اللاجئون في سويسرا: مرارة الإنتظار في بلد الأحلام

لم تعد سويسرا بالنسبة للمهاجرين الباحثين عن ملجأ من الإضطهاد والحروب، موطن الأحلام وتحسين شروط العيش، إذ يصطدم اللاجئون وطالبو اللّجوء بعقبة طول الإنتظار قبل قبول أو رفض طلباتهم، فيما شهد العام الحالي ترحيل 327 طالب لجوء على متن 65 رحلة جويّة خاصة، في تصاعد قياسي لعدد المرفوضة طلباتهم.

بحسب الاحصاءات الرسميّة فإنّ عدد الأجانب الّذين يقيمون في سويسرا يبلغ 2037955 شخص، بينهم 1395523 من مواطني دول الاتّحاد الأوروبيّ والمنظمة الأوروبيّة للتّبادل الحرّEFTA (تضم ايسلندا وليشتنشتاين والنروج وسويسرا)، و642432 مقيماً من دول أخرى.

لكن على ما يبدو أنّ موطن حقوق الإنسان الأول، بات يشكل كابوساً حقيقياً لطالبي اللّجوء الّذين ينتظرون في مخيمات ومساكن جماعيّة شهوراً قد تتعدّى السنة، قبل الإفراج عن ملفاتهم العالقة في أدراج البيروقراطيّة.  إذ يمرّ اللاجئ في سويسرا عبر مراحل عديدة. لعلّ مرحلة البداية هي الأصعب حيث يتمّ استقباله في مجمع مغلق شبيه بالسجن، ويُمنع من الخروج والدخول نهاراً إلّا بإذن، مع مكوث إجباري ليلاً. كما يتمّ حظر الهواتف المحمولة أو أي أجهزة كهربائيّة أخرى، في حين يتمّ أخذ إفادة طالب اللّجوء الأولى، وأخذ بصمات أصابعه ومعاينته صحياً.

بعد نحو عشرين يوماً أو شهر من الإقامة المتعبة في مسكن جماعي مكتظ، يتمّ ترحيل طالب اللّجوء إلى سكن جماعي أفضل نسبياً، وقد يكون في كانتون آخر من الكانتونات الستّة والعشرين، وهنا يدخل في مرحلة أخرى قد تكون طويلة بانتظار تقديم الإفادة الثانية حول أسباب لجوئه، والّتي يتعين من خلالها قبول طلبه أو رفضه، وتحديد ما اذا كان يستحق لجوءاً سياسياً أو حماية مؤقتة.

لكن هذه الفترة التي قد تطول إلى أشهر عديدة قد تصل الى 18 شهراً في بعض الحالات، يكون اللاجئ، أحياناً، في وضع لا يُحسد عليه، فهو مضطر للعيش في مساكن جماعيّة يشارك فيها مع آخرين المطابخ ودور المياه والحمامات ومرافق التسلية وغرف الجلوس. وفي هذه الفترة ممنوع عليه العمل إلاّ بتكليف من دائرة الشؤون الإجتماعيّة الّتي تدير مركز الإيواء، وذلك بساعات محدودة ومقابل مادي زهيد.

“جيش الخلاص”

أمّا اللاجئون العرب في سويسرا فهم على الأغلب سوريون وعراقيون ويمنيون وهناك أعداد أقل من السودان والصومال ومصر والجزائر وتونس والمغرب، إلى جانب الآرتيريين الّذين ينطق معظمهم بالعربية وهم النسبة الأكبر بين اللاجئين العرب.

في السنوات الأخيرة تصاعدت وتيرة الهجرة لدى العرب، خصوصاً مع استفحال حدّة الأزمات والحروب الأهليّة في كلّ من سوريا والعراق واليمن والسودان والصومال. وفي العام 2015 وحده تمّ استقبال 2000 لاجئ سوري من ضحايا الحرب، وذلك بالتنسيق مع هيئة الأمم المتحدة للاجئين.

في سويسرا، يعود إلى كلّ كانتون تنظيم أمور المهاجرين لديه وفق سياسات تحددها الحكومات المحلية. فعلى مساحة 41,285 كيلومتراً مربعاً، هناك نحو 156 مركز إيواء واستقبال تديرها منظمة “جيش الخلاص” الّتي تأسّست لمساعدة المهاجرين في كلّ من النمسا وسويسرا وهنغاريا منذ العام 1882.

لكن في هذا البلد يوجد ما يزيد عن ثلاثين مركزاً اجتماعياً لمساعدة اللاجئين على الإندماج في المجتمع وتأهيلهم مهنياً وثقافياً وإعدادهم للتعود على نظام البلاد المرصوص والمنضبط. هناك أكثر من 50 كنيسة في خدمة اللاجئين وأطفالهم، إذ تخصّص لهم برامج دراسة اللّغة وممارسة نشاطات تربويّة وترفيهيّة ورياضيّة، وتقدّم لهم بعض المعونات الغذائيّة وبطاقات من منظمة “كاريتاس” تتضمّن تخفيضات في الأسعار لدى مراكز ثقافيّة وفنيّة وأندية متعدّدة الإهتمامات.

يتلقى اللاجئ مساعدة ماليّة يوميّة نحو 10 فرنكات سويسريّة (الفرنك يعادل 0.98 دولاراً) إضافة إلى 3 فرنكات إضافيّة يحصل عليها من خلال أعمال اختياريّة وغير متواصلة في التنظيف والترتيب، داخل المجمع السكني أو حوله لساعات قليلة.

سراديب اللاجئين 

على الرّغم من نيل سويسرا في العام 2014 أعلى معدّل اعتراف بحقّ اللجوء (70.5%)، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “Eurostat” ، إلّا أنّ الحكومة السويسريّة ومنظمات استقبال اللاجئين تعرّضت، لانتقادات حادّة من بعض جمعيات الدّفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات دعم اللاجئين، على خلفية تعاطيها “القاصر” والسيء أحياناً مع طالبي اللّجوء في المراحل الأولى لتقديم طلباتهم. المثير للجدل في بلد شهد أربع اتّفاقيات حول حقوق الإنسان، أبرزها اتّفاقية جنيف العام 1951 الّتي تنصّ على حقّ اللّجوء الإنسانيّ والسياسيّ لكلّ مضطهد في العالم، يتمّ وضع بعض اللاجئين اليوم في أمكنة شبيهة بالسجون، ففي ظل تصاعد أعداد الوافدين إلى أوروبا منذ بداية الثورات العربيّة، فتحت سويسرا الملاجئ المعدّة للحماية من الأسلحة النوويّة، وحوّلتها إلى مراكز لإيواء طالبي اللّجوء.

هذه الأماكن تعاني من ظروف صحيّة سيئة، حيث أنّها عبارة عن سراديب تحت الأرض تقلّ فيها نسبة الأوكسجين ولا يدخلها ضوء الشّمس. لكنّ اعتراض الناس على هذه السياسة بدأ مبكراً حين فتحت السلطات مخبأ عسكرياً في منطقة Jaunpass النائية، الواقعة في جبال الألب والتابعة لكانتون برن، حيث نزلت مجموعات من السويسريين والأجانب، مساء 28 أكتوبر/ تشرين أول 2014 إلى الشّوارع في مدينة لوزان للإحتجاج على استخدام الملاجئ المُقامة تحت الأرض لإيواء المهاجرين الجدد. وسويسرا معروفة بأنّها تملك عدداً كبيراً جداً من الملاجئ والأنفاق الّتي بدأت ببنائها منذ حقبة الحرب العالمية الثانية.

ربّما تفاجئت الحكومات المحليّة والحكومة الفدراليّة بأعداد المهاجرين الوافدين إلى هذا البلد الأوروبي الصّغير الواقع بين أحضان قوى عالميّة كبرى مثل فرنسا وألمانيا، إذ زاد عدد طلبات اللّجوء في سويسرا العام 2015 إلى النصف تقريباً، حيث تقدم 39.523 ألف طالب لجوء بطلباتهم الّتي تمّ النّظر في 28.118 ألفاً منها، وقُبِل 6.377 ألفاً فقط منهم (بحسب بيانات الدولة السويسريّة في تقرير نشر في نيسان 2016). بيد أنّ عدد طالبي اللّجوء في العام 2016 تراجع الى 27.207 طلب، فيما كان 11.173 طلباً فقط في العام 2006.

لكن في الشّهور الخمسة الأولى من العام 2017 شهدت حركة الهجرة نحو سويسرا تراجعاً واضحاً إذ لم يصل عدد طالبي اللّجوء إلى سبعة آلاف شخص، بينما وصل مجمل الحاصلين على إقامة (B) 26740 والحاصلين على اقامة (C) 20610، أي بمجموع 47350 لاجئاً.

السويسريون يرحّبون

في المقابل، بدا أنّ السلطات السويسريّة قد باشرت بالفعل منذ النصف الثاني من العام 2016، بسياسة تسريع البت في طلبات اللّجوء، حيث تمّ البت في العام الماضي بنحو 35 ألف طلب، بحسب دائرة الهجرة الرسمية (SEM). خصوصاً بعد استفتاء أجري في مطلع حزيران/ يونيو الماضي، منح خلاله السويسريون بغالبية الثلثين تأييدهم لأحدث مراجعة للقانون الفدرالي الخاص باللّجوء ترمي إلى تسريع الإجراءات المتعلّقة بدراسة الملفات وإلى خفض التّكاليف. كانت هذه النتيجة هزيمة لليمين المحافظ الّذي كان وراء إطلاق الإستفتاء. إذ حظي القانون الخاص بتحسين وضع اللجوء بموافقة 66.8% من الناخبين.

مع ذلك، تُعتبر إجراءات التّعامل مع بعض طالبي اللّجوء في سويسرا مريحة نسبياً، مقارنة بفرنسا أو إيطاليا على سبيل المثال، ففي هذا البلد الّذي لا يتجاوز عدد سكانه ثمانية ملايين، يحظى بعض طالبي اللّجوء بعد فترة من وصوله، بمسكن مفروش خلال حصوله على بطاقة إقامة من نوع (N). وبمجرّد أن يحصل اللاجئ على إقامة من نوع (F) قد يتحسن وضعه السكني والمالي. والأفضل من ذلك – وهو طموح معظم من يطرق باب اللّجوء في هذا البلد – هو الحصول على إقامة لاجئ سياسي من نوع (B)، إذ يحظى براتب أعلى ومميّزات أفضل من اللاجئ الإنسانيّ.

قاصرون منفردون

في الوقت عينه، يظلّ وضع الأفراد العزاب أكثر صعوبة في إيجاد مسكن من العائلات الكبيرة. أمّا القُصّر الّذين يصلون إلى البلاد من دون رفيق، فبعضهم يحظى برعاية الكنيسة وبعضهم برعاية عائلات تستقبلهم في بيوتها أو في مدارس داخليّة. وقد بلغ عدد الأطفال من غير رفيق، الّذين قدموا طلبات لجوء في سويسرا في العام 2015، أكثر من 2700 طفل، أي ما يعادل عشرة أضعاف عددهم قبل عشر سنوات، ومعظم هؤلاء الأطفال لا توجد معهم وثائق رسميّة، بحسب ما أورد موقع “سويس انفو”.

في المقابل، تجد المتطوعين من المنظمات غير الحكوميّة يسعون بكلّ ما لديهم من امكانات وجهود لتوفير التّعليم والرفاهيّة واللّهو لأولاد اللاجئين، فيصطحبونهم في رحلات بريّة وينظمون لهم نشاطات ترفيهيّة ولقاءات تربويّة، إضافة إلى تعليمهم اللّغة والموسيقى وتوفير بعض حاجاتهم من الملابس والألعاب والوسائل الضروريّة.

لقد وصلت نسبة طالبي اللّجوء في سويسرا إلى 3.4 في الألف من السكان في العام 2016، بينما كانت نسبتهم 2 في المئة في دول أوروبية أخرى. 2015 كانت نسبتهم 4.5 في المئة. وكان لإريتريا النصيب الأكبر إذ بلغ عدد طالبي اللجوء 5178 شخص عام 2016 بتراجع بنسبة 48 في المئة عن العام 2015. ومعظمهم وصل عن طريق سواحل إيطاليا.

كان لإقفال طريق البلقان أثر واضح على تراجع عدد طالبي اللّجوء في أوروبا عموماً وفي سويسرا خصوصاً، حيث تراجع عدد السوريين إلى 55 في المئة والعراقيين الى 45 في المئة. مع ذلك ظلّت في مطلع العام 2017 أعداد اللاجئين من العراق وسوريا اضافة إلى أفغانستان مرتفعة.

في المحصلة لم تعد سويسرا مرغوبة كدولة لجوء بالنسبة للعديد من المهاجرين العرب، وذلك على الرّغم من إغراءات المداخيل المرتفعة ورقي الحياة، وجمال الطبيعة الآخّاذ. لقد ساهمت سياسة تمديد فترة الانتظار، في تغيير الوجهة نحو دول أخرى مثل ألمانيا والسويد والنروج، ولم تعد سويسرا بلد الأحلام الموعودة إلاّ لمن  يتحلّى بصبر أيّوب أو حظي بمسكن مريح لا يضرّ معه طول الانتظار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق