مجلة «بلايبوي» في حرب فيتنام… منبر سياسي وأدبي وترفيهي / أمبر باتورا

في مشهد ذائع الصيت في فيلم «أبوكاليبس ناو» («القيامة الآن»)، يرسو مركب نهري يقوده مارتن شين في قاعدة مؤن وإمدادات لشراء الوقود، فيمنحهم العامل في هذه القاعدة بطاقات مجانية الى عرض «الأرنبات». فيقصدون العرض ونرى الجنود في قاعة كبيرة يشاهدون عرض ثلاث عارضات من «بلايبوي». وهذا المشهد من بنات الخيال، فعارضات هذه المجلة لم يزرن يومذاك فيتنام، على خلاف المجلة التي تحمل الاسم ذاته، والتي كان دورها بارزاً هناك. ولا مبالغة في القول إن دور المجلة هذه كان بالغ الأثر في أوساط ملايين الجنود الأميركيين والموظفين المدنيين المرابطين في فيتنام خلال الحرب: فهي أداة ترفيه، طبعاً، ولكنها كذلك مصدر أخبار، ولوح اعترافات في صفحات رسائل القراء. فهذه المجلة ساهمت في النفخ في معنويات الجنود، وكانت أثيرة على قلوبهم فنافست رسائل الأحباء المرسلة من منازل القلب. ووسمت «بلايبوي» الحرب هذه، فهي جمعت بين النساء والتعليقات السياسية والاجتماعية والترفيه. وخلفت بصمتها في التدخل الأميركي في فيتنام. وهذه بصمة أو إرث يبعث على الدهشة. وفي 1967، كتب الأديب وارد جاست في صحيفة «ذي واشنطن بوست»: «إذا كانت الحرب العالمية الثانية حرب نجوم وشارات عسكرية وبيتي غرابل (ممثلة وعارضة)، فالحرب في فيتنام هي حرب مجلة بلايبوي».

وأبرز معالم المجلة صفحة مزدوجة في وسطها تحمل صورة الخليلة (Playmate). وأراد مؤسس المجلة وناشرها، هيو هافنر(1926-2017)، أن يقدم صورة عن المرأة تجمع الجمال الى الشغف في الفن والسياسة والموسيقى. فالخليلة على هذه الصفحات راقية ومسلية وذكية، وتستسيغ ما يستسيغه نموذج الرجل الذي يدور كلام المجلة عليه. وهي لا تسعى الى الزواج. وعلى رغم أوجه الشبه بينهما، تختلف صورة عارضات «بلايمايت» عن عارضات الإغواء الذائعات الصيت في الحرب العالمية الثانية. فهافنر أراد إخراج صورة النساء إخراجاً من بنات الواقع، وتحاكي الواحدة منهن محاكاة أمينة نساء يصادفهن القارئ في حياته اليومية- زميلة في الصف، في العمل (سكريتيرة)، أو في الجوار. وهذا الإخراج هو على خلاف صورة النساء الشهيرات من الجيل السالف. فـ «فتاة الدار المجاورة» كانت رفيقة الجنود في فيتنام. وقدمت عارضاتُ غفلٍ ومجهولات هذا المفهوم الشامل للجمال الأميركي والجنسانية. وكانت صورهن تعيد الى الأذهان الشابات اللواتي فارقهن الجنود في مسقط الرأس وهم يحاربون في سبيلهن، ويحلمون بالعودة إليهن.

ومن طريق صور «بلايبوي» والرسوم الهزلية الجنسية في المجلة، بلغ الجنود التغير الاجتماعي في بلادهم. وفي 1964، نشرت المجلة صورة سيدة «ملونة» هي شاينا لي، وفي 1965 صورة جنيفر جاكسون. وهذه الصور كانت مرآة تغير موقف الناس من العرق. وكثر من الجنود راسلوا المجلة، وأبلغوها الشكر والامتنان لإدخال «الملونات» الى عالمها. ورأى جنود سود أن نشر صور جنيفر جاكسون هو امتداد وعد هافنر إياهم بحياة رغيدة تنتظرهم. ومشاهدة هذه الصور حملت الأميركيين على التفكير من جديد في معايير الجمال وتعريفاته. وصور الوسط (وسط المجلة) هذه ساهمت في تغيير قيود المعايير الاجتماعية والتعريفات القانونية: فهي أماطت اللثام عن مزيد من العري. ونقلت «واشنطن بوست» عن أسرى الحرب شعورهم بالذهول حين وقع نظرهم على العري المرسل في مجلات مهربة في رحلة الأياب في 1973. ففي سنوات الأسر، فات الجنود التغيرات الاجتماعية في أميركا. ولم تكن صفحتا الوسط فحسب شاغلهم (الجنود). فهم أقبلوا على مقالاتها ومقابلاتها. ونشرت المجلة افتتاحيات وتعليقات ودعايات تسلط الضوء على أساليب حياة الرجال والترفيه، وتناولت الموضة وشؤون السياحة والعمارة المعاصرة والابتكارات التكنولوجية والسيارات الفخمة والكماليات. وكانت المجلة دليل الرجال الى ما يريدون بلوغه وإنجازه، سواء كانوا في سان دييغو أو في سايغون.

والشباب الأميركي المرابط في جنوب شرق آسيا كان متوسط عمره يومذاك 19 عاماً، وكانت الخدمة العسكرية جسره الأول الى دخل ثابت. ولجأ الجنود الى المجلة هذه بحثاً عن نصيحة وسلع يشترونها، وأفضل سيارة يقتنونها وأحدث اتجاهات الموضة- وكان في متناولهم شراء هذه السلع في فيتنام في أضخم سوق هناك ومراكز تسوق تنافس نظيرها في أميركا. وكانت «بلاي بوي» دليل الجنود الى أداء دورهم في عالم الاستهلاك الذي وسعهم الالتحاق به، إثر حيازتهم دخلاً ثابتاً والقدرة على الترقي في السلم الاجتماعي.

وطورت المجلة مضمونها، وتجاوزت أبواب الترفيه وطرق الحياة. ففي الستينات، بدأت تنشر مقالات تتناول مسائل اجتماعية وثقافية وسياسية بارزة تجبه الولايات المتحدة، ويكتبها حائزون جوائز «بوليتزر»، ومسؤولون حكوميون وقادة عسكريون وأبرز الكتاب والأدباء. وتناولت المجلة مسائل مثل النسوية والإجهاض وحقوق المثليين والعرق والاقتصاد، ومسائل وثيقة الصلة بالثقافة المضادة أو الثقافة البديلة والسجن. ونشرت مقابلات حصرية مع شخصيات متباينة الميول والمنابت والألوان، من مالكوم أكس وصولاً الى الزعيم الأميركي النازي، جورج لينكولن روكويل، فاطلع الجنود اليافعون على أفكار وحجج تدور على العرق وإرساء المساواة بين الأفارقة الأميركيين والبيض. ومثل هذه الأفكار لم تكن لتبلغهم في قراهم. وفي 1965، بدأت المجلة هذه تنشر مقالات عن حرب فيتنام، وافتتاحيات تتحفظ عن تفاقم النزاع. وكان كتّاب الافتتاحيات أذكياء، فوجهوا سهام النقد الى الرئيس الأميركي وإدارته والقادة العسكريين والاستراتيجية العسكرية، من جهة، وحرصوا، من جهة أخرى، على دعم الجنود ومؤازرتهم. وفي 1967، قرأ الجنود مقالة الاقتصادي الليبرالي، جون كينيث غالبريث، وحاجج فيها أن «مسوغات الحرب كلها» لم تعد في منأى من الشوائب، وفكك فكرة وحدة الشيوعية وانتصابها كتلة متراصة، وغيرها من مسوغات الحرب الباردة.

وخصصت المجلة زوايا تفاعلية مع الجنود، فوسعهم مراسلتها والكلام عما يشغلهم وعن خبراتهم وتجاربهم في زمن الحرب، وعسر العودة الى الحياة المدنية، وقساوة الحياة العسكرية وشظفها. وأسرَّ الجنود على صفحات المجلة هذه ومنبرها عن أشكال «اللاعدالة» (الافتقار الى العدل) في الجيش. ولم يقتصر دور المجلة على هذا. فالجنود تبنوا شعاراتها، ورسموها على الطائرات العسكرية والمروحيات والدبابات، وأطلقوا رموزها ألقاباً على وحدات عسكرية. وكانت مثل هذه الخطوات جسرهم الى تمرد صغير على قيود الطاعة والامتثال في الحياة العسكرية المتجانسة. وردّت المجلة الجميل بعد انتهاء الحرب. فموّلت أفلاماً وثائقية عنها، وعن الغازات الكيماوية الحارقة للغابات والنبات، واعتلالات ما بعد الرضة النفسانية والجسمانية. والمجلة متعددة الأوجه، ويبدو أنها إرث من فصول أطول الحروب الأميركية.

* باحثة، عن «نيويورك تايمز» الأميركي، 28/2/2017، إعداد منال نحاس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق