لا أريد الحرم الشَّريف

بقلم: جيرشون باسكن(1) GERSHON BASKIN

أعتقد أنّ بناء المعبد الثالث سوف يؤدّي إلى هدم اليهوديّة المعاصرة وسوف يقودنا مباشرة لأن نشهد نهاية دولة إسرائيل.

لنعترف بأنّ (الحرم الشريف) ليس بأيدينا وأنا شخصياً لا أريده أن يكون بين أيدينا. نعم، صدقّوني أنا أدرك القدسيّة الّتي تمثلها تلك البقعة لليهود، وصدّقوني أنا أعلم بأنّ موقع الحرم الشريف هو الموقع الّذي بني فيه المعبدان الأول والثاني [1]، ولكن أنا لا أريد معبداً ثالثاً وإن كنت سأطالب باسترجاعه فإنّي لا أطالب رئيس الوزراء بذلك ولا من حكومته ولكن أوجّه طلبي هذا لله وحده.

صدّقني ترعرعت مثلكم وأنا أغنّي (سنبني …سنبني المعبد) ولكن مساري تغيّر حين صادفت ذلك الحاخام الألترا أرثودوكسي[2] وقال لي: ” بعد أن إنشادك لا تنسى أن تهمس لنفسك مذكراً (سنبني) ولكن ليس في زمني”. هذه العبارة جعلتني أفكّر، وخلصت إلى أنّني لا أرغب أبداً بأن أكون جزء من ديانة ما زالت تضحي حتّى اليوم بالحيوانات، فأنا لا أريد لليهوديّة بأن تتراجع إلى ما قبل هدم المعبد وإلى سلوكياتها الأقرب إلى الوثنيّة. أنا لا أريد حقاً أن أرى حولي رهبان المعبد وطاقمهم الديني، فيكفينا ما نعانيه منهم اليوم من فساد وتلاعب بحياة الأفراد الشخصيّة وعدم قدرتهم على فصل الدّين عن الدولة. وكما أسلفت فإنّ مشروع بناء المعبد الثالث في موقع الحرم الشّريف سوف يؤدي إلى نهاية اليهوديّة المعاصرة وإسرائيل الحديثة. شخصياً، أريد أن يبقى الوضع الرّاهن على ما هو عليه. دعوا المسلمين يصلون في الحرم الشّريف ودعوا أوقافهم تدير شؤونه. أمّا اليهود فدعوهم كذلك يتعبّدون كما اعتادوا في الحائط الغربيّ. ودعونا جميعاً نتّفق على الالتزام بهذا الوضع وأن ما من فرد ولا حكومة ستغيّره ما لم يكن هناك اتّفاق مسبق بين الطرفين. وأمّا إن كنّا نؤمن بأن الله يفضل اليهود ويريد بناء معبدهم فلندع الأمر له لا بأيدينا ولننتظر كلمة الله وإرادته في هذا الأمر. فأي شخص يفقد حياته باسم مكان مقدّس أو باسم إله أو باسم أيّة ديانة سواء حمل شعار الأقصى أو المعبد المقدّس فهو بهذا يهين ذلك الإله وتلك الديانة والتّوحيد الّذي يؤمن به. علينا جميعاً أن نصلي لحياة تستحق العيش فيها في الدنيا وأن ندعو الله أن يعوضنا بالجزاء الّذي نستحقّه في الدنيا أو في الآخرة مهما أختلف إيماننا بها. فما من حجر مهما بلغت قدسيته يستحقّ من أجله الدّماء والموت والدمار، وإن شاء المسلمون يوماً أن يحرقوا ذلك المكان فلن أكون شريكاً معهم في إشعال النّار والدّمار.

سوف أكتفي باحترام مكانهم المقدّس وأوكل أمري لله وإرادته الّتي شاءت أن يكون الحرم الشّريف ملكاً للمسلمين وتحت سيطرتهم ولهم الحقّ في أن يسموه ما شاؤوا سواءً بالحرم الشّريف أو بالأقصى أو بأي اسم يختارونه. وحقاً لا يهمني إن كًذب المسلمين وجود المعبدين الأول والثاني يوماً مّا بموقع المسجد الأقصى. يكفي إن كنّا جميعاً نؤمن بذلك، فتلك المعرفة وذلك الإيمان كفيلنا. فأنا أرى أنّه إن قام يهودي واحد بإهدار دمه من أجل تغيير فهم خاطئ أو إيمان يخالف ما نؤمن به، أو بذل روحه من أجل رغبة دينيّة أو قوميّة يسعى بها إلى إثبات أن الحرم الشّريف ملك لليهود ويجب أن يخضع لسيطرتهم، حينها – بالنسبة لي – سيفقد هذا المكان في عيني كلّ أهميته وقدسيته الدينيّة. فالأرواح أهمّ بكثير من أيّ شعار دينيّ أو قوميّ.

وحتى نصل إلى اتّفاق دائم بشأن وضع الحرم الشّريف مع الفلسطينيين وسلطتهم، علينا أن نعلن بجلاء أنّ حكومة إسرائيل وحتّى ذلك الحين سوف تعمل يداً بيد مع السلطة الفلسطينيّة لحفظ أمن الحرم الشّريف لهم والمعبد المقدّس لنا ولكافّة زوّاره من مختلف الأديان. وأنّ دولة إسرائيل سوف تظلّ تمنع كلّ محاولات اليهود في الصلاة داخل الحرم الشّريف إلى أن نصل إلى اتّفاق مشترك بيننا وبين السلطة الفلسطينيّة، فلعلّنا نتّفق مستقبلاً حول هذا الأمر، وحتّى ذلك الحين لتلتزم إسرائيل بعدم حفر أي نفق تحت الحرم الشّريف، فإن تهدّم الحرم  لا نريد أن يكون للأيادي الإسرائيليّة أي ذنب  أو دور في ذلك. ولنكتف بالصّلاة فقط دون أن تمتدّ أيدينا لإحداث أي تخريب.

وبالعودة إلى صديقي الحاخام اليهودي الألترا أرثودوكسي الّذي حدّثتكم عنه  سابقاً، فقد علّمني هذا الإنسان درساً آخر لن أنساه يتعلّق بمعنى كلمة “سنبني” الّتي كنّا نردّدها في النّشيد. فهذه الكلمة  في وجهة نظره يجب ألاّ تخرج من سياقها الرّوحي إلى السّياق الماديّ، فليس البناء أن تشيّد نصباً فخماً من الرّخام أو أن تضحي بالأضاحي. ما قاله الحاخام في وجهة نظري هو أفضل تفسير وفهم لليهوديّة وأفضل دروس الاتّعاظ ممّا حدث في الماضي خاصّة في قصّة تدمير المعبد الثاني الّذي تدمّر بسبب الكراهية والفساد والممارسات اللاأخلاقيّة. فنحن اليوم في  أرض أجدادنا وعلينا أن نمثّل نقيض الأقوام البالية، بأن نكون أصحاب أخلاق عالية رفيعة.

برأيي أن ما قاله هذا الحاخام هو أعظم درس لألفي عام من الشّتات وعلينا أن نسخّر أنفسنا لجعل هذه الأرض عوضاً عن كونها الأرض الّتي أتينا إليها إلى أن نجعل منها تلك الأرض الّتي نحلم بها.

دًيننا لهذه الأرض نسدّده بنشر السّلام بيننا وبين الآخرين الّذين يشاركوننا العيش على هذه الأرض.

آمين.

**********

[1]مؤسس المركز الفلسطيني – الإسرائيلي للأبحاث والمعلومات. يعتبر من الناشطين والداعين للسلام وينادي بحل الدولتين.

[2] تشير كلمة المعبد هنا إلى هيكل سليمان والذي يسمونه أيضا بالمعبد أو بيت همقداش – اي بيت المقدس- وقد ورد في الكتاب المقدس أن النبي سليمان ، ولقد تم تدميره للمرة الأولى على يد نبوخذ نصر وبعد إنتصار الفرس على البابليون سمح بإعادة بناء الهيكل إلى أن دمره الجيش الروماني سنه 70 للميلاد. نقلا ًعن موقع موسوعة المعرفة http://www.marefa.org

[3] طائفة يهودية شديدة المحافظة تدعى أيضا ب ( الهارادي) وتعني بالعبرية من يخشون الرب. تعيش في مجتمع مغلق ويرفضون المشاركة في التجنيد الإجباري ويرفضون العلمانية ويقفون ضد تعليم العلوم و المعارف الإنسانية واللغة الإنجليزية. تتميز مجتمعاتهم بمعدلات ولادة مرتفعة وهذا يفسر تكوينهم لعائلات كبيرة. من كتاب :

Rivlin,P.(2010).The Israeli Economy from the Foundation of the State through the 21st Century. Cambridge University Press

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق