مقتطف من كتاب “حديث الطريقة” لديكارت

كانت حكمتي أن أسعى دوما إلى مغالبة نفسي لا إلى مغالبة الصدفة، وإلى تغيير رغباتي عوض تغيير نظام الكون، وعلى العموم أن أتعوّد على الاعتقاد بأن لا شيء يكون تماما تحت سيطرتنا سوى أفكارنا، بحيث أنّنا إذا بذلنا قصارى جهدنا إزاء الأشياء الخارجة  عنّا، فإنّ كلّ ما يفوتنا من نجاح يكون في نظرنا، مستحيلا على الإطلاق. وقد بدا لي ذلك وحده كافيا لكي لا أطلب في المستقبل إلاّ الأشياء التي أستطيع الحصول عليها، ولكي أكون بذلك مغتبطا. إذ ما دامت إرادتنا لا تتوق بالطبيعة إلاّ إلى الأشياء التي يصوّرها لها الذهن كممكنة إلى حدّ ما، فمن المؤكّد أنّنا إذا اعتبرنا كلّ الخيرات الخارجة عنّا متساوية في بعدها عن مقدرتنا، لن نأسف لحرماننا، دون ذنب اقترفناه، من التي تبدو منها عائدة إلى مولدنا، أكثر ممّا نأسف لعدم امتلاكنا ممالك الصين والمكسيك، وعملا كما يقال بفضيلة الضرورة، لن نرغب في أن نكون  في صحّة جيّدة ونحن مرضى، أو أن نكون أحرارا ونحن في السّجن، أكثر ممّا نرغب الآن في أن تكون لنا أجسادا لا تبلى كالماسّ، أو أن تكون لنا أجنحة نطير بها كالطيور. غير أنّي أعترف بأنّه لا بدّ من دربة طويلة ومن تأمّل متكرّر باستمرار لتعويد النفس على النظر من هذه الزاوية لكلّ الأشياء وأعتقد أنّه في ذلك أساسا يكمن سرّ أولئك الفلاسفة الذين استطاعوا في الماضي أن يتخلّصوا من سلطان القدر، وأن ينافسوا رغم الآلام والفقر، آلهتهم في السّعادة. ذلك أنّهم بسعيهم المتواصل للوقوف على الحدود التي وضعتها لهم الطبيعة، اقتنعوا تمام الاقتناع بأن لا شيء في متناولهم إلاّ أفكارهم، إلى حدّ كان ذلك وحده كافيا لمنعهم من التعلّق بأيّ شيء آخر؛ وقد كانوا متملّكين لتلك الأفكار تملّكا مطلقا إلى حدّ كانوا معه على حقّ في اعتبار أنفسهم أكثر غنى ومقدرة وحريّة وسعادة من أيّ بشر سواهم، لم تكن له تلك الفلسفة، فلم يتملّك أبدا كلّ ما يشاء، مهما حبته الطبيعة وأسعفه الحظ.

******

المصدر:

رينيه ديكارت: حديث الطريقة، ترجمة وشرح وتعليق: د. عمر الشارني، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2008.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق