مقهى على رصيف الخيال

يأتي اللّيل، كلّ ليلة، حاملا حزمة من حطب الوهم  يلقي بها في مدفأة بركن من النّفس ليدفئ عري روحي، يسند ظلّه الأهيف إلى شجر الحديقة المنزليّة، ويدخل عليّ فيجدني، كما تركني البارحة، غيمة لم يكتمل نضجها باغتتها ريح جفول فانسكبت حيث لا تدري، وضيّعت شكل الغيم إلى الأبد.

يرمّم اللّيل شكلي، يُكَنِّس فناء ذاكرتي من أوراقي الصّفراء المتناثرة، ويشدّ على يدي حتى يسلمني لشارع افتراضيّ لا ناصية له ولا منتهى. شارع يغصّ بروّاد أحبّةٍ غرباء، مارّةٌ في اتّجاهات أضداد، وجُلوس على ضفّتي بحر “النّت”. بعض على صلة حقّ ببعض أو صلات باطلة يتّخذون الأرصفة الافتراضيّة مقاهي عابرة للسّمر، أو رياضا عموميّة للخيال. يزرّرون جيوب قلوبهم عن حقائقها، ويفكّون أزرار الكلام فإذا زنابق اللّغة نِثارا تبرق وأشعارا على جسد الوهم الرّخاميّ كشقائق النّجم إذا أينعت في غتل الظّلام. والحلم نادل مرح، نشيط، يسعى من ناصية الشّارع إلى أخمص قدميه موزّعا فناجين الهوى جيئة، وفي الذّهاب، يفضّ عراكا شبّ بين طرفين على ملعب شاشة الحاسوب.

تُوَرّق عيني قائمة الأسماء الغريبة المدرجة على صفحتي الالكترونيّة. أنا على ضجر قديم، ووحدة متزمّتة تُقيم عليّ الحدّ لوْمًا جارحا كلّما تسوّرتُ جدارها العالي، وأطللت على الدّنيا من نافذة العبث. كلّ شيء حولي عابث برصانتي المفتعلة، أو هازئ بجدّيتي المفرطة وحزمي الخشبيّ.  وهؤلاء، افتراضيّا، ليوث ولَبُؤ على أهبة القنص. وما بيننا مجرّد زرّ يفتح بابا ويغلق أبوابا، ورغبة مشتركة في تجربة وهميّة لا حدّ عليها.

يخشع بصري إلى ما وراء المسافات الغامضة. أرى هناك، بالطّابق العلويّ من بناية اللّيل الشّاهقة غرفة صغيرة مضاءة، وقمرا ذهبيّا يتأرجح على شرفتها مُدْلِيا إليّ بخيط ابتسامة رقيق.

ألِفْت الوجه القمريّ. صار لي جارا قريبا موغلا في ثنيّات الافتراض ومجاهيل البِعاد. له غرفة تلاصق غرفتي بالجنب، وبيننا زرّ على القفل. من تراه يكون..؟ أين يقع من مكاني..؟

لا حاجة للأسئلة، فالمسافات الطِّوال خدعة بصريّة، ولا وجود لها هنا وهذا الحين تحديدا، والخيال شبح يحملني على جناحيه أينما رُمت. شاعر هو الخيال ناقص عقلا أوّل اللّيل وفاقده عند السّحر. لا المسافة هي المسافة في عالم “النّت”، ولا المفترق في مكانه من المفترق. لمسة خفيفة تداعب خدّ الفأرة تُردي الأسوار هِدما، وتفتح المدن المحصّنة على هوِيّات غفيرة متنافرة تتدافع على مقاعد صخريّة ومفارش رمليّة تناثرت على شطآنه، فأجدني في أقلّ من ارتداد طرفي إليّ مندسّة بينه وبين خلوته.

لا أبالي كثيرا. أترك سلاما معلّقا على فأرة الحاسوب، وأكمل طريقي إلى آخر الشارع الافتراضيّ حيث غرفتي التي تقطن الطّابق الأرضيّ من اللّيل نفسه.

ذات ليلة، أرخى لي القمر خيطا يبتسم. لم أهتمّ بادئ الأمر. ظلّ الخيط مرخيّا أمامي. تردّدت. دغدغ وجوده فضولي. تعلّقت به، فارتفع بي من رصيف الواقعيّ إلى جنّة الافتراضيّ. هناك، اِتّخذت لي مقعدا قارّا أرتاده ما بين الوتر والفجر من كلّ ليل. بدا جاري الافتراضيّ متعالي الهدوء كرجل يطلّ على الحياة من وراء تجارب مكتملة، فإذا ضحك سقط وقاره إلى منتصف عمره فاهتزّ بطنه المكتنز، وتهدّل ذقنه الممتلئ واحتقنت كلّ قسيمة على وجهه، وإن سكت تكبّر فأوليته قفا الشّعور. بعد ليال قلائل انحرف بنا الاحتراز المتبادل إلى ركن حميم من الفضاء الالكترونيّ مترامي الأطراف والعشّاق..

اِجتزت حواجز اليأس الشّائكة، اليوم يبدأ غدي. تأنّقتُ في ثوب الفرح لموعده، فغضّ عنّي العمر تجاعيده وهاجرتْ منّي الكهولة إلى أقاليم الشّباب. وعلى عودي النجيف، نضح قطر المُنى كالنّدى على الورق المغتسل، وصرت في الهوى طفلة جذلى، تجوب العالم على جناح فراشة تمرّ فوق أيّامي الحزانى فلا تدمع ولا تكترث.

خرجت من غرفة اللّيل المجنون، و”لا شيء معي إلاّ كلمات” تستبيحني، على سبيل الحلم، قطرة ماء تؤثّث الوقت الظّامئ بوعد الغيث، وتسقي ساديّة الانتظار المزهرة في حقلي المنتظِر من عقود. حزمت أحلامي في حقيبة يدي، وركبت قاطرة النّهار العاقل بكامل تاريخي المرقّع، وجسدي المسوّر، وشخصي المتردّد لأسبق موعده بساعة للتأمّل، وارتشاف قهوة من قلق حلو على مقعد حامي القلق.

ألحّ أن يدركني، في بثّ عاطفيّ مباشر، قبل أن أغادره إلى خيال سواه. ولعلّه الذي كان يتأهّب للمغادرة. لا أحد يوَثِّق ما يجري في مدن الخيال، فقد يسقط قلب قتيلا في مكان ما، ويمشي على أكتاف قاتله إلى مثوى التّراب، ولا يتعرفان..

يخيط جاري فم الواقع المثرثر بالنّصائح والمحاذير كعجوز متزمّتة، ويفتح باب الخيال على مصاريع الخيال. يكتب ما أشاء، فأترك واقعيّتي الباردة، وأهمّ بكتابة رومنسيّتي المتأخّرة. يرجو ألاّ يكون قد تحوّل إلى كائن أثيري لا يملك سوى الحرف النّضيد، أو شبح يراود عينا لا تراه، وأخشى ألاّ أعرفه إذا جاءني بكلّ بذخه اللّغوي الذي يتبرّج لي في مواعيد الافتراض. كم لمستُ كلماتكِ، اِستنشقت عبقكِ، غفوت على نبضك، أربكتني فوضاك.. وكم تحسّست كدرك ، وشاقني أن أكون طرفَ سببٍ فيما اعتراك.. يكتب، فتأتلق حروفه شهُبا مرصّعة في السّماء الوهم كالقناديل تزيّن سماء أرضي المطفأة، فأكتب على جدار الواقع استقالتي من التّسكّع على قارعة الأماني، وتهاجر روحي من أقاصي العزلة فيّ إلى غربتها الحميمة فيه على قارب للنّجاة السّريّة يعبر بي إليه مضيقَ البحر، والفقر، واليأس القرير.. “يا حِلُوْ .. شُو بْخافْ إنّي ضَيَّعَكْ/ نُمْرُقْ على الجِسْر العتيقْ / وِتْروحْ منّي بْها الطريقْ/ لَوَيْنْ لا تْقِلّي/ ولا تاخِذْني مَعَكْ”[1].. وكم أختلف عنّي ومعي حين يضع عقله المساءُ ويأتزر الجنونَ ويأخذ بيدي لنمرّ سويّا إلى فتنة الحياة من سمّ الخياط.. حين تترك باب غرفتك الافتراضيّة مواربا، تحرّك فأرةُ الحاسوب أذنها اليسرى فينفتح الباب السّحريّ فأدخل. على مقعدين وثيرين، نتبادل الفواكه الجافّة والحكايات، ننقّي حَبّ اللّغة من الشّوائب، ونصنع أثمارها سلطة من غلال، فإذا أسفرت الشّمس، رحلتَ فغزلتُ من جملك والفواصل والنّقاط قميصا عريض المنكبين، طويل الذّراعين يلفّني حضنا من حرير بحجمي تماما لا ضيّقا يخنقني ولا فضفاض يسرّب الهواء البارد ما بيني وبيني.. ليلكِ مطر، وأنا وحيد على ضجر أنتظر.. أأنتِ التي تعبرين بي الآن ولا تكترثين؟ تكتب لي فتتراخى صرامتي، ويجنح الشّكّ إلى الأمن، وينسج البحر من الزّبد شراعا لمركبة الأمل المعطّلة، فلا أعود “لاجئة” في بلدٍ ينسى أنّي منه لأنّي على أطرافه النّائية أقيم، وأنّه لي رغم أنفه. ولا أبقى مدى الأمل، كخيمة عربيّة أينما يحطّ بي الضّياع يخيّم فيّ اللاّجئون من كلّ وطن، وتظلّ روحي في العراء ترتعش.. لكنّي انتهزت عاطفته المسرفة لأختبره. فلا وقت في العمر لكثير من جسّ النّبض، وتحسّس ردّة فعل الغزل على الخدّ: يحمرّ.. لا يحمرّ. أرسلت إليه مشروع عقد بتأسيس شركة عاطفيّة بيننا هو رأس مالها، وبُناتها قلب منه وقلب منّي، وربحها قسمة بيننا.  قبِل الشّراكة في سرعة مربكة. مهرني حفنة من أحجار اللّغة الكريمة، وأمضى العقد بصورة لوردة حمراء.

يا إلهي، من يحسم الأمر بين الواقع والافتراض؟ من ينقذ القلب من “العولمة” ويصالحه على العاديّ واليوميّ البسيط..؟ من يعيد قلبي عاريا من كلّ زيف، تلفح الحياة وجهه فيميّز بين حرّ الهواء، و برد الهوى دون وساطة الكذب..؟

جلستُ في ركن دنيٍّ من المقهى. أطلّت من شرفة القلب أُمنية صغيرة تتحرّش بالصّبر المتّكئ على عظم الصّدر حتى لا يفارقني قبل مجيئه. جلستْ إلى طاولة يساري امرأة غريبة صاخبة، تُهاتِف شخصا وتقهقه في خلاعة مزعجة. تداعت عليها بالحنق العيون. سكنت. شربت جرعة من النّارجيلة ورشفة من قهوة مركّزة السّواد. قرأت ساعتها. تمتمت. شردت فينة. تمتمت أخرى، ثمّ لوت شفتها السّفلى فتقوّس خطّ الفم، وزوت ما بين حاجبيها فتشقّق رخام الجبين. توتّرت حركاتها. أخرجت وردة حمراء من حقيبة يدها. أهملتها جانبا منها. أخذت لفافة مطويّة. بتأنّ وقسمات تهذر صمتا، فكّتها. ألقت إلى فكّيها قطعة بيضاء، وانهالت تمضغها بانفعال فيُسمع لها انفلاق وصرير نواجذ تحتكّ.

بدت على موعد كارثيّ مع الخصام، وأحسب أنّها ستقضم أذن الذي تواعد. سحبتُ عنها فضولي، وكتمتُ ابتسامة هازئة. قرأتُ ساعتي. قطّبتُ جبيني. لويْتُ شفتي السّفلى فتقوّس بدوره خطّ فمي. توتّرت حركاتي أيضا. وكدت مثلها أتمتم.

فيروز، بالدّاخل، ترسل صوتها السّماويّ إلى ضلالة نفسي، وتكشف على مسمع الملإ سريّ: “نَحْنا والقمرْ جيرانْ/ بَيْتُو خَلْفِ تْلالْنا بْيِطْلعِ مْن قْبالنا يِسْمَعِ الألْحانْ/ عارفِ مْواعيدْنا وتارِكْ بْقرميدْنا أجملِ الألْوانْ/ وياااما سِهِرْنا مَعُو بِليْل الْهَنا مَع النّهْداتْ / وياااما شَرَحْنا الهوى غوى حْكاياتْ / يااااما .. ” فأزفر بصوت يُسمع فينتبه لي الذي لم ينتبه بعد، وأكاد أشرح الوجع بنفسي على وجع العلن.. جاري الواقعيّ يمدّ عينه من فوق سطح بيتي ليطلّ على جارتي، ويتركني معلّقة بسقف الأماني كفانوس محترق، فيما يمدّ الافتراضيّ على البحر الالكترونيّ جسرا متحرّكا نحوي يطلّ منه عليّ وحدي، أو هكذا أفترض.

في الخارج، غيم خجول ينازع الشّمس على قطعة من جسد السّماء. تارة كدر وطورا صحو، وما بين التّارة والطّور بردٌ ينتهز الفرص ليتسلّل إليّ من تحت معاطف الدّاخلين، ويُرعش قلبي الذي تغزوه دقائق الانتظار الأخيرة.

أجلس منتظرة، وبيدي وردة حمراء ميساء الغصن ألوّح بها في وجه الفضاء المعطّر بالتّبغ دليلا عليّ، فلعلّ عيني تخطئ القرابة ما بين صورته والحقيقة أو تخطئ عينُه. هي هديّته الافتراضيّة لي، ونصيبي الواقعيّ من السّباحة الحرّة في بحر الخيال إلى اللاّضفاف واللاّنهايات الغامضة. أتمسّك بنيلها طرف كلّ ليل كحقّي الوحيد في السّكن إليه تحت سقف واقع محتمل. صورة وردة بلا هويّة محدّدة، ولا نسب لرائحتها، أو صندوق بريد للشّجرة أمّها، بيد أنّها تنضح برموز تجعل الحبّ الافتراضيّ بسيطا يقنع من زينة الدّنيا بترنيمة ما قبل النّوم، وغاية سعيه فيها أن يحقّق اكتفاءه الذاتيّ من ثروة العاطفة التّليدة، ساذجا كحبّ واقعيّ يَعُدّ خطايا الحبيب فيخطئ، فيعيد، فيعود إلى الصّفر من بدايات الغرام المذهلة، أنّى تغدو الخديعة مُزحة لاذعة تجرح الخدّ الأسيل فيسيل حمرة كشقيقة نعمان تضرّج الوجه، وتُغرق الجفن في قطرة دمع واحدة.

وضعت الوردة على خدّ الطّاولة. شربت قهوتي دفعة واحدة. اِستدركتُ بعض نفْسي الأولى: أنا لم أعد أهوى الحقول، وما تطرح الرّياحين. في زمن يتحوّل فيه الحبّ استثمارا اقتصاديّا، والجسد رهاناً على طاولة القمار، من السّخف التّعلّق بنبتة ذات لون وعطر تُسمّى أيًا ما تسمّت.  فات أوان المشاعر المكنّاة في رموز محمولة على ضمائر مستترة، وانزياحات عديدة للمعاني. لا أجمل اليومَ من أحاسيس بيّنة واضحة كمعادلة رياضيّة لا تقبل التأويل.. هذا أنا أو أكثرني في حقيقة الأمر، ولا بدّ يعرفه عنّي قريبا جدّا. بيد أنّي، وتحسّبا للطّارئ من أمره، كتبت له عنّي تاريخا يحبّه، وأعلم أنّه واقع حتما في هوى جغرافيّتي غير عابئ بما تمثّله أناي كاملة من “حضارة”. كهْلان نحن، نحسن صناعة اللّغة بما يلائم استمرار الوصل على حياد تامّ بين الحقيقة والمجاز.

ثمّ.. ماذا أفعل بوهم وردة بين يديّ..؟ لست في حاجة للافتة تدلّ العين على اتّجاه السّير نحوه. طريقي إليه معبّدة بإحساس غريب ينأى عن وصاية القواميس العاطفية المتداولة. سأعرفه حالما يلج الوصيد من الانتظار. حفظت تفاصيل وجهه المسائيّ الأليف كحدث يوميّ أمرّ به غير عابئة، فيمرّ عليّ، دون أن أشعر، إلى صدر الذاكرة. وجه دافئ، حيويّ. تؤطّره نظّارات طبيّة، ويحفّه زبد العمر النّضيج. سيعرفني حالما أشهق بالفرح.

تأفّفت أهوّئ صدري من نار يضرمها القلق بجوفي. تأفّفتِ الجالسة حذوي. رفعتُ وردتي من جديد، وصفعتْ هي بوردتها وجه الطّاولة.  فلعلّه الآن يأتي فلا يعرفني. طلبتُ قهوة ثانية. رفّ أنفي لسيجارة أينعت بين شفتيها. وحرّكت فيّ طقطقة “اللّوبان” بين فكّيْها رغبة المضغ. لو ينسى نظّارتيه على سبيل العمْد مثلا سأنكره، وإنْ يصبغ شيبه بفورة الشّباب أفقده قطعا. فلا دليل عليه غير نبتة تثور على سور المسافة العالي، وشوكٍ تناثر على طول الطريق العموميّة بين الافتراضيّ والواقعيّ، ودفتر من لغة واحدة مشتركة بين جمهور عريض من الباثّين والمتقبّلين، لغة من بلاغة الكلمات تبني بيتا من الاستعارات وتسقفه بحقيقة من قشّ..

بلى.. أحببت لغته وإن يثبت اليقين أنّها الهشيم. منزل فاخر كالحلم كانت، رخامه لفظ صقيل رفيع الخيال، وسقفه عالي المعنى. لكنّ الأهمّ أنّه قارب للنّجاة لا تغدر به الأمواج عرض البحر.

ماذا؟ هل  ترى أنّي كأيٍّ من المتنزّهات في حدائق “الشّات”..؟

تناقص الوقت إليه. تضاعف القلق. وقفتُ مع نفسي على حدّ الاختلاف الأقصى  فشحُب على فرحي الألق. ولجتِ المقهى شابّة يحدّد منها ثوبُها خطوط عرضها والطّول. دقّ كعبها المغناج صقيع البلاط فالتهب الفضول في الرّقاب، ونشط السّكون. جلستْ غير بعيد عنّي تدخّن، وتقسم نظراتها عدلا بين ساعتها والمدخل.

قرأتُ ساعتي. تأفّفتِ التي إلى جانبي ثانية. تنفّستُ عميقا. عقد الكلمات الذي نظمته له تتبعثر حبّاته. وصورته العائمة على صفحة ماء عينيّ تميل جهة الغرق. بتّ على وشك ألاّ أعرفه.

توتّر جلوسي. تبرّم بي مقعدي، وأحسست كأنّما ينسحب من تحتي. تلفّتُّ خلفي. اِمرأة ضاجّة الألوان تُسَمِّر عينها على العتبة، وتقضم أحمر وردتها.

عدت، في عسر، من هواجسي أهدهدني، وأقيم ظهر ذاكرتي المقوّس عن أرض المخاوف. رتّبت شؤوني الدّاخليّة. وضعت مزهريّة على مدخل شفتيّ. ذاكرت أقوالي وأفعالي المحتملة. قرأت وصاياي عليّ. نجّدت وطنه فِيّ بأرائك وزرابي. تجاوز موعده بدقائق قلائل. اِحتلّ القلق مكانه إليّ، وصار يوسوس لي: بحر “النّت” لا يؤتمن. كم امرأة أبحرت فيه فقضت غرقا أو ضياعا، أو قتلا أو.. اِدلهمّت عليّ سماء الخيال وكشّرت الحقيقة عن أنياب الواقع القاسي.. فلأنسحب قبل أن يدركني. هممت أعدّ انسحابي. دخل، فيما رفعت رأسي لأغادر مقعدي، رجل وقور مسائيّ الوجه تؤطّره نظّارات طبيّة، ويحفّه زبد العمر الوقور. دخلت الشّمس على كتفيه، وبدت السّماء من واجهة المقهى البلّوريّة صافية ترفرف سحائبها البيض كالعصافير. رفّ قلبي كطير صغير. تفسّحت عيناه في الفناء المكتظّ تبحثان عنّي. شخصت ذهِلة، ونبضي يتأتئ على شفة القلب..

هو.. هوذا.. !

اِفتراضيّه شكليّا كواقعيّه، وصورته تماما كحقيقته. تمالكت فرحي الصّاخب. أغلقت غرفة الشّكّ على مخاوفي، ورحت في وقار ألوّح له بوردتي، دليله الوحيد إليّ. المرأة التي إلى جانبي شهقت في فرحة ماجنة. تركت النّارجيلة مستعجلة، وزحزحت إلى الوراء كرسيّها بعنف، وقامت تلوّح له بوردتها.. ذات الكعب الغنِج، هناك، كهذه الجالسة خلفي، قامتا تلوّحان بوردتيهما الحمراوين، وتلك.. نعم.. العجوز التي في الرّكن المنزوي من المقهى، ترفع أيضا وردتها.. دخل آخر يشبهه تماما، وثالث يتبعه.. صعدت منّي إليّ موجة حارّة تندّى لها جبيني، فثقلت عليّ أثوابي الصّوفيّة في صباح مضطرب ينكفئ على ضوئه الفاتر، ويتسلّل بين الجلوس كطفل مقرور. ضممت نفسي إليّ بذراعيّ، لمّا كان حضن اللّغة الذي يدثّرني يتمزّق عليّ، والبحر الافتراضيّ يصدّع قاربي الأخير للنّجاة..

أيّهم هو..؟

لم تكن بالسّماء سحائب بيض كما توهّمت، كُنّ سودا يتنادين نحوي. المطر ينهمر وبِرَكي الدّاخليّة تفيض، وأثاثي الشّخصيّ يغادرني على مركب السّيول..

سرت ساهمة أتعثّر في الشّارع البليل كأنّما في الظّلماء أخبط. اِنطفأ جميع ليلي الذي اشتعل فيّ وحولي وعليّ فجأة. اِنقطع بي حبل الخيال فسقطت خارج الفضاء الالكترونيّ على أرض فراغٍ من كلّ الذي كان.. الواقع من حولي هادئ جدّا، وغير مكترث. كارثيّ ما حدث لي.  مشهدي تناسخ في جمهور من النّساء لا صلة لإحداهنّ بالأخرى، فيما الورود التي يحملْنها متشابهة كأنّها قُطفت من شجرة واحدة في حديقة عموميّة يرتدْنها جميعا، ووجهه متكرّر كملصقة إشهاريّة على الجدران..

أكانت مجرّد صدفة في زمن مُتعوْلم يمحو عوارض الاختلاف، ويروّج للنّمطيّ ..؟

كلاّ.. أنا لستُ كأيّ من المتنزّهات في حدائق “الشّات”، وجاري الافتراضيّ مختلف. لقد كان قريبا جدّا منّي تكاد يده تحطّ كطير مهاجر على قلب يدي، وتنقر الحبّ من كفّي، حتى دخل..

– عفوا يا آنسة، أين أجد مقهى..!؟

رفعت نحو السّائل عينا ملتفعة بضباب الدّمع. مسحت الضّباب عن زجاج النّظر، ونشبت فيه حيرتي. تفرّس فيّ مليّا. تراجعت عنه ذهِلة. جدّف نحوي، ومدّ إليّ يده للنّجاة من ماء أجاج طغى على منزل القلب وأخذ يكتسح بقيّة نفسي.. هممت أجتازه إلى غاية لا أدركها. تخطّى الشكّ إليّ، أطّر بنظّارات طبيّة وجهه المسائيّ ، وأخرج وردة من جيب سترته الدّاخليّ..

****************

[1] – مقطع من أغنية لفيروز .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق