دون جوان يعود إلى جنوب فرنسا بصحبة موزار ودا بونتي إكس إن بروفنس

ما يقارب أربعة قرون من الزّمن مرّت على ظهور أسطورة زير النّساء في إسبانيا، دون جوان (كما يقال بالعربيّة أوplayboy بالإنكليزيّة)، بينما لا تزال هذه الشخصيّة حاضرة في كلّ عمل فنّي أو حديث إجتماعيّ شعبيّ، كرمز للفحولة وتجاوز الخطوط الحمر في نسج علاقات متعدّدة مع النّساء.

لعلّ ما قدّمته لجنة مهرجاناتAIX-EN-PROVENCE بالتّعاون مع الأوبرا الوطنيّة لمنطقة لورين الفرنسيّة، ومسرح مدينة لوكسمبورغ، والمسرح البولوني، يعتبر استكمالاً لما وضعه الموسيقي النّمساوي الشّهير فولفغانغ أمادوس موزار (1756-1791)، من عمل فنّي رائد أبصر النّور في 29 أكتوبر/ تشرين الأوّل من العام 1787، أي قبل عامين من نجاح الثّورة الفرنسيّة.

كوميديا سوداء

الأوبرا الّتي كتبها الإيطالي لورنزو دا بونتي، استعيدت في القرن الواحد والعشرين على مسرح THÉÂTRE DE L’ARCHEVÊCHÉ في مدينة إكس إن بروفنس (جنوب فرنسا)، كونها أحد تجليات الموسيقي العبقري النّاطق بالألمانيّة، إذ لم يتوقف نجاحها على صاحبها بل أفرزت هذه الدراما الّتي قد يصحّ وصفها بالدراما الضّاحكة، أو الكوميديا السوداء، عشرات من الموسيقيين العالميين والمشتغلين في المسرح وفنّ الأوبرا بعد نجاحهم في بلورة صور متعدّدة من هذا العمل الصّعب؛ كلّ منهم بطريقته الخاصّة.

وعلى الرّغم من أنّ هذه الأوبرا أبصرت النّور في العام 1787 في مسرح مدينة براغ (عاصمة تشيكيا)، في السّنوات الأخيرة من حياة الموسيقي النّمساوي تحت اسم فاتن النّساء الشّهيرDON GIOVANNI ، فإنّه لم ينته سحرها حتّى الآن.

الأصل إسباني

في الأصل، كان مخترع شخصيّة دون جوان وأسطورته الكاتب المسرحي الرّاهب تيرسو دي مولينا من إسبانيا الكاثوليكيّة في العام 1630، حين ظهر عمله وكأنّه ثورة على تعاليم الكنيسة في ما يتعلّق بخطيئة الجنس وقدسيّة الزَّواج. لكنّ الكاتب المسرحي الشّاعر الفرنسي جان باتيست بوكلان الملقب بموليير (باريس 15 يناير 1622 – 17 فبراير 1673)، حوّل هذه الرواية إلى عمل مسرحي في العام 1665 لتصبح الأسطورة منذ ذلك الحين مادّة دسمة لأعمال فنيّة عديدة كان أبرزها ما قام به موزار، بالتّعاون مع دا بونت بإنتاج “دون جيوفاني”.

العمل عبارة عن مسرحيّة موسيقيّة غنائيّة تحكي حياة الشّاب الشّبق، في سياق دراميّ يمزج بين أنواع مختلفة من المسرح الفكاهيّ والمآساويّ والمعترض على ما هو سائد والمبشر بقيم مثل الحريّة. فمن الصَّعب تصنيف هذا العمل المؤلف من فصلين، كونه مهزلة أو مأساة، أو دراما ميتافيزيقيّة تنتقد الحريّة في التّعدي على حرّمات الغير أو على العكس قد تشكّل إرهاصًا لثورة تحرريّة على طريقة الدّعوة للتّحرر الجنسيّ والحريّة في التّصرف بالجسد بغضّ النّظر عن ارتباط الطّرف الأخر بزواج أو غيره. لذلك حمل العمل بصورته الأصليّة وبالآداء الجديد الّذي شهده مسرح مدينةAix en provence  في مهرجان هذا الصيف، صوراً متعدّدة لواقع حياتي معاش ينطلق من جدليّة الحريّة كقيمة إنسانيّة وصولاً إلى نتيجة العبث بحياة الآخرين وتدمير أسر بكاملها بسبب شهوة. ولهذا انتهت دراما دون جوان بموته قتيلاً وكأنّها تؤكّد أنّ الرّجل وقع أخيراً في شرّ أعماله.

السّاحر الشّرير

لقد اشتغل على هذا النّص ليخرج بصورته الأخيرة، مجموعة كبيرة من الفنّانين والتقنيين بقيادة جيريمي رور موسيقياً، وجان – فرنسوا سيفادييه مسرحياً. فيما لعب الدّور الصّعب لشخصيّة البطل الممثل فيليب سلاي. وظلّت الدراما المسليّة بلغتها الإيطاليّة مع إضافة ترجمة مكتوبة باللغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة على شاشات صغيرة مرافقة للعرض.

إذن هو دون جوان، أو دون جيوفاني، الّذي حاول الكاتب دا بونتي مقارنته بساحر النّساء الإيطالي اكومو كازانوفا المولود في البندقيّة (1725- 1798). لكن وإن كانت مغامرات كازانوفا واقعيّة اقتصرت على إيقاع 132 سيدة فقط بحبائله، على مدى سنوات عمره الّتي بلغت 73 عاماً، فقد تحدّثت أسطورة دون جوان عن شبق غير طبيعيّ طال ألفا وثلاث نساء في إسبانيا فقط، حتّى حُمّل ألقاباً عديدة مثل “مدمن الجنس”، “بطل الحريّة” و”ربّ عظيم ولكن رجل شرير”.

يبدو أنّ أوبرا دا بونتي هي الّتي خلدّت هذه الأسطورة دون غيرها من أعمال أدبيّة أو فنيّة سبقته أو أتت بعده، وذلك بفضل ذالك المزج  بين الضّحك والعنف، بين الكوميديا البهيجة والخرافة الميتافيزيقيّة من دون أن ننسى أهميّة المقطوعات الموسيقيّة التي أبدعها موزار لتخدم القصّة بتفاصيلها المرّة والجميلة.

تبدأ إيقاعات التّأثير واضحة منذ افتتاح هذه الأوبرا، حيث تجلّت حركة شخصياتها ولغة الجسد التعبيريّة المتمثلة برقصات رائعة متناغمة بشكل كامل مع الآداء الموسيقيّ الّذي نفذته الأوركسترا من موقعها أمام الخشبة.

جرأة ضدّ الربّ والمجتمع

ربّما يكمن سرّ هذا العمل خلف جرأة دون جوان وشغفه بالنّساء، وتحديّه للرَّب وللمجتمع. لذلك حملت أحداث الدراما في عقدتها الأخيرة هذه الرّسالة الّتي تقول بأنّ الغواية في غير محلّها ليست فحولة إنّما هي سبب لوقوع الرَّجل في الهاوية.

تجري أحداث المسرحيّة في مدينة سيفيل الإسبانيّة، حيث يحاول الرّجل النّبيل دون جوان التّنكر من أجل إغواء الفاتنة دونا آنا (لعبت الدور إلينورا بوراتو) الّتي كانت مخطوبة إلى دون أوتافيو(بافول بريزلك). طاردته آنا المحميّة من قبل والدها الكوموندانتي (ديفد لاي) الّذي يقتله دون جوان في المبارزة عقب شيوع نبأ ملاحقاته للفتاة. اللاّفت أنّه وبعد ارتكابه هذه الجريمة بحقّ الرّجل العجوز (الكوموندانتي) لم يرتدع زير النّساء عن الاستمرار في مغامراته، بل تصاعدت حدةّ شغفه بمطاردة نساء أخريات، وبالتّنسيق مع خادمه المخلص ليبوريلو (ناويل دي بييرو)، الّذي كان بمثابة الشّريك المتواضع في التّخطيط لأعمال سيّده الفاحشة.

هذا الانزلاق الّذي تصاعدت وتيرته بغياب عاملي الملاحقة والحساب جعل أيضًا دونا إلفيرا (إيزابيل ليونارد) وزيرلينا (جولي فوش) من بين أبرز ضحاياه. لكن هذه النَّشوة الّتي عاشها الرّجل بفعل إفلاته من القصاص، لم تدم طويلاً فقد أتاه شبح الكوموندانتي على شكل تمثال حجري ليدعوه إلى وليمة غير دنيويّة في العالم السفليّ، منتقمًا لنفسه ولابنته من أفعال هذا الشَّبق، في مشهد مآساويّ مُرعب.

لعلّ اختيار هذه الأوبرا لتكون في صلب برنامج مهرجانات صيف المدينة الصَّغيرة الواقعة في جنوب فرنسا، يشكّل سابقة جميلة أعادت للمسرح الوطني القديم حضوره، حيث تماهت أحداث المسرحيّة بعناصرها الملائمة لذلك الزّمن مع جماليّة المكان التاريخيّ الّذي يوفّر للمشاهد رؤية واضحة ومناخا نديّا يتجلّى في الجلوس وسط الهواء الطَّلق وإن انحبست الأنفاس لوقت قصير حين وصلت الدراما إلى عقدتها مع موت البطل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق