مغامرو البحار يروون في متحف مارسيليا قصّة الحضارة المتوسطيّة

تتشابه بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط في الكثير من الأشياء لعلّ أهمّها الزراعات والصناعات الخزفيّة والغذائيّة، بل قد يكون هناك تشابها في بعض العادات والتّقاليد الاجتماعيّة إلى حدّ مّا. فمن الجزائر وتونس ولبنان وسوريا وصولاً إلى سواحل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا واليونان نجد الاهتمام الكبير بشجر الزيتون وصناعة الصّابون والنّبيذ وزراعة القمح على وجه الخصوص.

هذا ما يمكن معاينته في معرض متحف مارسيليا البحري LE MUCEM تحت عنوان “Aventuriers des mers”، أي “مغامرو البحار”، والّذي تمّ تنظيمه بالشّراكة مع معهد العالم العربي وبدعم من ” Groupama Méditerranée ” ومؤسّسة “توتال”. في هذا المعلم التّاريخيّ يمكن للزّائر مشاهدة عشرات المقتنيات الّتي تدلّ على نمط العيش عبر مراحل متنوّعة من التّاريخ المتوسطيّ.

فمنذ الأعوام الواقعة بين 9000-8500 قبل ميلاد المسيح، بدأ الإنسان استخدام الطبيعة وترويض الحيوانات والاستفادة من النّباتات في منطقة الشّرق الأوسط (الّتي تسمَّى منطقة الهلال الخصيب). اكتشاف الزّراعة هنا أدى تدريجيا إلى ظهور طرق الرّي والحرف اليدويّة ورسم الحيوانات والكتابة على الصّخور والجلود. هذا التّطور أسس لحالات من الاستقرار السكاني ساهمت في خلق المجتمعات ذوات البنى العلائقيّة الواضحة.

العرب وصناعة الكحول

تروي بعض مقتنيات المعرض والوثائق المعروضة كيف بدأت عملية التقطير في العام 3500 قبل الميلاد في ميزوبوتاميا (وهي تسمية يونانية للمنطقة الواقعة ما بين النهرين أو بلاد الرافدين)، وكيف تطوّرت على يد الكيميائي العربيّ جابر بن حيان الّذي قام بتحسين عمليات التّقطير وأصبح معه ممكنا فصل المواد الكيميائيّة الذّائبة في السّائل عن طريق جمع البخار من الماء المغلي. وتمت صناعة الكحول والعطور بهذه الطريقة. لهذا يحتوي المعرض على وسائل وأواني ومعدّات خاصّة بصناعة النّبيذ في دول عديدة مثل إيطاليا وفرنسا وتونس واليونان ولبنان إلخ.

حكاية زيت الزيتون

كذلك الزيتون (Olea euroea باللّغة اللاتينية) والّذي يحتل حيزا مهما من المكان إلى جانب سنابل القمح وخوابي النّبيذ. تؤكّد وثائق مؤرشفة في المعرض أنّ شجرة الزيتون تنقسم إلى نوعين أو سلالتين: الزيتون البري والزيتون المزروع. وقد مرّت نبتة الزيتون بمراحل عديدة خصوصا على مستوى استخراج الزيت. ففي القرن الخامس قبل الميلاد تمّ عصر الزيتون بعجلات صخريّة وفي العام 1500 قبل الميلاد تمّ اكتشاف رافعة لعصر لبّ الزيتون ولاحقا كان الإنسان المتوسطي يعصر الزيتون بواسطة الضّغط الدائري بمساعدة حمار أو ثور أو الدوران حول جرن صخري دائري يلقى فيه الزيتون ويبدأ العصر. وفي العام 1950 استبدلت هذه الطرق بطرق حديثة نعرفها اليوم ولا زالت متبعة. هذه الحكايات الجميلة حول تطور الصّناعات يمكن لمسها من خلال المعدّات والأشياء الخاصّة والأواني والّتي كانت تستخدم عبر العصور في هذه الحرف.

ينتقل الزّائر من قضايا التّغذية والنّبيذ إلى عالم البحار والرحلات حيث تزدان جدران المتحف بخرائط كبيرة مرسومة وكتب ومخطوطات بعضها باللّغة العربيّة، عمرها قد يعود إلى مئات السنين. وقد تمّ العثور عليها في سفن غارقة أو في متاحف عالميّة أو لدى بعض المهتمين بهذه المقتنيات.

منذ العصور الوسطى كانت الموانئ والسفن جزء من حركة التّجارة في المحيط الهندي الّذي كان في أيدي المسلمين وكانت البضائع تمرّ من الشّرق الأدنى عبر شبكاتهم. كانت البلدان الغربيّة الكبرى تسعى للسّيطرة على هذه الخطوط البحريّة منذ وقت طويل بهدف امتلاك الأسواق. عندما بدأ الضّعف يدبّ بالدولة العباسيّة في نهاية القرن العاشر الميلادي ظهرت مراكز تجاريّة جديدة وأسواق جعلت بلدان الشّرق تتكيّف مع هذا الواقع الجديد. وأصبح تصدير السلع يهدف إلى تلبية مطالب متنوّعة وعلى نحو متزايد من السّلع الغربية الّتي تصل إلى حرفيين يعيشون على جنبات حوض البحر الأبيض المتوسط. إلى جانب قصص عبور الذهب الأفريقي والفضّة الغربية، والأواني الزجاجيّة الإيطاليّة، والأقمشة القطنيّة الهنديّة، والخزف والتّوابل من بحار الصين.

 ثورة الأفكار

هذه التّطورات شكّلت ثورة في الأفكار الإنسانيّة وبات الإنسان يرى نفسه كائنا فوق الطبيعة. ليصل إلى اكتشاف فكرة الألوهة. لذلك خُصّص جناح من المعرض لعرض مقتيات ذات بعد ديني تؤكّد هذا التّلاقح أو الصّراع بين حضارة غربيّة مسيحيّة وحضارة شرقيّة إسلاميّة. واللاّفت أكثر هو مشهد من فيلم “صلاح الدين الأيوبي” الّذي أخرجه يوسف شاهين في الستينيات من القرن الماضي، يكرّر عبارة القائد الإسلاميّ التاريخيّ لريتشارد قلب الأسد حول عدم رغبة المسلمين في القتال إلّا للدّفاع عن النّفس، وعُرض هذا الشّريط بشكل متكرّر صورة وصوتا كتأكيد لرسالة المعرض الداعية لترسيخ ثقافة الحوار والتّسامح لا الصّراع والانتقام.

اللاّفت أنّ هذا المعرض الضّخم الّذي تتوزّع مقتنياته بين صالات عديدة، ويضمّ التحف والخرائط وأدوات الزراعة والحرف والأسلحة ومجسمات المراكب والسفن واللّوحات الفنيّة والسّجاد والكتب المخطوطة والمجوهرات، وبعض الأطعمة الخاصّة بدول المتوسط، قد تموضع عند مفترق طرق في البحر الأبيض، هي مدينة مارسيليا التاريخيّة الّتي كانت ولا تزال إحدى بوابات عبور الأفارقة والعرب المغاربة إلى أوروبا. كما كانت دائما ممر البضائع الغربيّة إلى الشّرق الأدنى وإفريقيا.

التراث المتوسطي

يحمل هذا المعرض الّذي بدأ في شهر يونيو وينتهي في شهر أكتوبر، عنوان تعزيز التراث المتوسطي، والمشاركة في إنشاء مبادلات جديدة في هذه المنطقة، الّتي طالما شهدت فترة من الاضطرابات العميقة، خصوصا في دول المغرب العربيّ الّتي عاشت تداعيات سلبيّة على خلفية أحداث الرّبيع العربيّ وما لحقها من موجة غير مسبوقة لـ”رحلات الموت” المهاجرة نحو الشّمال عبر المتوسط. لهذا حملت هذه التظاهرة الفنيّة التاريخيّة هدفا أساسيا هو إرساء أسس عالم غد البحر الأبيض المتوسط.

 “مغامرو البحار”

من الإمبراطوريّة الفارسيّة إلى فتوحات الإسكندر الأكبر، من التّوسع في الإسلام إلى الاستكشافات الصينيّة ومن المغامرات البرتغاليّة إلى الملاحة الهولنديّة، كان بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي مغامرات بحريّة عظيمة ساهمت في تشكيل صورة العالم اليوم.

إذا نحن أمام تاريخ يصلنا من خلال الصّور والكائنات واللّوحات والكتب والخرائط القديمة والمقتنيات الّتي تمّ العثور عليها في أعماق البحار. رواية تتبع أثر الرحلات البحريّة والمغامرات وتحلّل وتعطي الشروحات المفيدة عن المكان نفسه، والأسس القديمة لهذا الحوض الّذي تشكلت حوله حضارة عظيمة.  التاريخ يروى لنا هنا بتوتراته وجمالياته ومآسيه واكتشافاته وأهم ما ابتكر الإنسان ليعيش ويستمر في هذه الحياة.

في برنامجه الثقافي، يقترح القيمون على المعرض رؤية متعدّدة التّخصصات تجمع بين الأنثروبولوجيا والتّاريخ وعلم الآثار وتاريخ الفنّ والفنّ المعاصر، من أجل إظهار شعوب مختلفة تعيش على جوانب العالم المتوسطي وتؤدي حوارا دائما يترسّخ على مستوى أعلى بين الشّرق والغرب، بين الشّمال الإفريقيّ والجنوب الأوروبيّ.

أمّا في ما يتعلّق بمتحف MUCEM، أو “متحف حضارة أوروبا والبحر الأبيض المتوسط”، فهو المتحف الأوّل المخصّص لثقافات البحر الأبيض المتوسط. ولد من رحم متحف كبير هو متحف الفنون والتّقاليد الشعبيّة الّذي تمّ إنشاؤه في العام 1937 في باريس. وبات هذا المتحف الّذي يتميز بعمارته الجميلة فوق الماء، أوّل مكان حقيقي لمتحف وطني في المنطقة. لقد افتتح متحف مارسيليا في يونيو 2013، ودخل دائرة المتاحف الخمسين الأكثر زيارة في العالم في العام 2014.

ثمّة ثلاثة مواقع للمتحف تتوزّع بين الواجهة البحريّة، عند مدخل الميناء القديم، والبناء جي 4 (المتميز ببصمات المهندسين المعماريين رودي ريتشيوتي ورولان كارتا)، وحصن سانت جان، حيث ينتصب هناك رمز تذكاري لوجوه متعدّدة تنظر إلى كافّة الجهات، هو مشروع لإقامة صلة بين شاطئي البحر الأبيض المتوسط. ويستضيف المتحف المعارض الرئيسيّة وبرامج فنيّة وثقافيّة، عند مدخل المدينة البحري.

في الوقت الّذي تواجه فيه العولمة خضّات كبيرة على المستوى الاقتصادي كتداعيات واضحة للتبدلات السياسيّة الّتي يشهدها العالم وخصوصا منطقة حوض المتوسط، يقترح هذا المعرض أن نأخذ الوقت الكافي لاستكشاف تاريخ العالم القديم كما بدا لأوّل مرّة عبر مغامرات بحريّة متنوّعة وغنيّة أسّست لما نعيشه اليوم وتحمل في بذورها صورة الغد المشرق حضاريا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق