جنوب فرنسا: كهوف تتألَّق بالفنون البصريَّة والموسيقى

بوش وبروغل وأرسيمبولدو.. تناغم رائع مع فيفالدي وأورف وموسورغسكي في محاجر الضوء.

في سفوح جبال الألب الفرنسيّة، حيث جمال الطبيعة الّذي يتألّق بشكل خاص قبيل ومع بداية فصل الرّبيع وتفتح أزهار الأشجار وحقول اللافندر، تلتقي إبداعات الفنّ الحديث مع تضاريس المكان لتنتج مشهداً مركّباً من العروض الفنيّة في قلب محاجر الضّوء المحفورة أسفل جبال بلدةles Baux de provence  في جنوب فرنسا، إلى جوار القلعة التاريخيّة الشهيرة، حيث يصل عدد الزوار سنوياً إلى نحو نصف مليون سائح.

لعلّها مشاهد بانوراميّة إستثنائيّة، في ذلك الموقع الأثري الكبير الّذي بات يشكل مكاناً لذاكرة تعود إلى قرون، بما يحتضنه من تراث معماري جمالي يضم 22 معلماً أثرياً مدرجة على لائحة المنطقة التابعة لمحافظة Bouches du rohne، حيث تنشط منظمةcarrières de lumières، أو “مهن الأضواء”، في تقديم عروض ضوئيّة مذهلة تستخدم الفنون التشكيليّة مترافقة مع أنواع مختلفة من الموسيقى. وذلك على مدى شهور طويلة بدأت منذ الرابع من مارس/ آذار حتّى السابع من جانفي/ كانون الثاني 2018.

سينوغرافيا أكثر من رائعة تفاجئ الزّائر الّذي تحتضنه محاجر الضّوء وكهوفها بلوحات فنيّة شهيرة من أعمال القرن السَّادس عشر، إلى جانب مقطوعات موسيقيّة كلاسيكيّة وحديثة.

لوحات ناطقة

في هذا الموسم تحضر أعمال فنانين تشكيليين كبار مثل الهولندي جيروم بوش (1450-1516) والبلجيكي بيتر بروغل (1525- 1569) والإيطالي غيسيبي أرسيمبولدو (1526- 1593). أعمال بصريّة يمكن مشاهدتها تتحرّك على جدران الكهوف وفي أرضيتها وأسقفها. بل هي جدران رحبة تتحول إلى شاشات سينمائيّة تحرك اللّوحة الثابتة وتجعلها كائنات ناطقة.

المحاجر الّتي تم حفرها على مدى قرون من الزّمن بهدف استخراج الحجر الجيري واستخدامه في بناء منشآت متنوعة لا تزال بعضها جاثمة في المنطقة، أصبحت بمثابة واحة لتقديم الفنّ بصورته المتطورة عن طريق استخدام مؤثرات الضّوء والصوت، ويمكن القول إنّها صورة عن المتحف الحديث الّذي يحوّل الأعمال الجامدة إلى أشكال متحرّكة.

هذا العمل الضّخم لجمعية Culturespaces الّتي أسّسها كلّ من جيان فرانكو لانوزي، ريناتو غاتو، ومازيميليانو سيكاردي، بالتَّعاون مع الموسيقي لوكا لونغوباردي، يدعوك لاستكشاف الخيال الجامح في تفاصيل لوحات الرسوم المتحركة لبوش، وبروغل وأرسيمبولدو.

وعلى هامش هذه الأعمال المبهرة يمكن للزّائر الاستمتاع بعرض سينمائي قصير هو عبارة عن تحية للمخرج جورج ميليه، أحد رواد السينما الفرنسيّة في أواسط القرن الماضي (مخرج ومنتج وممثل ولد في باريس في العام 1861 وتوفي في العام 1938). علاقة هذا الفيلم بالمكان تنطلق من أنّه يتناول حياة وفنّ المخرج جان كوكتو الكاتب المسرحي الفرنسي (1889- 1963) الّذي أنتج فيلم “وصية أوفيوس” في منطقة محاجر الأضواء ذاتها، في العام 1959.

تبدو “حديقة المباهج الأرضيّة” للفنان بوش، اللّوحة الثلاثيّة الأبعاد هي الأكثر رمزيّة والّتي ينتهي بها العرض، حيث تشكل مع “إغراء سان انطوني”، و”عربة القش” حاملة الفواكه والخضار لأرسيمبولدو و”احتفالات قرية” سلالة بروغل، مشهديات رائعة تحكي قصصاً مسليّة ومفيدة من التَّاريخ.

 

تشكّل التّصدعات في جسد الجدران العتيقة إلى جانب خيالات الهلوسة عند بوش ووجوه أرسيمبولدو الغنيّة بالتّعابير وأسلوب التَّفاهة عند بروغل، والمستوحاة من الواقع، مشهداً ضوئياً متكاملاً، تضيف عليه الموسيقى مناخاً خاصاً ينقل الزّائر إلى عوالم أخرى قد تكون غارقة في القدم حيث كانت القرون السّابقة متألقة في إبداعات الفنانين والموسيقيين في “القارّة العجوز”.

كائنات خياليّة

هذا العرض الغامر الّذي يستمرّ لنحو ثلاثين دقيقة، ويتضمّن أكثر من الفين صورة رقميّة، تمّ تنظيمه على مساحة سبعة آلاف متر مربع، هو غني برسوم لكائنات خياليّة لا تعد ولا تحصى وشخصيات استعاريّة، بعضها مخيف وغير ممتع، في حين تتمتع شخصيات أخرى بمواقف هزلية تترك انعكاساتها الإيجابيّة لدى المشاهدين.

يمكن القول إنّه عالم ساحر خيالي يستخدم الصوت المتذبذب بين الموسيقى الكلاسيكيّة والمعاصرة، مثل المقطوعات الشهيرة “كارمينا بورانا”، للملحن الألماني كارل أورف الّذي يعتبر من أهمّ وأشهر موسيقى القرن العشرين (1895-1982)، و”الفصول الأربعة” للموسيقى الإيطالي الشهير أنطونيو فيفالدي (1678- 1741) مستعاداً على يد الألماني ماكس ريشتر، والموسيقى الروسي امودست بتروفيتش موسورغسكي (1839-1881) وفرقة ريد زيبلن البريطانيّة لموسيقى الروك (تأسست في لندن العام 1968) الّتي تمّ توظيفها بين عرضين متواصلين.

الخير والشّر

لوحات تحمل أشخاصاً متنوعين بين يمثل الخير ومن يمكن وصفه بالشرير، ولقطات روحانيّة تلتقي مع مشاهد الملذّات، والإغراءات، والرَّذائل، وتتقاطع مع مناظر طبيعيّة هي جميعها انعكاسات واضحة لدواخل الفنانين الثّلاثة وهواجسهم.

غرفة دانتي

في ما يتعلّق بالمكان الّذي تمّ وضعه في تصرف العمل فإنّه يتشكّل من غرف وقاعات متعدّدة لعلّ أبرزها، “غرفة دانتي” وهي المنطقة الرئيسة حيث يتمّ العرض على مساحة ضخمة بعمق نحو 60 متراً أسفل الجبل، وتقود الزّائر نحو ساحة مقسّمة إلى ممرات وقواطع تشكّل السقف. هذه الأعمدة الطبيعيّة تتراوح بين 5 و10 أمتار عرض عند القاعدة و7 و9 أمتار طولاً. استخدمت كما الجدران والسقف كشاشات للعرض. أمّا الأرضيّة فهي ليست مستوية تماماً أو منتظمة، إذ تسودها تعرجات وتفاوت في العلو، بحيث تعكس التأثيرات على المشاهدين ليتحركوا حولها في محاولات لاكتشاف زوايا المشهد والتوقعات المخبأة في طيّات التّضاريس.

مدخل  بيكاسو

هذه المنطقة الضّخمة لها ساحة مواجهة للجبل كان يستخدمها كوكتو في فيلمه الأخير”وصية اوفيوس. وهي بعرض عشرة أمتار وعلو عشرين متراً، ويتمّ استخدامها الآن للأعمال المسرحيّة وتأدية العروض. وهناك غرفة مخصّصة لعرض مقتطفات من فيلم كوتو ومقابلات مع المخرج ومع نجم الفيلم الكاتب والنحات والرسام جان مارياس (1913-1998) تشكل مساحة 90 متراً مربعاً.

لقد نجح الثّلاثي المنتج لهذا العمل والّذي يتألف من جيانفرانكو لانوزي (مصمم المساحات والعروض الغامرة)، ريناتو غاتو (أستاذ المسرح الإيطالي المخرج المساعد)، ومازيميليانو سيكاردي (مصور الفيديو فنان الوسائط المتعدّدة)، في تحويل الحجارة إلى لوحات ناطقة ومشعة بالمشاهد الجماليّة ترسل صدى الصوت عبر الجبال ليتناغم مع حقول الزيتون وغابات الصنوبر والمعالم الأثريّة والصُّخور الضَّخمة الّتي تزدان بها البلدة التاريخيّة الواقعة في أحضان الألب، والّتي يعيش فيها نحو 450 شخصاً على مساحة صغيرة لا تتجاوز الـ19 كيلومتراً مربعاً.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ تحريك الصّور داخل بعض اللّوحات كانت من ميزات عمل كلّ من سيكاردي وجينفرا نابوليوني، فيما برع لوكا لونغوباردي في اختيار قطع الموسيقى وتنسيقها لتلائم الصّورة.

ربّما فاز بالفعل رهان القيمين على هذا العمل بنقل المشاهد من موقف المتلقي الكلاسيكي إلى قلب المشهد ليصبح جزءاً لا يتجزأ من العرض. فأثناء العمل يمكن ملاحظة بعض الأطفال وهم يتفاعلون مع الصّورة الّتي تتحرّك على الأرضيّة فيقفزون ويلعبون بالتّناغم مع حركتها، وبعض الزوّار يرقص بشكل عفوي على أنغام الموسيقى الّتي باتت تشكل فضاءً خاصاً مشحوناً بكل عناصر الإبداع والمتعة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق