السّؤال الفلسفي

لم تشتهر الفلسفة بشيء اشتهارها بممارسة السّؤال، ولم يطبق المشتغلون بها على شيء إطباقهم على هذا الوصف، لكن ما أن نتأمّل هذه الحقيقة قليلا، حتّى نتبيّن أنّ السّؤال الفلسفي لم يكن شكلا واحدا، وإنّما كان أشكالا اختلفت باختلاف أطوار هذه الممارسة، ولا يخفى أنّ أبرز هده الأشكال شكلان اثنان: السّؤال القديم الذّي اختصّ به الطّور “اليوناني”، والسّؤال الحديث الّذي ميّز الطَّور “الأوروبي”.

أمّا السّؤال الفلسفي اليوناني القديم، فقد كان عبارة عن فحص، ومقتضى الفحص هو أن يختبر السّائل دعوى محاوره بأن يلقي عليه أسئلة تضطره إلى أجوبة تؤول في الغالب إلى إبطال دعواه، وخير شاهد على هذا الفحص الفلسفي ممارسة سقراط للسّؤال، فقد كان دأبه أن يبادر أحد (بفتح الدال) مواطنيه بسؤال عام ّعن مفهوم مأخوذ من مجال الأخلاق على الخصوص، حتّى إذا تلقّى منه جوابا معيّنا، ألقى عليه مزيدا من الأسئلة الواضحة الّتي لا يجد المحاور بدا من الردّ عليها بالإيجاب، معتقدا أنّ هذا الرّد لا يضر في شيء جوابه الأوّل، فاذا فرغ سقراط من أسئلته الّتي قد تطول و تتشعّب، مضى إلى الجمع بين أجوبة هذا المحاور المختلفة، مبرزا التّناقض الصَّريح بين جوابه الأوّل وأجوبته الاضطراريّة اللاَّحقة.

وأمّا السّؤال الفلسفي الأوروبي الحديث، فهو عبارة عن نقد، ومقتضى النّقد هو أن لا يسلم النّاظر بأيّة قضية – كائنة ما كانت – حتّى يقلّبها على وجوهها المختلفة، ويتحقّق من تمام صدقها، متوسّلا في ذلك بمعايير العقل وحدها، و الفرق بين “النّقد” و”الفحص” هو أن ّالأوّل يوجب النّظر في المعرفة ويقصد الوقوف على حدود العقل، في حين أنّ الثّاني يوجب الدّخول في الحوار ويقصد إفحام المحاور، وخير مثال على هدا النّقد فلسفة “كانط”، حيث أنّه ذهب به إلى أقصى مداه، فلم يقف عند حدّ التّساؤل عن موضوعات المعرفة، بل تعدّاه إلى التّساؤل عن شرائط المعرفة، جاعلا العقل نفسه موضع تساؤل – لا المعارف الّتي يوصل إليها فحسب – حتّى سمي قرنه بقرن النّقد، و أخد الفلاسفة من بعده يحتدون إلى يومنا هذا حذوه في كلّ ما يخوضون فيه من الموضوعات، ويشتغلون به من المشكلات إلى أن أضحت هذه الممارسة النقديّة تشمل كلّ شيء ولا تستثني إلاّ نفسها، وأضحينا معها لا نكاد نحصي الأعمال الّتي تحمل في عنوانها لفظ “النّقد”.

*********

طه عبد الرحمان، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2002، صفحات: 13-14.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق