مدخل إلى فكر محمد عابد الجابري ج (7)

- المنهج والرُّؤية -

ثانيا: مسألة الرؤية في فكر الجابري

ب الحداثة: العقلانيّة والديموقراطيّة

ما الحداثة …؟

  لقد آثرنا أن نبدأ نبشنا هنا بطرح سؤال شامل وعميق “ما الحداثة؟” . ولقد اخترنا في تلمسنا -كمحاولة للإحاطة بهذا السؤال- الجواب من الأستاذ “محمد سبيلا” ذاك أننا- وفي حدود علمنا- نقرأ حضور الهاجس الحداثي والتفكير في مسألة الحداثة, كعصب أساس في كتابة الأستاذ سبيلا وأطروحاته. حتى صار هو يوسم بالمفكر الحداثي,. وصار البحث فيها يرتبط به استشكالا وتنظيرا وتفكيكا.(*)

نبدأ مع الأستاذ محمد سبيلا باعتبار الحداثة من الناحية المعجمية -كما تفيد ذلك المعاجم العربية- تعني:” الآن.. الراهن، المعاصر الجديد … حداثة الشيء طفولته جدته وصغر سنه” هذه المستويات الدلالية الأولى للمصطلح ‘حداثة’ كما هو متداول في لغتنا وخطاباتنا وكتاباتنا. وأعتقد أنّ الأدب والنقد الأدبي لا يبتعد كثيرا عن هذا المعنى، فالحداثة في الأدب هي تقييد الأنماط التعبيرية الجديدة المكسرة للأنماط القديمة وللبنيات السردية القديمة)…(. فالحداثة الأدبية تعني على وجه العموم أنماط وأشكال التعبير والإبداع الجديدة )…(، أما الحداثة على المستوى الفلسفي والفكري وهو المستوى الأعمق في الحداثة( فهي ذات دلالتين كبيرتين:

 أولاهما تاريخيّة:  حيث تشير الحداثة إلى فترة تاريخية ومرجعية لأوربا ابتداء من القرن 15 م إلى القرن 19 م، مع ما صاحب هذه الفترة من أحداث مفصلية كبرى كاكتشاف العالم الجديد. والكشوفات الجغرافية والإصلاح الديني في أوربا والنهضة وفكر الأنوار…

وثانيهما فكرية وفلسفيّة: حيث يشير مصطلح الحداثة إلى بنية فلسفية وفكرية تمثلت في الغرب في بروز النزعة الإنسانية بمدلولها الفلسفي الّتي تعطي للإنسان قيمة مركزية ومرجعية أساسية في الكون. وكذا في بروز نزعة عقلانية أداتية صارمة في مجال المعرفة والعمل معا، حيث نشأت العلوم الدقيقة الحديثة والعلوم الإنسانية الحديثة والنزوعات الحديثة على أساس معايير عقلانية صارمة. سواء تعلق الأمر بالعقلنة في مجال المعرفة، أو بعقلنة وترشيد الاقتصاد والإدارة، أو بالعقلنة القانونية والحقوقية، هذا بالإضافة إلى بعض السمات الملازمة والمتمثلة في غياب المعاني والقيم الكبرى…”(1)

انسحبت الحداثة من مختلف المجالات وشدت بحبالها إليها مختلف الأطياف “من اقتصاد وسياسة، واجتماع، وثقافة وسلوك…” ويبقى المستوى الأعمق في الحداثة هو المستوى الفلسفي الذي يقوم بناءه على العلم والعقلانيّة، ويبقى المستوى الجوهري فيها هو المستوى السياسي الذي يقوم على الحرية والديموقراطية، في حين نجد مستواها الأصعب هو المستوى السلوكي.

لقد تقصدنا من إيراد هذه التعريف والإيضاحات والمستويات لمسألة الحداثة- على لسان الأستاذ محمد سبيلا- كشف ورقة التوت عن هذا المفهوم/الإشكال . حتى إذا أتينا إلى الحديث عنها من زاوية نظر جابرية. كان حديثنا عن معلوم معرف وليس عن غائب مجهول. فإلى الجابري نتوجه الآن…

كنا قد أشرنا في ختام المقال السابق- التراث وكيفية التعامل معه- أن السؤال التراثي في خطاب الجابري هو سؤال مزدوج، وأنه يطرح القضية التراثية كقضية مثنوية ترتبط في وجهها الآخر ارتباط معلول بعلة مسألة الحداثة “التي تسكن الفكر العربي منذ قرن من الزمان لم يتمكن بعد من تجاوزها…”(2) . ” إن سؤال الحداثة سؤال متعدد الأبعاد، سؤال موجه إلى التراث بجميع مجالاته وسؤال موجه إلى الحداثة نفسها بكل معطياتها وطموحاتها، إنها سؤال أجيال… سؤال متجدد بتجدد الحياة.”(3)

لقد تحصل لدينا إذن أن السؤال مزدوج والقضية مثنوية  فلا يمكن إثارة وجه دون الآخر ولا يمكن الإلتفات لجهة ونسيان أخرى.كيف نتعامل مع هذا السؤال؟ كيف نقرأه؟.

نسارع إلى القول أنه إذا كان التراث يستوجب علينا تحديثا على مستوى المنهاج والرؤيا والذي يستوجب بدوره الدخول في حوار نقدي مع التراث. فالوجه الآخر لهذه الضرورة التعاملية مع التراث هي وجوب الدخول في حوار نقدي مع الحداثة. فالحوار النقدي مع التراث والحداثة( يكون بقراءتهما في تاريخيتهما ومحاولة فهم مقولاتهما ومفاهيمهما في نسبيتهما. إنه السبيل لتجاوز الفهم التراثي للتراث إلى فهم حداثي للتراث، أو ما يدعوه الجابري بالارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه بالمعاصرة أي مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي أي مواكبة حركة الحداثة.

والحال أنه لما كان السؤال الحداثي سؤالا متعدد الأبعاد فإن الجابري إختار أشد أوجهه استشكالا وهو وجه صلته بالتراث .” فما فتئ الأستاذ الجابري يذكر على أن مشروعه الفكري كان هو دوما خدمة لمسألة الحداثة، إلا أن هذه الخدمة عنده ما كانت لتمر إلى بواسطة التأصيل للحداثة في ثقافتنا العربية، وما كان لهذا التحديث أن يتم إلى بتوسل تحديث تعاملنا مع التراث وتوسطه…” (4). في هذا الصدد يقول الجابري:”إنّ الحاجة إلى الاشتغال بالتراث تمليها الحاجة إلى تحديث كيفية تعاملنا معه خدمة للحداثة وتأصيلا لها، وهذه وجهة نظر عبرنا عنها منذ بداية اشتغالنا بالتراث منذ منتصف السبعينيات”(5)

الهاجس الذي يحرك فكر الجابري هو كيف نعمل على تأصيل الحداثة فهذه الأخيرة غربية الأصل أوربية المولد، فكيف السبيل إلى بناء حداثة عربية؟ والواقع أن الجابري لا يحتار في تقديم الأجوبة عن الأسئلة المطروحة، فقد أتى كتابه “التراث والحداثة” كمصنف ينضح برؤية جابرية لذات المسألة، لذات السؤال…

يحدثنا في كتابه السالف الذكر عن الحداثة كظاهرة وعن الحداثة كتاريخ حين يقول:” الحداثة ظاهرة تاريخية، وهي ككل الظواهر مشروطة بظروفها محدودة بحدود زمنية ترسمها السيرورة على خط التطور…”(6)

ينتج عن هذا القول مشروطية الحداثة ومحدوديتها وبالتالي اختلافها من مكان إلى آخر من زمن إلى آخر، وبهذا تتباين الحداثة العربية عن الحداثة الغربية، عن الحداثة اليابانية، عن الحداثة الهندية…إلخ. دون أن يعني هذا التباين الانسلاخ عن المسار الكوني والسياق الإنساني بل نفهم منه تلك الخصوصية التي تنهل في نفس الوقت من الانسانية ومن العالمية، يقول الجابري فيما يجري مجرى هذا الكلام: ” فهي- الحداثة- تختلف من مكان إلى آخر من تجربة تاريخية إلى أخرى . في أوروبا اليوم يتحدثون عن ما بعد الحداثة باعتبار أن الحداثة مرحلة ظاهرة انتهت مع نهاية القرن 19 بوصفها مرحلة تاريخية قامت في أعقاب عصر الأنوار قبل القرن 18, هذا العصر الذي جاء هو نفسه عقب عصر النهضة في ق 16، أما في العالم العربي أن النهضة والأنوار والحداثة لا تشكل عندنا مراحل متعاقبة بتجاوز اللاّحق منها السابق  بل هي عندنا متشابكة متزامنة ضمن المرحلة المعاصرة التي تمتد بدايتها إلى ما يزيد عن مائة عام )…( إن الحداثة عندنا هي النهضة والأنوار وتجاوزهما معا…” (7).

كيف يكون هذا التجاوز…؟ سؤال نرجئ الحديث عنه إلى حين استكمال رؤية الجابري وإن كان هو بذاته متم هذه الرؤية. يذهب بعض القائلين بضرورة القطعية مع التراث إلى اعتبار أن الاشتغال بالمتون التراثية من شأنه أن يعيق سير الحداثة والتحديث وأن الاهتمام بالأول يكون على حساب الثاني. والحال أن هؤلاء يصدرون عن رؤية ضيقة ونزعة فردانية متعصبة، وهم واقعين تحت تأثير اغتراب ثقافي واضح المنزع وميل للفردانية – من حيث هي روح الحداثة الغربية- ميلا لا سبيل للشك فيه. والحق أن المسألة إذا ما طرحت في سياق تحليلي عقلاني ستصبح غير ذات موضوع. فـ”الحداثة على الرغم من الأهمية التي تعطيها للفرد كقيمة في ذاته، ليست من أجل ذاتها بل هي دوما من أجل غيرها من أجل عموم الثقافة التي تنبثق فيها. الحداثة من أجل الحداثة لا معنى لها. الحداثة رسالة ونزوع من أجل التحديث، تحديث الذهنية. تحديث المعايير العقلانية والوجدانية، وعندما تكون الثقافة السائدة ثقافة تراثية فإن خطاب الحداثة فيها يجب أن يتجه أولا وقبل كل شيء إلى التراث بهدف قراءته وتقديم رؤية عصرية عنه. إن اتجاه الحداثة بخطابها بمنهجيتها ورؤاها إلى التراث هو في هذه الحالة، اتجاه بالخطاب الحداثي إلى القطاع الأوسع من المثقفين والمتعلمين، بل إلى عموم الشعب، وبذلك تؤدي رسالتها. أما التقوقع في فردية نرجسية فإنه يؤدي حتما إلى غربة انتحارية، إلى التهميش الذاتي.(8)

يقف الجابري على الطرف النقيض من الرؤى الداعية لنسخ الحداثة الغربية وغرسها بشكل ميكانيكي داخل التربة العربية، إذ أن مثل هذا القول لا يستحضر خصوصية وتاريخية كل حضارة. وإنما يخلط الحابل بالنابل تحت غطاء من الكونية والعالمية. هذا ونستطيع القول أن الجابري يذهب في مقاربته إلى الدعوة إلى نقد مزدوج، نقد التراث ونقد الحداثة في فكرنا ووعينا. هذا التأصيل الذي يقصد منه الجابري: عملية تبيئة ثقافية، تقوم كمحاولة ” لإرساء المرجعية داخل ثقافتنا من المفاهيم التي تشكل قوام الحداثة. وذلك بربطها بما يكون لها من أشباه ونظائر في تراثنا وإعادة بناء هذه بطريقة تجعل منها مرجعية للحداثة عندنا…” فهذا التأصيل وإعادة البناء للذات وللآخر ونقد الذات وللآخر معا يكفينا شر الإنسياق وراء التبعية والاجترار لما ينتجه الآخر.

نملك الآن إمكان العودة إلى الجواب على السؤال  المرجئ إذ نقول أن ما يسمح حسب الجابري بقيام تجاوز للمراحل التاريخية المنضغطة انضغاطا في فضاء الفكر العربي الإسلامي. “إعادة البناء” الذي يقوم على أساس سمتين تشكلان مظهرين من مظاهر الحداثة.

أولاهما: العقلانية وثانيهما: الديموقراطية، إنهما العمود الفقري للحداثة، “والعقلانية والديموقراطية ليستا بضاعة تستورد بل هما ممارسة حسب القواعد، ونحن نعتقد أنه ما لم نمارس العقلانية في تراثنا وما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا حداثة ننخرط من خلالها بالحداثة المعاصرة العالمية كفاعلين وليس كمنفعلين…”(9)

هذه العقلانية التي هي عقلانية نقدية في جوهرها. فبممارستها ” في تراثنا بالمعطيات المنهجية لعصرنا نتمكن من خلالها زرع الروح النقدية في ثقافتنا العربية المعاصرة، هذه الروح شرط أساس لكل حداثة. وهل يمكن تحقيق حداثة من دون سلاح العقل والعقلانية وهل يمكن بناء نهضة من دون عقل ناهض؟ ” (10).

إن من يعارض قيام العقلانية بدعوى أنها تفرض النظام وتعمل على تقييد الحرية أو يعادي العقلانية ويطعن فيها في حال مثل حالنا، هذا السلوك ” لا يمكن إيجاد مكان له خارج ظلام اللاعقلانية، فمن يضع رجله فيها يحكم على نفسه بالعمى.

العقلانية ليست مصباحا يوقده الإنسان وسط الظلام وحسب، بل يضطر إلى التجوال به في واضحة النهار”(11). وبالديموقراطية وحدها يمكن تجاوز السلوك القدامي، سلوك القطيع وعصا الراعي. إن الجابري يعلن بكل وضوح إيمانه العميق بضرورة العقلانية والديموقراطية وما فتئ يدعو إليهما. إنهما قوام نظرته للحداثة.

يقول:” تلك هي وجهة نظرنا في الحداثة كما يجب أن تكون، إنها قبل كل شيء العقلانية والديموقراطية والتعامل النقدي مع جميع مظاهر حياتنا. والتراث من أشدها حضورا ورسوخا.” (12)

الحداثة والتراث وجهان لعملة واحدة هي “إشكالية النهضة” وهو ما ستنتاوله في المقال القادم.

*******

الهوامش:

(*)- للأستاذ محمد سبيلا عدة مصنفات تتناول مسألة الحداثة منها: الحداثة وما بعد الحداثة- النزعات  الأصولية و الحداثة – المغرب في مواجهة الحداثة – دفاعا عن العقل و الحداثة- أمشاج…

(1)- محمد سبيلا: دفاعا عن العقل والحداثة، منشورات الزمن، عدد 39، ص 22/23.

(2)- الجابري: التراث والحداثة، المرجع السابق، ص 10.

(3)- التراث والحداثة، مرجع سابق، ص 11.

(4)- محمد الشيخ: مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، منشورات الزمن، سلسلة

شرفات، عدد 13، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، ص 133.

(5)- التراث والحداثة، المرجع السابق، ص17.

(6)- المرجع السابق، ص 16.

(7)- المرجع السابق، ص 17.

(8)- المرجع السابق، ص17.

(9)-  المرجع السابق، ص18.

(10)- المرجع السابق، ص18.

(11)- التراث والحداثة، المرجع السابق، ص18.

(12)- المرجع السابق، ص18.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق