نحن بحاجة لها على المستوى البشري؟… ما هي قدراتنا الّتي لم نكتشفها بعد؟.. هل نحن موحّدون أم مختلفون بشدّة؟… هل مازالت الغريزة سيّدة الموقف في أعماق النّفس؟.. ما الخطوات المعرفيّة والمنهجيّة للجنس البشريّ لبناء تصوّر عن الكون والعوالم الأخرى؟.. هل أحكمنا بحقّ السّيطرة على الطبيعة، أم هل مازلنا نحيا في اغتراب عنها؟.. هل هذا الألم الوجودي بالانفصال من حالة الفردوس الحيوي للطبيعة  مؤثّر وفاعل إلى الآن؟.. كيف لنا أن نحقّق التّوازن بين العقل والغريزة؟… ثمّ ما هي اللّغة العالميّة للجنس البشريّ في ما يختصّ بوجوده كنوع؟.. وما الّذي نستطيع تقديمه للأجيال اللاّحقة منّا؟… أيضاً ما هي النظريّة الأكثر رجحاناً في قابليّة الفهم والتّفسير المعرفيّ؟.. كلّ ذلك وأكثر نحن مدعوون للإجابة عنه، أو حتّى المحاولة عن كلّ تلك التّساؤلات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق