مدخل إلى فكر محمد عابد الجابري ج (6)

- المنهج والرُّؤية -

ثانيا: مسألة الرؤية في فكر الجابري

أ- التراث: كيف نتعامل معه… كيف نقرأه ؟

تندرج مقاربة السؤال التراثي ضمن سياق المشروع النهضوي العربي المفكر فيه، وبالتالي فإن التعاطي مع هذا السؤال ذو أهمية قصوى، خصوصا إذا ما استحضرنا الخلفيات والأبعاد التي تحركه. ومن ثم فان هذه المقاربة للتراث، أي باعتباره: “كل ماهو حاضر فينا أو معنا في الماضي, سواء ماضينا أم ماضي غيرنا, سواء القريب منه أم البعيد”(1).  قد اتخذت زاويتي نظر:

تذهب أولاهما: إلى القول أن المسألة التراثية هي بمثابة “عصاب جماعي” أصاب المثقفين بعد الهزيمة الحزيرانية 1967، فارتدوا منكفئين إلى التراث يبحثون فيه عن ملجأ نفسي يجبرون به جرح الذات, ومن تأكيد وجودها وتمجيده. بمثل ما رأوا فيه المانع للتغلغل الاستعماري، فكان أن حاولوا الاتصال و الوصل مع هذا التراث.

أما ثانيهما: فتنادي بوجوب قطع أي علائق مع هذا التراث، و طرحه في مكانه من التاريخ, – وبعبارة ” ديكارت” مسح الطاولة- فالتراث لا يعدو أن يكون في نظرهم عائقا من عوائق التقدم.

لقد شكل إذن الهاجس التراثي ملمحا بارزا في الخطاب العربي الحديث منه والمعاصر، لا سواء عند من ينادون باستعادته كمرجعية تقوم الذات على أساسها (التيار السلفي الإصلاحي) ولا سواء عند المنادين بالقطع معه ورفضه ( التيارات التغريبية الليبرالية).

وفي سياق صيرورة الاعتناء بالحقل التراثي تبلورت في منتصف القرن الماضي جهود متوالية, تحاول صياغة وترتيب المتن التراثي من حيث موضوعاته وأسسه المعرفية.

“محاولات تأريخية سعت إلى تجاوز المنظور الاختزالي للتراث نحو إعادة بناء قارته ومعماره بوسائل منهجية جديدة وانطلاقا من تحديد مسافة بينها وبين موضوعاته ومحتواه”(2). مما سمح ببروز أبحاث قطاعية جديدة في مجال قراءة التراث، وقد نشير بالبنان إلى جهود الأستاذ” أحمد أمين” في متونه النصية التي قدمت خلاصات هامة في مجال التحقيب والتصنيف والتبويب والترتيب للمتون التراثية. وكذا إلى مصنف” النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية” للأستاذ “حسين مروة، والذي أصبحت معه المرجعيات والنصوص الماركسية قوالب منهجية  تروم بناء منزع مادي داخل التراث الفلسفي الإسلامي. مما أسقطها في نصية افقدت البحث تاريخيته وسقفه المعرفي- كما يذهب إلى ذلك الأستاذ “كمال عبد اللطيف”.

وفي هذا المخاض، انجلت في السنون الأخيرة, و بالضبط في منتصف العقد الماضي محاولات أجد في التعامل مع المتون التراثية ” وهي محاولات تتميز بوعيها المركب بأبعاد التراث، وأوليات المقاربة المنهجية الجديدة التي تبلورت أدواتها في مدارس الفلسفة والعلوم الحديثة والمعاصرة. وقد باشرت هذه المقاربات عملية مراجعة جديدة للقارة التراثية، انطلاقا من مشروع نقدي يتوخى صياغة حدود معرفية تاريخية وإيديولوجية لمحتوى التراث في علاقته بالزمان, وفي علاقته بالمكونات البنيوية العميقة”(3) لعلنا نكتفي بذكر أحد أهم ممثلين لهذا التوجه, ونلمح هنا إلى الأستاذ ” محمد أركون” ومشروع نقد العقل الإسلامي، والأستاذ “محمد عابد الجابري”  ومشروع نقد العقل العربي.

ومادمنا قد اخترنا أن ينحصر بحثنا هذا في فكر الجابري، فإليه نتوجه بالسؤال عسانا نستشف بعضا من رؤيته للمتن التراثي، وكيفية التعامل معه؟

يرى الجابري أن هذه القراءات السالفة الذكر تقوم على منظور لا تاريخي ابتخاسي أو تمجيدي للتراث، في إيمائه للقراءات الاستشراقوية- لاسواء منها ذات المنهج الفرداني أو التاريخي أو الفللوجي-  والتي وإن اختلفت وتباينت من حيث المنهج، اتفقت من حيث إيمانها بـ”المركزية الأوروبية”.

وكذا للقراءات التقليدية للتراث، والتي نجدها عند المتخرجين من الجامعات والمعاهد الأصيلة كالأزهر بمصر، القرويين بالمغرب، والزيتونة بتونس… والتي تنتج ما يدعوه الجابري “بالفهم التراثي للتراث”. طبيعي والحالة هاته أن يكون نتاج هذه القراءة: “التراث يكرر نفسه”. إضافة إلى القراءات الماركسوية التي تتخذ من المادية التاريخية منهجا ومطبقا تفصل الحقل التراثي على مقاسه(*). وبالتالي تكون هذه القراءة قد قامت على الفهم من خارج التراث.

لقد كال الجابري لهذه القراءات نقدا لاذعا باعتبارها غارقة في آفتي المنهج والرؤية، لافتقادها الموضوعية والنظرة التاريخية. وقد سعى هو في المقابل إلى تقديم محاولة للجواب عن السؤال التراثي بمنهج ورؤية مختلفة.

فكيف تنبني الرؤية  الجابرية في مقاربتها لذات السؤال؟.

يذهب الأستاذ الجابري بادئ ذي بدء إلى أن سؤال التراث، وبالجملة سؤال: كيف نتعامل مع التراث؟ سؤال يحمل في طياته موقفا جديدا من التراث، موقف يفصل التراث عن الذات، ويريد أن يتخد منه موضوعا له. إنه موقف يطمع إلى تحرير الذات من التراث قصد السيطرة عليه،  وبالتالي فالمسألة المطروحة هنا، هي مسألة المنهج؟.

ومادام التراث العربي الإسلامي”يحضر كمفهوم نهضوي في الساحة الإيديولوجية العربية المعاصرة- فأنه يحكمه تناقض بين ثقل حضوره الإيديولوجي على الوعي العربي، وانغماس هذا الأخير فيه. وبين بعده الموضوعي التاريخي عن اللحظة الحضارية المعاصرة، التي يحلم هذا الوعي بالانخراط الواعي فيها. إن هذا يعني أنه تراث غير معاصر لنفسه غير معاصر لأهله.”(4)يضيف الجابري قائلا: إن ما سبق نتيجة تضعنا مباشرة أمام مشكل المنهج في دراسة التراث..

المشكل إذن بالأساس مشكل منهجي في مقاربة الظاهرة التراثية. ومادمنا قد تناولنا في القسم الأول من بحثنا هذا بعضا من ملامح المنهج الجابري فإننا سنكتفي بالإشارة إليه سريعا والتذكير به بما يقتضي السياق.

يتحدد المنهج لدى الأستاذ الجابري، بكونه يرتبط ويتأسس على مشكل” الموضوعية”، – أنظر المقال السابق-  أي لحظة فصل التراث عن الذات، ومشكل الاستمرارية، أي لحظة الوصل، وصله بنا. محيلا في ذلك إلى المستويات الثلاث التي يتوسل بها قراءته النقدية للنصوص التراثية. وهي (المعالجة البنيوية- التحليل التاريخي-الطرح الإيديولوجي). وغير خاف علينا أن الأستاذ الجابري يعي ضرورة مساوقة بحثه النقدي بالاستفادة من المناهج العلمية الحديثة، ومن المحاولات التي يشهدها العالم الغربي والشرقي، في تطبيق المناهج العلمية في فهم التراث. فهو قد تسلح بعدة منهجية سمحت له بإعمال معول النقد، بعقل جديد ومفاهيم حديثة, والتي من خلالها يقول الجابري، نستطيع تمحيص نظرتنا إلى التراث، أي النظر بنظرة جديدة إلى ماضينا وإلى تراثنا. أما إذا كنا نعالج الماضي بعقل ومنهج ماضوي فسنبقى ندور في حلقة مفرغة باستمرار.

لقد أتينا في مستهل هذا المقال إلى طرح مواقف متباينة من التراث وإيضاح الخلفيات الإيديولوجية التي قامت عليها، وذكرنا أسباب انكفاء الباحث العربي إلى التراث باحثا فيه عن ذاته ليؤكدها، وعن ماضيه ليمجده. بيد أننا نجد مع الجابري سببا أخر أو بعبارة أخرى موقفا وتعاطيا آخر لا يتوانى هو في اعتباره مدشنا إياه. يقول في هذا الصدد:” نحن ندشن الآن مرحلة ‘ إعادة بناء الذات’ – لا تأكيدها وحسب- لقد كان التحدي الحضاري الغربي الذي واجه العرب في القرن الماضي (ق 19) من القوة والعنف إلى الدرجة التي جعلت لزاما عليهم أن يتشبثوا بمرحلة من مراحل ماضيهم التي تمنحهم القوة والحصانة للدفاع عن الذات وتأكيدها وبعث الثقة فيها، ولذلك اتجهوا إلى تمجيد التراث والتنويه الذاتي لمواجهة هذا التحدي.

هذه المرحلة طالت وهي الآن بصدد الانتهاء وقد طالت أكثر من اللازم، وليكون القول بكيفية عامة أننا بدأنا ندخل مرة ثانية، مرحلة إعادة بناء الذات، وهي تتطلب موقفا جديدا من التراث يتجاوز التمجيد إلى الحوار النقدي”(5).

تتبدى لنا بجلاء صورة التراث في وعي الجابري أنها موقف نقدي يسعى إلى إعادة بناء الذات. هذا البناء لا يتم ولا يكون له كون, إلا بالدخول في حوار منهجي واعي مع التراث عبر قراءته قراءة موضوعية تاريخية، قراءة تسمح لا بتحقيق قطيعة تامة مع التراث، بل قراءة وصل وفصل، تعيد رسم الخطوط وتوضيحها بين الذات وتراثها، بين الماضي والحاضر والمستقبل.                   الحوار مع التراث- بعبارة ” هيدجر”- والحوار التفكيري النقدي له, من خلال أبعاده الزمانية حوار ثلاثي “الأبعاد”: ” فهو يمتد إلى الماضي فيستذكر, ومن ثم كان حوار’استذكاريا’، غير أنه لا يستذكر ليبقى يجر أذياله وراء الماضي. وإنما يكون للحاضر ناظرا، ومن ثم فهو حوار ‘استحضاري’ . ثم انهمامه بالماضي و الحاضر ما كان من شأنه أن يحجب عنه صفحة المستقبل. وبهذا كان حوارا ‘استشرافيا’، وبالجملة الحوار مع التراث: حوار استذكاري، استحضاري، استشرافي. “(6).

يحدد الأستاذ الجابري التراث باعتباره كائنا ينمو و يتراكم و يتناقض ويتصارع في الحياة ولو أنه ماضي. فكيف ندرس هذا الكائن الحي الميت في الوقت نفسه؟  فهو ميت أي ماضي بالنسبة لنا, لكنه يبقى حيا فينا.

يجيب الجابري بقوله:” في نظري أن ندخل في حوار نقدي مع أسلافنا وذلك من أجل فهمهم فهما أعمق، وربطهم بنا بشكل من الأشكال كلما كان ذلك ممكنا. وبعبارة أخرى، إنني أعتقد أنه علينا في المرحلة الراهنة أن نجعل مقروءنا التراثي هذا معاصرا لنفسه بمعنى أن لا نحمله ما لا يستطيع، أن نفهمه في ضوء محيطه التاريخي ومجاله المعرفي وحقله الايديولوجي، هذا من جهة ومن جهة أخرى علينا أيضا أن نجعل مقروءنا التراثي هذا معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية. ” (7)

تلكم هي رؤية الأستاذ الجابري في دراسة التراث، وهو يقف على نقيض القول الذاهب إلى استبعاد التراث والفصل المنهجي التام معه، وهو حال لسان بعض المفكرين اللذين يلغون هكذا بجرة قلم أو بشطحة فكر التراث كله. فهذا الموقف، موقف لا تاريخي لا منهجي، ذاك أن الشعوب لا تنتظم إلا في إطار تراثها، فالتراث في آخر المطاف جزء منا ونحن جزء منه.

ولا يمكن أن يكون هناك فصل دون أن يكون هناك في البدء وصل، إن انفصالنا عن التراث يقتضي وصله بنا فلا يمكن تصفية الحساب معه هكذا دون قراءته بروح نقدية.

يقول الأستاذ ‘ كمال عبد اللطيف’ أن الروح الناظمة – للمشروع الفكري للأستاذ الجابري- وأوجهه الجامعة، تتمحور حول الدعوة ” إلى الانفصال عن التراث عن طريق الاتصال به ذاك أن الجابري يرى استحالة الفصل دون وصل.” (8)

إن الجابري يعتقد اعتقادا جازما أن الثقافة، أي ثقافة لا يمكن أن تتجدد إلا من داخلها وأن تجديد الحقل التراثي لا يمكن أن يتم إلا بقراءته بموضوعية ومعقولية، بمعقولية أي يجعله معاصرا لنا كل المعاصرة وذلك عن طريق وصله بنا، وبموضوعية أي بجعله معاصرا لنفسه بما يقتضي فصله عنا. وهذا لا يتأتى إلا بما عبرنا عنه سابقا بالحوار مع التراث، الحوار النقدي، الحوار العقلاني، الحوار الاستملاكي. ففي المتون التراثية عناصر ومعطيات إذا ما حاورناها خرجنا منها بفوائد تفيد تقدمنا ونهضتنا.إذ نجد في القارة التراثية عناصر “قابلة للتطوير وللحياة، وأخرى انتهى أمرها بانتهاء لحظتها في سلسلة التطور. إن التراث خزان للأفكار والرؤى والتصورات تأخذ منه الأمة ما يفيدها في حاضرها أو ما هو قابل لأن يعين على الحركة والتقدم. لا بد إذن من الاختيار, ومعيار الاختيار هو دائما اهتمامات الحاضر والتطلعات المستقبلية.”(9)

ملاك الأمر في هذا القول. أن الجابري يرى أن استملاك التراث استملاكا يقودنا إلى التحرر، وهو ما يعبر عنه في معظم كتاباته بلفضي’ الفصل والوصل’. فصل التراث ووضعه في مكانه التاريخي ونقده وترتيبه في نظام الحياة التي عاشها، ومن ثم وصله بنا أي إعادته كشيء لنا، هو السبيل الذي يجعلنا نتحرر من سلطة التراث علينا كي نمارس نحن سلطتنا عليه. والمسألة تحيلنا في النهاية إلى الاختيار من بين النماذج والتصورات التي يزخر بها تراثنا العربي الإسلامي.

فما هي الاختيارات التراثية التي ينتصر لها الجابري بعد قراءته النقدية للتراث؟

لا يخفى على كل من له إطلاع بالفكر الجابري تعلقه الشديد وتأثره الأشد والمباشر بعلمي الفكر والفلسفة الإسلاميين: ” ابن رشد و ابن خلدون”(*).  فقد لقد وسم الرجل بميسميهما حتى أضحى يوصف أنه ذو منزع رشدي معلن وواضح. وأنه خلدوني لدرجة أن مقدمته الشهيرة رافقته طيلة مسيرته الأكاديمية والفكرية.

” لقد وجد الأستاذ الجابري ضالته بداية في تيار الفلسفة المغربية في الأندلس، ثم ما لبث أن تعلق بأشد تعلق يكون وأشغفه ‘بابن شد’ أو ما أسماه ‘العقلانية الرشدية’ التي حاول إعادة بناء أفكارها واستلهام روحها. وهو ما يتبدى في عبارته التي أطلقها سنة 1997: “في حاجتنا إلى ابن رشد”. وذلك لما هو طالب بإعادة الاعتبار إلى هذا المفكر الذي يكاد مهمشا نسيا منسيا في ثقافتنا بالرغم من أنه شكل النقطة المضيئة في تراثنا”(10).

فكيف نستفيد من ابن رشد؟ وهل تصلح مادته المعرفية و مواقفه الإديولوجية لزماننا هذا، لطموحاتنا هاته؟

في واقع الأمر ليس هذا ما يقصده الجابري”… إن هذه المادة- الرشدية- ماتت بفعل عوادي الزمن, ومن شأن المادة المعرفية أن تموت مهما هي صمدت، غير أن من شأن الروح أن تضل دوما حية, “روح فكره النقدي العقلاني”. إن ابن رشد ذو نزعة عقلانية وروح نقدية. من ثم فالحاجة الحداثية اليوم هي حاجة استعادته كنقطة مضيئة في تراثنا”(11).

إن الجابري كما أومأنا إلى ذلك سلفا ينتصر للمدرسة الفلسفية المغربية العقلانية بريادة ابن رشد. على المدرسة اللاعقلانية المشرقية مع ابن سينا. وعن هذا الاصطفاء للمدرسة الرشدية يقول الجابري:” إن الروح الرشدية يقبلها عصرنا, لأنها تلتقي مع روحه في أكثر من جانب، في العقلانية والواقعية والنظرة الأكسيومية والتعامل النقدي. تبني الروح الرشدية يعني القطيعة مع الروح السينوية الغنوصية الظلامية.”(12)

أما ثاني اثنين في الانتقاء الجابري هو صاحب المقدمة ” ابن خلدون” الذي لا يخفي الجابري كلما سمحت الفرصة، اعجابه به وبما يسميه” وعيه التاريخي الحاد” ونظرته التاريخية الثاقبة. يحدثنا الجابري عن الخلدونية كإشكالية نظرية تعيش هي الأخرى بصورة من الصور داخل اشكالياتنا الفكرية المعاصرة. وهو ما يجعل الخلدونية في الحقيقة قابلة لأن تبعث من جديد، وذلك في الحقيقة هو السر في ‘الانبهار’ الذي مازال يمتلكنا كلما قام بيننا وبين مقدمة ابن خلدون حوار ما”(13). وفي موضع آخر يقول:” وإذا حدث أن قرأنا مقدمة ابن خلدون أو أعدنا قراءتها انبهرنا وتعجبنا وأحسسنا بأنها فعلا أقرب منا إلى أنفسنا وأن ابن خلدون العظيم يحدثنا عما لم نعد بعد قادرين على الكلام فيه، ويفضح أمامنا واقعا لم نستطع بعد تغييره.”(14)

كثيرة هي النصوص والمواقف التي تبين استلهام الجابري وانبهاره بالروح الرشدية العقلانية النقدية، وبالوعي الخلدوني التاريخي الحاد. و الحق أننا نجد في المشروع الجابري أسماء أخرى – ذات منزع عقلاني نقدي برهاني تجديدي- ( الشاطبي، ابن حزم، ابن تومرت، ابن الهيثم، أبو إسحاق البطروجي… وغيرهم). يثني الجابري على منحاهم النقدي وأثرهم في الثقافة العربية الإسلامية وامكانية استلهام روح أفكارهم.

نكون هنا قد قدمنا محاولة لتبيان موضوع العنوان المسطر أعلاه لهذا المقال، وفي ما يلي  جمع لشتات القول السابق:

التراث العربي الإسلامي بمعناه المعاصر ودلالته الحديثة. أي كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي القريب منه أو البعيد وبعبارة أخرى المعرفي والإيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتهما الوجدانية, في الثقافة العربية الإسلامية. تراث ينبغي حسب الجابري النظر إليه من زاوية منهجية معاصرة، تقوم على أساس من الموضوعية أي لحضتي الفصل والوصل. وقراءته في ضوء المستويات الثلاث: (المعالجة البنيوية- التحليل التاريخي-الطرح الإيديولوجي). لتتحصل لنا رؤية علمية نقدية عقلانية للتراث، تجعلنا نخرج من الحلقة المفرغة والجامدة التي كرستها القراءات التقليدانية السلفية، وتجديد تعاملنا مع تراثنا ومن ثم استملاكه والسيطرة عليه. والسبيل إلى ذلك الإقتداء بروح الرواد النقدية وهم على الأخص ابن رشد وابن خلدون. هي ذي إذن قوام الرؤية الجابري. بله جوابه عن السؤال القديم الجديد… كيف نتعامل مع التراث؟     إن السؤال السالف الذكر سؤال مثنوي مزدوج، إذ لا يستقيم الحديث عنه دون و جهه الآخر وهو سؤال الحداثة. إذ أن سؤال الحداثة والتراث، يمثلان رافدين أساسين يصبان في آخر المطاف في إشكالية واحدة هي” إشكالية النهضة”.  سؤال الحداثة سؤال ملازم للتراث، إنهما يندرجان معا داخل فضاء الفكر العربي الحديث والمعاصر. وإلى هذا السؤال سنتوجه الآن  بالسؤال؟                                                                                     ********

الهوامش:

(1)- محمد عابد الجابري: التراث والحداثة، مرجع سابق، ص 45.

(2)- كمال عبد اللطيف: نقد العقل أم عقل التوافق، مرجع سابق، ص 1.

(3)- نقد العقل أم عقل التوافق، المرجع السابق، ص 21.

(*)- نومئ هنا بالخصوص لمصنفات حسين مروة وطيب تيزيني وحسن حنفي وعلي أومليل… وغيرهم

(4)- التراث والحداثة، مرجع سابق،  ص 31.

(5)- مواقف العدد 15 – مرجع سابق – ص 42- 43.

(6)- محمد الشيخ: مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، منشورات الزمن، سلسلة شرفات، عدد 13، الدار البيضاء، ص 127.

(7)- مواقف عدد 15، مرجع سابق، ص43.

(8)- نقد العقل أم عقل التوافق، المرجع السابق- ص 12- 13.

(9)- التراث و الحداثة، المرجع السابق – ص 37- 38.

(10)- محمد الشيخ- مقال جاذبية الحداثة ومقاومة التقليد… الفكر المغربي في مفترق طرق، ضمن مجلة عالم الفكر المجلد 34 / 2006، المجلس الوطني للثقافة و الفنون والآداب، الكويت، ص 267 – 268.

(11)- المرجع السابق، ص 268.

(12)- نحن و التراث- المرجع السابق- ص 52.

(*)- فيما يخص ابن رشد: فقد أعاد مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت نشر أعمال ابن رشد تحت إشراف الأستاذ الجابري مع مقدمات و شروح و تعاليق… كما أن للجابري كتاب حول ابن رشد و ابن حنبل بعنوان” المثقفون في الحضارة العربية- محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد-… اظافة إلى كتاب بعنوان” ابن رشد سيرة وفكر”….

أما فيما يخص ابن خلدون: فبالإظافة إلى دبلوم الدراسات المعمقة و أطروحة دكتوراه الدولة اللتان كانا حول ابن خلدون و فكره  فللأستاذ دراسات أخرى أهمها دراستين ضمنهما كتابه” نحن و التراث”…

(13)- نحن والتراث، المرجع السابق ص 321.

(14)- المرجع السابق، ص 326.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق