66 مصوّرا إيرانيًّا ينقلون الوجع والدّمار.. وهواجس ما بعد الثورة

تراجيديا "الشّعر البصري" تحلّ ضيفة على مدينة آرل

الصّورة أحيانا قد تكون أكثر قدرة على إيصال الفكرة من ألف كتاب، خصوصا إذا كان من يقف خلف العدسة يعرف تماما كيف يلتقط المشهد في اللّحظة المناسبة والمكان الملائم. هذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في ملتقى المصورين الإيرانيين في مدينة آرل الفرنسيّة، حيث احتضنت كنيسة سانت-آن، التاريخيّة (الَّتي يعود بنائها الى القرن السّابع عشر على أنقاض كنيسة قديمة)، معرضا للصّور شارك فيه 66 مصورًا إيرانيًّا، في إطار النّشاطات الثقافيَّة الَّتي نظمتها المدينة هذا الصيف.

وسط مشهد يتعانق فيه سحر العدسة الّتي تنقل معاناة الإنسان مع جماليّة الطّراز الفنّي القوطي الّذي ميّز الكنيسة التاريخيّة الواقعة وسط آرل، كان المصوّرون الإيرانيون يعرضون أعمالهم بعد 38 عاما على تمكن الثورة الإسلاميّة في إيران في العام 1979 من السّيطرة على السّلطة وقلب النّظام الشاهنشاهي.

لعلّه من المعارض الأكثر إثارة الّتي تشهدها مدن فرنسا في هذا الصيف، إذ شارك فيه عدد كبير من الفنّانين في تشكيلة فسيفسائيّة رائعة. نقل هؤلاء حكايات الحرب العراقيّة الإيرانيّة الّتي تلت تسلم الإسلاميين المحافظين للحكم، واستمرّت ثمان سنوات انتهت أخيرا على مضض، حيث أعلن الخميني في موقف غريب ومُستهجن أنّ موافقته على وقف الحرب تشبه تجرعه للسم.

ليس من قبيل المصادفة أن يكون في إيران الكثير من المصوّرين، وهي المعروفة بفنونها الّتي تبدأ من حياكة السّجاد ولا تنتهي بالرّسوم أو الزّخارف وكتابة الشّعر. لذلك سمّي المعرض بالشّعر البصريّ، كونه يصوّر وجع الإنسان من الدّاخل، ينقل خوفه وهواجسه وطموحاته من خلال تعابير وجهه والدّموع الممسوحة على وجنتيه أو من خلال الدّماء النّازفة من أجساد بريئة لم يكن لها علاقة بقرار حرب مدمرة أكلت الأخضر واليابس. إذن هي الثّورة الّتي أكلت أبناءها. الوجع هنا يبدأ من القضايا الشخصيّة من فتيات يختلسن الوقت للتّعبير عن حريتهنّ الشخصيّة في بلد يفرض عليهنّ الحجاب والتّقيد بنظام متشدّد. مقابل هذا هناك صور لنساء يرتدين التشادور ويحملن السّلاح دفاعا عمّا يعتقدونه ثورة مقدّسة. هو عالم ملئ بالتّعقيدات يمكن لزائر المعرض أن يلحظ بعض خيوطه الّتي نجح أمناء المعرض: أناهيتا غابيان ونوشا تافاكوليان في تنظيم الصّور المشاركة على نحو متناسق وسهل. ففي هذا الجانب صور تعود إلى ثورة العام 1953 في عهد حكومة محمد مصدق (1882- 1967).  وعلى الجانب الآخر صور تلتقط اللّحظات الاجتماعيّة الفريدة الّتي تشي برغبات مدفونة أو بممارسات قمعيّة تبدو نتائجها في الشّارع مثل تدمير الصّحون اللاّقطة لأجهزة التّلفزة ضمن سياسة محاربة الانفتاح على الغرب. وفي قاعات أخرى صور تعبّر عن الخوف من الحرب وتداعياتها ووجوه تتوق إلى السّلام وعيون دامعة على ضحايا الحرب وأهوالها. هذا إلى جانب صور التّدمير الممنهج للمدن خصوصاً خلال القصف المتبادل بين بغداد وطهران بصواريخ غير تقليديّة في ما سمّي حرب المدن آنذاك.

يؤكّد المصوّرون الإيرانيون من خلال أعمالهم الإبداعيّة هذه أن أبناء إيران اليوم يريدون التّعبير عن أنفسهم، مستخدمين الأدوات الفنيّة الممنوحة لهم. فكما كان الشّعر في السّابق هو وسيلة للتّعبير مع عمر الخيام وحافظ الشيرازي وغيرهم، أصبح التّصوير الفوتوغرافي آداة حديثة متماهية مع القصيدة في بعدها التّعبيريّ الرمزي. ففي بيان المعرض، تقول أناهيتا غابيان ونيوشا تافاكوليان إنّه “من الواضح أنّ الشّعر الحديث هو التّصوير الفوتوغرافي”.

ربّما استطاع 66 مصورا أن يقدّموا صورة إيران -اليوم للذّائقة الغربيّة وخصوصا الفرنسيّة الّتي يعرفها الإيرانيون جيّدا، حيث كانت فرنسا منطلق قائد ثورتهم آية الله الخميني (24 سبتمبر 1902 – 3 يونيو 1989) إلى طهران في الأيّام الأولى للثّورة. ولعلّ ما يمّيز هذا البلد بطاقته المبدعة أن معظم هؤلاء المصوّرين عاشوا الثّورة ومنهم عاش ما قبلها وآخرون عاشوا تداعياتها ولحظات حربها الضروس مع جارتها العربيّة. إضافة الى صور الخمسينات الّتي تنقل صورة إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي (26 أكتوبر 1919 إلى 27 يوليو 1980) والّذي حكم إيران من 1941 إلى 1979 وكان يلقب بـ “شاهنشاه” أي ملك الملوك. إذن هناك مزيج متنوع جدّا من المصوّرين والفنّانين وصانعي الأفلام الّذين يصوّرون بلدا تعرّض لتغيير السّلطة ومن ثمّ للحرب والحصار الدولي، ومن ثمّ رضخ حتّى الآن 38 سنة تحت حكم نظام متشدّد دينيّا يقمع الحريّات الشخصيّة ويفرض على المجتمع الكثير من القيود. مزيج متنوّع يجمع بين إيران التّاريخ وإيران الحاضر، إيران العريقة وإيران الشابّة.

ينقسم مسار المواضيع الخاصّة بالصّور المشاركة في هذا المعرض إلى ثمانية أقسام، أتت عناوينها على الشّكل التّالي؛ “1979، الاضطراب”، “من الجبهة إلى الصالون”، “من نحن؟”، “ما نحن بحاجة لأن يكون”، “مرحلة الواقع”، “سبات”، “الأزمة البيئيّة” و”شاعر السينما”.

لعلّ تزامن الصّور الوثائقيّة والفنيّة، وأحيانا من فترات مختلفة، هو مثمر جدّا. إذ يتمّ تغيير الطّابع السوداوي الجافّ ببعض اللّقطات الخفيفة والكوميديّة الّتي تعطي الموضوع بعض نداوة أو هي روح الدعابة الّتي يتميّز بها الإيرانيون المشهورون بطبيعة النّفس الطّويل الّتي اكتسبوها من طريقة حياكة السّجاد.

لم يكن من الصّعب على زائر ملتقى المصوّرين في آرل أن يتفاعل مع المشاهد المنقولة من بلد آخر ومجتمع مختلف، فكان لكلّ صورة شروحاتها باللّغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة. شروحات تبيّن الفترة الزمنيّة لكلّ صورة والحيز الجغرافي والمعالم التاريخيّة الأساسيّة.

لقد نقل المصورون من خلال عدساتهم التناقضات والتوترات الرئيسية الجارية في المجتمع الإيراني كما نقلوا المناخ التراجيدي الذي عاشه الناس فترات طويلة.

أمّا المشاركون في المعرض فهم المصوّرون: ميعاد اخي، أزادي أخلاجي، علي وراميار، صبا عليزاده، هدى أمين، هوار أميني، عباس عطار، فاطمة بيغمورادي، دادبه بسير، عرفان داده خاه، صولماز درياني، غوهارى داشتي، علي رضا فاني، حامد فرهنغي، آراش فايز، شادي غادريان، جاسم غاز بانبور، غزالة هدايات، بهمن جلالي، رنا جوادي، بولاد جواهرحجيجي، البورز كاظمي، باباك كاظمي، قوي كاظمي، مهرجان كاظمي، آراش خموشي، دانيال خدايي، عباس كياروستامي، غاليري كيازاند، عباس كوساري، يلدا مؤيري، ساسان مؤيدي، مهران مهاجر، مهدي منعم، أمير موسوي، سحر مختاري، تهمينة منظفي، مهران نقشبندي، أذن نفرهاغيجي، مهرداد ناراغي، مرتضى نخناهاد وبهمن زاكري، إبراهيم نوروزي، محسن رستاني، غزالة رضايي، بهمن صديقي، ماجد سعيدي، أوميد صالحي، حسن سربخشيان، جلال سيبهير، بهران شباني، محسن شفيعي، هاشم شاكري، جلال شمس آزاران،   سينا شيري، آريا تابنديبور،  نازانين طبطبائي يزدي، مريم تختكشيان، نوشا تافاكوليان، صادق تيرفكان،  مهدي فوشوغنيا، محسن يزديبور، هستي زاهري، ومريم زاندي.

وكتب النّصوص كلّ من: أناهيتا غابيان، غزال غولشيري ونيوشا تافاكوليان.

في أي حال ما شهدته مدينة آرل يشكل تظاهرة رائعة وإن طغت عليها الصّور المحزّنة والطّابع البكائي، خصوصا أنّه قد تمّ نشر “إيران، ألبوم التّصوير الفوتوغرافي”، الّذي شاركت في انجازه “تكستويل” ومحطة “أرتي”.

وإلى جانب المعرض، عرض خلال الأسبوع الافتتاحي سلسلة وثائقيّة وشبكة على مشهد التّصوير الفوتوغرافي الإيراني، من إخراج ناتالي ماسدرود وفاليري يوريا، وأنتجتها “تيرا لونا فيلمز”، “هاربور فيلمز” و”دارجيلنغ”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق