(نظريّة المؤامرة) .. أو..المؤامرة دون نظريّة!

” إنّ عرقا منذورا للقوّة.. هو عرق يائس”  – أنريه مالرو –

-1- 

..ظاهرة جديدة في وسائل الإعلام، تتمثّل بفتح حيز للمتلقي كي يرسل مواد صوتيّة ومرئيّة عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ، لكي يتمّ بثّها ضمن برامج  إعلاميّة محدّدة. وعندما يشاهد المتلقي العادي قنوات التلفزة عشوائيا يتلقى، دون أن يعرف، مادّة مرسلة من المتلقي وليس من المرسل، وذلك دون أن تكون لدى الإعلام المحترف خشية من تضارب الرَّسائل الإعلاميّة رغم تفاوت المستوى المهني، ممَّا يعطي مصداقيّة!عن إعلام منفتح على المتلقي، كما يحدث في عروض السيرك حين يقترح اللاّعبون مشاركة متطوعين من الجمهور في إحدى الفقرات دون أن يخلّ هذا بالعرض المعدّ مسبقا، ويعطي للجمهور كلّه إحساسا بالمشاركة والثّقة و.. بأنّ العرض ليس خدعة!.

ليس الواقع معطى مستقل غير قابل لإعادة التّشكل، والرواية الواقعيّة عن الواقع، أي ما هو راهن، هي رواية السّلطة، وهي خطاب الإعلام. الّذي لم يعد سلطة تراقب أو توازي السّلطة بل يتماهى معها ..وتقوم الرّسالة الإعلاميّة  بما يسمّيه (هربرت شيللر): ” ترويج الوضع السّائد ” (1). وما يعرفه النّاس أو يعيشونه ظاهريا..لا حاجة بهم إلى سماع روايته، لأنّه سيتكرّر، في الحياة وفي الخطاب، وسواء أكان الواقع هو الّذي يتكرّر في الإعلام، أم أنّ الإعلام  يتكرّر في الواقع، فإنّه في الوقت نفسه أكثر ما يجدون فيه الرّغبة حين يعرض عليهم ..! فالرّغبة والحاجة شيئان مختلفان، ولأنّ كلّ رواية أخرى غير الرواية الواقعيّة تحتاج إلى تعلم، رغم أنّ التّعلم انتقال من البسيط إلى المركّب، ومن الجهل إلى المعرفة، فهو عمليّة طبيعيّة تلقائيّة أكثر من العمليّة الافتراضيّة المعكوسة لهذا الانتقال، والّتي كان يبدو أنّها غير قابلة للعكس!. وحين يبقى الإنسان جاهلا ويمارس حياته بما يترتّب على جهله! لا يعني أنّه يختار الجهل، بل يعني أنّه قد حرم من الاختيار، لكن وبعد كلّ شيء فالرواية الإعلاميّة مثابرة حدّ الهوس، بحيث إنّ قطاعات متزايدة من الرأي العام أذعنت لها كنقل وحيد للحقيقة، حين شاهدت بعيونها سقوط برجي نيويورك وسمعت بآذانها من الّذي تبنى العمليّة. وهذا يشبه ما دعاه (لاكان): “الواقعيّة المضحكة” (2)..أي تصوّر الواقع كمجال منفصل عن مجالي الخيالي والرّمزي، وهو تصوّر (خيالي) محض ليس له وجود واقعي، كلّ هذا مفهوم وإن لم يكن مقبولا أو عقلانيا، حتّى حين يظهر مثقّفوا السّلطة في الإعلام، فيروج أحدهما الآخر في خدمة  تبادليّة وكأنّ – لا شيء وراء الواقع – إذا استعرنا جملة (لاكان) المحوريّة المعروفة “لا شيء خلف المرآة “، بتقديم الأحداث وتحليلها على شكل تجريد (واقعي) مثير ..مثل الفضائح، ممّا يرضي الرّأي العام بصورته النمطيّة كبطل للرّغبات والغرائز، حين يتمّ تناقل الصّور الوحشيّة للأصوليين بين النّاس المتلقين بالنيابة عن الإعلام، لأنّها تدهش خيالهم ومخزونهم اللاّواعي عن الخوف ممّا يعطي الصّور الإعلاميّة مصداقيّة!، والرّأي العام يجد نفسه هكذا منساقا مع (طبيعته) طالما سدّ في وجهه كلّ درب آخر ولم يعد يلمح أية إشارة للعقل كي يتبعها، وليس لأنّه مفطور على الغرائز، والرّأي العام في الحقيقة يتلقى الإيحاء ويستسلم لطبيعة ثانية غير طبيعته، بل طبيعة موجهة عقلانيا.

وبسبب بشاعة الصّور القادمة من الشّرق الأوسط  (وصار يكفي القول من الشّرق)، فإنّها ليست مفهومة، أو يجب أن لا تكون مفهومة، لكنّها لا تحتاج للتّفسير إذا كانت صادرة عن الآخر/ الشرقي، أي.. أّنها مفهومة، ليس فقط من جانب الجمهور الغربي، الّذي من المفترض أنّه مستهدف وأنّ انذهاله من الوحشيّة متوقع قدر ما هو غريب عنها (مع أنّ لا أحد من البشر غريب بشكل مطلق عن ما هو بشري)، بل.. على جانب الجمهور الإسلاميّ يقع نفس الانذهال، مع أنّ المفترض أنّ العنف الأصولي هو (أحد أفراد العائلة)، وأنّه مألوف للمسلمين، لكنّ الفرجة كموقف سلبي تأتي من الطرفين، بحيث  يمكن التّساؤل: من الفاعل ومن المستهدف؟ أو من القاتل؟ ومن الضّحية؟ وباختصار ما هو المصدر؟ وما هي الغاية؟ فالجمهور الّذي يرغب ولا يحتاج، ثمّ يحتاج ولا يعود يرغب، أصبح يفرّ من التّكرار الجنوني لوسائل الإعلام الّتي تتكلّم وتعيد الكلام من كلّ صوب بالصّوت وبالصّورة، طوال السنوات التّالية للحادي عشر من أيلول، فرار قد يبدو في ظاهره نتيجة عكسيّة وفشلا للإعلام الّذي من أوّل أهدافه جذب الجمهور الواسع، الّذي بلغ مرحلة يطلب فيها الصّمت عن السياسة، غير أنّ هذا قد يكون نجاحا استراتيجيا وليس فشلا للإعلام، الّذي يستمرّ منذ الآن في استقطاب الجمهور نفسه لكلّ كلام غير سياسي. ومثلما يقول (رولان بارت): “هناك متعة أخرى تتمثّل في نزع الصّفة السياسيّة عمّا يبدو في الظّاهر سياسيّا، وفي تسييس ما ليس سياسيا في الظّاهر كذلك، ولكن، كلا لننتبه، فما يسيس هو ما ينبغي أن يكون سياسيا وذلك كلّ ما في الأمر”! (3)، وهذا دون أن يكون الإعلام مجنونا حقّا، أو معرضا  للإصابة بالجنون.. لأنّ حامل المرض قد لا يكون مريضا.

هذا مفهوم، ولا يجوز ألّا يكون مفهوما ليس فقط لأنّ (( كلّ ما هو واقعي هو منطقي..)) و((..كلّ ما هو منطقي هو واقعي)) مثلما يقول- هيجل- في مقولة شهيرة ومغلقة من الحدّين لكنّها ليست بديهيّة مثلما تبدو للقراءة الأولى،..ليس لهذا وحسب ولكن لسبب أكثر بداهة، وهو ما يقوله (مانهايم) الّذي : ” يسلّم – بوصفه تلميذا لفيبر- إن شرح معتقد مّا، مهما ظهر غريبا، يقتضي منّا أن نأخذ بالحسبان أنّه مفهوم وأن نبحث عن كشف معنى له بالنسبة للفاعل الاجتماعيّ أو أن نكتشف، بعبارة أكثر وضوحا، تلك البواعث الّتي تدفع الفاعل الاجتماعي إلى أن يعتقد بما يعتقد به” (4)، لكنّ المنظرين يعودون إلى مراجعة تنظيراتهم عن (اللاعقلانيّة) المنفية للهامش وإعادة الاعتبار لها، وكأنّها سوف تصير هي المتن ويراجعون ما قاله (فيبر) عن: “زوال السّحر عن العالم” وسؤالهم المفعم ببراءة مصطنعة: هل زال السّحر حقّا ؟!! مع أنّ فيبر حتّى لو كان مخطئا جزئيا لأنّ زوال السّحر لم يكن مطلقا، إلاّ أنّه كان مصيبا في وصف صيرورة العالم الحديث،  غير أنّ المشكّكين، ويا للمفارقة، يبحثون على الجهة المضاءة من اللاعقلانيّة ومن الواقع حيث، على عكس زعمهم، تستطيع العقلانيّة إضاءة الأعماق المظلمة للاعقلانيّة لكنّ الشّيء المفقود الّذي يبحثون عنه إنّما يقع في الجانب المعتمّ من العقلانيّة: (السّلطة، والإعلام، والسّياسة) فبأيّ شيء تضاء دهاليز العقلانيّة المظلمة والمخيفة؟

-2-

– الذّات والآخر..أو الشّرق والغرب من جديد!

واليوم فإنّ ما كان صراعا محليًّا أو إقليميًّا كجزء من نهوض العالم الثّالث بعد الحرب العالميّة الثّانية بين ما يسمّى العالم العربي والإسلامي (وهي تسمية حشويّة لا تصف بنية سياسيّة في الواقع..) وبين الغرب (وهي تسمية حشويّة أيضا..لكنّنا نستخدم المصطلحين التزاما بالخطاب الّذي نعرضه)، الصّراع الّذي ورثته أمريكا عن أوروبا وتلاشى منذ أكثر من ثلاثين سنة لصالح القوى الغربية.. بعث من موته وخيم على العالم، بعدما فقد العرب والمسلمون الكثير من العناصر..الَّتي لم تكن أكثر من عناصر للصُّمود والمقاومة وليس عناصر للهجوم أو الانتصار، لكنّ أمريكا بدل أن تكتفي بنهاية جاءت لصالحها في الحقيقة، مدّت الصّراع كي  يدور في كلّ مكان من العالم.. وتعلن، وتجعل الغرب يعلن، أنّه عرضة للتّهديد بدل إعلان انتصارها، وهذا دليل على أنّه حدث يقع على المستوى الرّمزي وليس الواقعي..لأنّه ليس ثمّة بنية واقعيّة لحدث كالَّذي نشهده – مع ذلك – من حولنا. وهذا يشبه ما قاله ( بودريارد) باقتضاب: “إنّ السّقوط الرَّمزي لبرجي نيويورك، هو الَّذي أدّى لسقوطهما المادي، وليس العكس”.(5). ومع ذلك وكنوع من الفرضيّة..قد يكون الإسلام أو لا يكون قادرا على تهديد الغرب، وقد يكون أو لا يكون  إحساس الغرب بالتّهديد وهما،  فليس هذا مفتاح الرّمز، بل حتّى لو تبيّن أنّ الأمر كلّه كان حقيقيًّا، فإنّ جوهر المسألة منذ الآن هو زعم الغرب أنّه (لا يفهم) الإسلام، و(لا يعرف) كيف انبعثت  الأصوليّة، ولا كيف يواجهها، وأنّ الصّراع الحالي ليس امتدادا لهزيمة العالم الثّالث بعد الاستقلال،  بل أنّه امتداد للحروب الصليبيّة رجوعا – ربّما – للفتح الإسلامّي، أي أنّ الواقع الرَّاهن امتداد خطي للتّاريخ وأنّ الإسلام، وليس التّاريخ، هو ما  يفسّر سلوك (الكائنات الإسلاميّة) في التّاريخ والواقع، وهذه تركة التّاريخ بين الإسلام وأوروبا حين لم تكن أمريكا موجودة، لكنّ أمريكا تدمجه في إيديولوجيا جديدة وتنسب لها تاريخا، دون أن تدمج معرفة أوروبا (للآخر) بل تورّث أوروبا جهلا بالآخر، ثمّ تنسب واقعا لرؤيتها الإيديولوجيّة النّاقصة وتفرضها على أوروبا والعالم. وهذا ما يتوجّب نقاشه بعمق وهو بالذّات ما لم يعد يقال على نطاق واسع بل في أضيق حدود. ولم تعد تسمع الأجوبة الممكنة والملحّة والّتي ستكون أكثر إثارة، لأنّ الأسئلة لم تعد تطرح، ومثلما أنّ الحجاب يحجب ما خلفه وليس ثمّة حجاب يحجب (اللاّشيء)، ورغم أنّه يمنعنا من رؤية أو معرفة ماهية هذا الشّيء المحجوب، إلاّ أنّ الحجاب دليل على مكان وجوده، كذلك فإنّ تضافر الأكاذيب  ذات الوظيفة الرمزيّة وليس الخياليّة في تشكيل الواقع، (إذا تذكّرنا تقسيمات لاكان للمجالات الثّلاثة)، فإنّ هذه الأكاذيب النموذجيّة تؤشّر على وجود حقيقة قد لا نعرف ما هي لكنّنا نعرف أين موقعها، إنّها تقع هنا في القول: أنّ الغرب لا يفهم الآخر أو لا يعرفه، وأنّ هذا الآخر يأتي، مع ذلك، من عالم مجهول ويعبّر المحيط الأطلسي لملاقاة الذّات في العالم المعروف (أمريكا)، مع أنّه آخر خضع لسيطرة الغرب، وخضع  لمعرفته حين أصبح موضوعا لتلك المعرفة. وحين يقول الخطاب الغربي أنّه لا يفهم الإسلام  فإنّه (يعرف ما يجهله)، لكنّ الرّأي العام (يجهل ما يعرفه)، وكان المفترض أن هذه العمليّة غير قابلة لأن تعكس. الغرب هو من عبر المحيط الأطلسيّ واكتشف عالما مجهولا يعيش فيه (آخر) في قارة لم تكن مكتشفة..(أمريكا)..وليس العكس، ويؤرّخ لتلك الحادثة كبداية للعصر الحديث. ومقابل مغامرة الفاتح بحياته، يصبح سيّدا، ولأنّ الآخر لا يموت يصبح عبدا، هذه هي (جدلية السّيد والعبد). ومثل كلّ فكرة هيغليّة، دفعها ماركس إلى منتهاها حين يكتشف السّيد والعبد، في مرحلة لاحقة، أنّ كلّ منهما قادر على الحلول مكان الآخر، وككلّ فكرة ماركسيّة فإنّ الرأسماليّة تقاوم بلوغها. يقول ميشيل فوكو: “من أجل معرفة الجنون كان لا بدّ من عزله أوّلا، وربّما يمكننا القول كذلك بأنّه لمعرفة الحضارات الأخرى غير الغربيّة، أو البدائيّة، كان علينا ليس تهميشها وحسب، ولا التّعالي عليها فقط، بل استغلالها واحتلالها وأحيانا بالعنف، لإبقائها صامتة. لقد قمعنا الجنون، والنّتيجة أنّنا صرنا نعرفه، وقمعنا الحضارات الأجنبيّة وكنتيجة أصبحنا نعرفها، ويمكننا القول أنّ الجنس كان مقموعا ثمّ عرف من خلال التّحليل النّفسيّ وعلم الأمراض النّفسيّة، وإذن فإنّ أطروحتي هي التّالية إنّ شموليّة معرفتنا تمّ الحصول عليها على حساب إقصاءات، وحظر، وإنكار، ورفض، وعلى حساب نوع من الوحشيّة في ما يتعلّق بالحقيقة”(6). وكلمات فوكو واضحة، لكنّنا نحتاج قراءة ثانية للانتباه أنّ فوكو يؤكد ليس على قمع (الآخر)، فهذا معروف، بل على المعرفة النّاتجة عن قمع (الآخر)، فالغرب الّذي جهل الطّبيعة ثمّ سيطر عليها، تعامل معها (كآخر)، ثمّ تعامل مع الآخر (كطبيعة) غير مفهومة وسيطر عليه وعرفه. والغرب يستنفد اليوم جهله (للآخر)، ويكاد يستنفد جهله للطَّبيعة، لكنّه يكرّر المسار عند نقطة معينة بدل مواجهة المستقبل، فقول الغرب أنَّه لا يفهم المسلم ولا يعرف طبيعته، هو (جهل) لم يعد متاحا للغرب، فالعربي المسلم لم يعد مجهولا ولا عصيّا، وذلك بسبب سياسات أوروبا تاريخيًّا وسياسة أمريكا في الحقبة الماضية القريبة والَّتي لم توفّر سلاحا، ولا هدنة، ولم تهدأ قبل امتلاك المعرفة الكاملة عنه وإلحاق الهزيمة الشّاملة به. وسادت حينها صورة نمطيّة سلبيّة عن العرب في الثّقافة الشعبيّة ووسائل الإعلام الغربيّة وخصوصا السينما (الهوليوديّة) الَّتي أنتجت قبل خمسة وعشرين عاما (900) فيلم مسيء للعرب (بحسب إحصاء جاك شاهين). وقد بلغ الآخر العربي والمسلم من الضّعف اليوم حدًّا يجعله قابلا (للإيحاء) و(تحقيق النّبوءة) بخطاب متطرّف يلبي توقّعات الغرب منه.  ولو دقّقنا في شخصيات المتطرّفين وأقوالهم وظهورهم الإعلامي لوجدناه متطابقا مع سيناريو تلك الأفلام الهوليوديّة، أي أنّ (الصّورة) الّتي كانت غير مطابقة للوقائع في حقبة سابقة وكانت كاذبة، صارت (واقعا) مطابقا للصّورة الآن وأصبحت صادقة، مع أنّ (الآخر) لم يعد متحدّيا للذَّات، لكنّ (الذَّات) ما تزال متحدية (للآخ) وكأنّها تريد محو أفعالها السّابقة، لتعيد الأفعال نفسها من جديد كأفعال معقلنة وليس كمغامرة أولى. وعلى الرّغم – بل ربّما بسبب – أنَّ النّتائج  في المرّة الأولى كانت ناجحة إلاّ أنّها لم تكن محسوبة وتبحث الذّات الغربيّة بأيّ ثمن عن مقاومة محسوبة يمكن السّيطرة عليها من أجل استعادة صورتها الأولى عن نفسها والحفاظ عليها، مثلما يتمّ التّرويج للاعقلانيّة طالما يسيطر العقل عليها. إنّ الغرب يعيد إحياء (آخريّة) العربي المسلم ليس (كآخر) حقيقي ولكن كرمز (حقيقي) لكلّ آخر ويخوض حروبا ضدّ عالم لا يقوى على الدّفاع عن نفسه في سبيل ديمومة الغرب ومقاومة بلوغ نهاية للسّيطرة على عالم ..مسكون بالآخرين.

ليست هناك أيّة نظريّة كي يستند التّحليل السَّابق إليها، وما هو موجود شموليّة الرّسالة السّياسيّة الإعلاميّة الملتبسة (الّتي تقول كلّ شيء ولا تفسّر شيئا)، صفوف المثقّفين والكتّاب، ولم يعودوا يخضعون الأحداث الرَّهيبة للمسائلة، ماعدا قلّة منهم مازالت متمسّكة بالواجب الثّقافي، ويعتبر (تشومسكي) أشهرهم والَّذي – لذلك – يسمّى بكاتب ( نظريّة المؤامرة)، رغم أنّه لا يفوت مناسبة للقول أنَّه – هو أيضا- لا يؤمن بنظريّة المؤامرة، هذا الاتّهام السّاخر الَّذي صار نمطيًّا والَّذي يبدو الجدال حوله أنّه رفض أو (تبنّي)، لوجود..أو (عدم وجود) مؤامرة، لكنّه رفض أو تبنّي ينصبّ على  كلمة (نظريّة) وليس على كلمة (مؤامرة)، أي أنَّه ليس تأكيدا لعدم  وجود مؤامرة، بل.. رفض للتَّنظير، ولو أمكن إجراء استقصاء للرَّأي بين مستخدمي تهمة نظريّة المؤامرة ردا على كلّ تفسير يذهب إلى وراء ما هو مرئي مباشرة من الأحداث الجارية، لتبيّن أنَّهم يؤمنون بعدد لابأس به من نظريات المؤامرة، من (فرسان الهيكل)..إلى مؤامرة الثَّورة الفرنسيَّة.

********

هامش:

1- هربرت ا شيللر: المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، عالم المعرفة، الكويت، 1986.

2- جاك لا كان: البنيوية ومابعدها: تحرير جون ستروك، ترجمة محمد عصفور، عالم المعرفة، الكويت، 1996.

3- رولان بارت: لذة النص، ترجمة محمد الرفرافي ومحمد خير الرفاعي، مجلة العرب والفكر العالمي، بيروت، 1990.

4- مدخل إلى علم الاجتماع ج2: مجموعة مؤلفين، باشراف ريمون بودون، ترجمة وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، 2007.

5- جان بودريارد وإدغار موران: عنف العالم، ترجمة عزيز توما، دار الحوار، سوريا، .2007

6- ميشيل فوكو: مقابلة مع التلفزيون الألماني.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق