مدخل إلى فكر محمد عابد الجابري ج (8)

- المنهج والرُّؤية -

ثانيا: مسألة الرؤية في فكر الجابري

ج-  إشكالية النّهضة        

إشكالية(*) النهضة أو السؤال النهضوي، هو المحور الأساس الذي دار ويدور في فلكه الخطاب العربي الحديث والمعاصر. هو السؤال الذي ذاع وانتشر وسال الحبر مدرارا في معاينته وافتحاصه. يطرح تارة تحت اسم ‘ التراث و الحداثة’ و تارة أخرى ‘الأصالة و المعاصرة’ و ‘الإسلام و العروبة’… وغيره. وقد ذاع بالصيغة التالية: “لماذا تأخرنا نحن المسلمون / العرب وتقدم غيرنا أروبا/ الغرب. وبالتالي كيف ننهض كيف نستطيع اللحاق بالركب، ركب الحضارة والتقدم ؟

وبعبارة أخرى يمكن القول أنه ومنذ تبلور اليقظة العربية الحديثة في أهداف وطنية قومية سياسية واقتصادية كثفها الوعي العربي المستيقظ في شعار” النهضة” – صار هذا الشعار- منذ ذلك الوقت علما عليها و مشروعا لتحقيقها.”(1)

إشكالية النهضة في الفكر العربي المعاصر. إشكالية معقدة وملتبسة، خصوصا و هذا الفكر مكبل بقيود تجعله يعيش الإشكالية على صعيد الحلم يدور في حلقة مفرغة.

إنّ العوائق الّتي تطبع الفكر العربي قد جعلت من المشروع النهضوي مشروعا غير مكتمل، وإن شئنا الدقة قلنا أنّه يفتقد إلى النظرة الواقعية والتاريخيّة والمعرفيّة، الّتي بدونها يستحيل بناء نموذج نهضوي مطابق. أي نموذج ينطلق من الواقع المعطى ليشيد مشروعه على أساس ماهو كائن وما ينبغي أن يكون، لتكون هناك نهضة…

وبالتالي فإشكالية النهضة إشكالية متشابكة متداخلة المستويات يتطلب حل المشكل الواحد حل الباقي من المشاكل، ومن هنا طابعها الإشكالي.

وفيما يلي سنسعى مع الأستاذ الجابري إلى كشف عوائق الخطاب النهضوي العربي، حتّى إذا ما أتينا إلى تشخيصها استطعنا انطلاقا منها رسم سبل تجاوزها، أي الخطوات الكفيلة بتحقيق الطموح النهضوي العربي المستقبلي.

نقرأ في كتاب” الخطاب العربي المعاصر” للأستاذ الجابري ما يلي:” نعم إن كلمة نهضة من المصطلحات الجديدة في اللغة العربية وقد صيغت من مادة (ن. هـ. ض) لتنقل الى لغة الضاد  مضمون الكلمة الفرنسية  Renaissance منظورا إليه كمشروع مستقبل عربي.

وهنا تكمن إحدى المفارقات التي تحكم العلاقة بين الفكر الأوروبي ومفاهيمه، والفكر العربي الحديث ومصطلحاته المترجمة.

إنّ مصطلح Renaissance ويعني لغويا “ميلاد جديد” لم يظهر في اللغة الفرنسية إلا مع بداية القرن 19 ليعم باقي أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، هذا في حين أن الميلاد الجديد الذي نشير إليه قد انطلق من إيطاليا،  وهو يمثل قيام حركة تجديد واسعة وعميقة شملت الفنون والآداب. حركة اعتمدت إحياء التراث الإغريقي- الروماني، ممّا جعل منها حركة تجديدية بمعنى الكلمة، بل ميلادا جديدا لقارة ظلت شبه ميتة طوال القرون الوسطى. وإذن فهذا المصطلح قد صيغ بعديا للتعبير عن شيء قد كان، عن واقع تاريخي محدد المعالم و الصفات، كامل الوجود والمقدمات.

وكذلك الشّأن مع مصطلح Révolution الّذي يحمل هو الآخر في اللغة الفرنسيّة، بل في اللغات الأوروبية عموما مضمونا محددا يرتبط بحدث تاريخي معين هو الثورة الفرنسية (1789) أو غيرها من الثورات في أروبا و أمريكا. و هكذا فالمصطلحان في اللغات الأوروبية هما من أسماء الأعلام، وإذا ما أطلقا ليدلا على معنى ‘النهضة’ أو ‘ الثورة’ بدون تخصيص، فإن هذا المعنى يظل مع ذلك مشبعا غنيا نظرا لارتباطه بنموذج واقعي معروف تمام المعرفة”(2). هذا عن المرجعية الأوروبية، أمّا في المرجعية العربية فالأمر يختلف تماما إذ أن مصطلحي ‘الثورة والنهضة’ هما مصطلحان خلقتهما الترجمة، وهما مصطلحان تتم المزاوجة بينهما في الفكر العربي وهذه المزاوجة ترجع إلى فقر في مضمونهما لدى المفكر العربي، نتيجة كونهما يشيران إليه لا إلى واقع متحقق، بل إلى واقع مأمول التحقيق. فعندما يتحدث العرب عن الثورة أو النهضة فإنهما يتحدثون عن مشروع لم يتحقق بعد كاملا، بل يجب القول: “عن مشروع لم يكتمل بعد على صعيد التصور الذهني، الشيء الّذي يسمح بتسميته بأسماء مختلفة فهو حسب الظروف تارة ” نهضة أو يقظة”، وهو تارة “بعث أو ثورة”.(3)

الحاصل أن المشروع النهضوي في الفكر العربي يطرح على صعيد الذهن والوجدان كبديل للحاضر، كبديل عن هذا الواقع أي كمشروع للمستقبل. في حين يحيل في الفكر الأوروبي إلى واقع متحقق أو سبق أن تحقق على صعيد الواقع و الممارسة.

والآن سنأتي إلى رصد عيوب وعوائق الّتي تقيد الخطاب العربي الحديث و المعاصر:

لاشكّ أنّه ومنذ بدء اليقضة العربية الحديثة مع أوائل القرن19 والفكر العربي بمختلف منازعه وتياراته يعيش إشكالية النهضة، ولا غرو أن هذه الإشكالية هي التي كانت و راء انبعاث الفكر العربي وانقسامه إلى تيارات واتجاهات متباينة. والحال أنّ الشعار الّذي ساد خمسينيات هذا القرن هو شعار ‘الثورة’ بيد أن تداول منذ سنوات خلت هو شعار ‘النهضة’ ليدخل الشعار الأول منطقة الظل أو ليتوارى فاسحا مكانه لإشكالية تبدو أكثر معاصرة.

بعد هذا التذييل نعود لنقول أن الخطاب النهضوي كان منذ ابتداءه مشدودا إنشدادا كبيرا إلى نموذجين حضاريين هما النموذج العربي الإسلامي، والنموذج الأوروبي الغربي، فنتج عن هذا الإنشداد بروز تيارين سلفيين أحدهما تيار سلفي أوروبي، والآخر تيار سلفي إسلامي، ناهيك عن التيار التوفيقي الثالث الذي يطلب الحسنين، أحسن ما في النموذج العربي والأوروبي، تبني هذه التيارات رؤيتها على استلهام النماذج السلف كقوالب جاهزة ينبغي استحضارها والانخراط فيها دونما أقلمة أو تكييف.

يحدد الجابري الإحساس بالفارق بين الأنا / الانحطاط والآخر /التقدم. كمحدد يقف وراء انشداد الطموح النهضوي إلى النماذج السالفة الذكر وهو ما يجعل – الجابري- يتهم الفكر العربي بأنه يتعاطى مع إشكالية النهضة بنوع من التوتر النفسي شبيه بذلك الذي يسميه علماء النفس بـ” التناقض الوجداني”  Ambivalence حيث تزدوج في آن واحد في وجدان الشخص مشاعر الحب والكراهية إزاء الموضوع نفسه “(4).

وهو التناقض والانشطار الذي يصاحب تبني إحدى هذه النماذج، فتبني النموذج الأوروبي كأصل يقاس عليه، وينبغي البناء على مثاله يتطلب من صاحبه السكوت عن الجانب التسلطي الاستعماري فيه، وبالمثل فان تبني النموذج العربي الإسلامي يتطلب السكوت على قرون طويلة ومديدة من الانحطاط. إنّ هذا الخطاب النهضوي العربي متهم بكونه خطاب ” ميتا واقعي”، أي أنّه يفكر في النهضة بغير معطيات واقعه بل خارجها، وبالتالي فهو خطاب حالم لا يحرص على توفر حد أدنى من التوازن والمعقولية بين الذات و الموضوع، بين النظر والواقع. يقول الجابري في هذا الصدد: ” إنهم عندما يفكرون في النهضة لا يفكرون فيها كبديل عن الواقع الّذي يعيشونه، بديل يجب صنعه انطلاقا من هذا الواقع نفسه، وعلى ضوء معطياته وإمكانياته، الشيء الّذي سيجعل صورة البديل في أذهانهم تغتني وتتجدد باستمرار”(5). هناك سمة أساسيّة أخرى أساسية في الخطاب العربي تعيق النهضة وهي مقولة سقوط الآخر/الغرب كشرط أساسي لتحقيق النهضة، وهي مقولة لاعقلانية حسب الجابري، إذ عوض غياب أو سقوط الآخر ينبغي الدخول معه في حوار نقدي.

ينتج عن هذه الثغرات والسقطات التي يعاني منها الخطاب النهضوي افتقاد الذات العربية لاستقلالها التاريخي وانغماسها في التبعية للآخر وبالتالي استفحال تلك الهوة العميقة في وعي العرب بالنهضة،  إنّها ” الثغرة الّتي تجعل وعيه هذا مجرد إحساس بالفارق أي نتيجة مقارنة ومقايسة لا حصيلة تحليل وممارسة “.(6)

لا يتخندق الأستاذ الجابري في صف تكييل الاتهامات للخطاب النهضوي بل يسعى على العكس من ذلك إلى الإتيان بمشروع نهضوي مستقبلي يسبكه في” جدل تاريخي بين أفق توقع محدود وفضاء تجربة معين، أو بين ماض معروف ومستقبل قريب”.(7)

وجلي فيما يطرحه الجابري أنّه ينطلق ” من تحليل موضوعي واقعي علمي سيحول المشكل الّذي يعانيه العرب من مشكل صياغة حلم مطابق للنهضة إلى قضية التحرر الوطني والخروج من وضعية التبعية والتخلف. ومن دون شكّ أنّ مثل هذا الطرح الواقعي /العلمي سيحرر الخطاب النهضوي من مقولاته الفارغة وتأثيرها على الوجدان العربي الراهن ليرتفع إلى المستوى العقلاني الّذي يمكنه من التفكير في مشروعه المستقبلي إنطلاقا من تحليل الواقع الملموس بدلا من التفكير فيه انطلاقا من سراب الحلم وهواجسه”.(8)

فيما يلي سنحاول تتبع معالم الطريق الّتي يرسمها الجابري من أجل أن يجد الخطاب النهضوي سبل تحقيق مطامحه النهضويّة وبالتالي تدشين النهضة وتحقيق استقلاله التاريخي. والخطوات الّتي يحدّدها هي: (9)

*- التّحرر من النموذج-السلف الإسلامي الوسيط والأوروبي الحديث، وهو شرط أساسي لتحقيق النهضة والاستقلال التاريخي للذّات العربيّة. والتّحرر هنا يعني فيما يخص النموذج الأول: التّحرر من سلطته المرجعيّة والدخول معه في حوار نقدي استملاكي تجاوزي، والتحرر من التراث لا يعني رميه في سلة المهملات أو وضعه في الرفوف أو حتّى في مكانه من التاريخ. ونفس الأمر يصدق فيما يخصّ النموذج الثاني: فهو لا يعني سقوط الغرب وزواله أو مقاطعة حداثته، وإنّما يعني الدخول معه في حوار نقدي يكشف في قراءته تاريخيته ونسبية مقولاته ومفاهيمه، ثمّ التّعرف على أسس التّقدم فيه والعمل على غرسها أو ما يماثلها لدينا في تربة الثّقافة والفكر العربيّ.

*- الديموقراطيّة والعقلانيّة والنظرة التاريخيّة النقديّة: وهي محددات لا محيد عنها في كلّ مشروع واع للنّهضة.

*- في سبيل تحقيق المطالب النهضويّة ينبغي التّحرر من المحدّدات الثلاث الّتي حكمت العقل والعمل السياسي العربي في الماضي ولا تحكم حاضره وهي: ( القبيلة، الغنيمة، العقيدة).” هذه المحدّدات ترتبط بعلاقة عضويّة تجعلها تنتمي إلى كلّ واحد، إلى بنية واحدة. أي بنية تتداخل فيها العناصر المكونة لها، الاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة، تتداخل فيها البنية التحتيّة والبنية الفوقيّة، فيلعب الفكر أحيانا دوره كجزء من بنية تحتية إلى جانب القبيلة والغنيمة. “لقد قامت محاولات سابقة حين اصطدامنا بالموجة الحداثيّة لقمع هذه المحدّدات وتجاوزها بيد أنّ هذه المحاولات على اختلاف تشظياتها (سلفيّة، ليبراليّة، علمانيّة، قوميّة، اشتراكيّة) لم تحقق التّجاوز لأنّ انخراطنا في الحداثة لم يكن وليد تطور داخلي مؤسّس. مماّ جعل هذه المحدّدات تعتاش من جديد كمكبوتات تجعل حاضرنا مشابها لماضينا، فأضحت القبيلة محرّكا علنيا للسياسة، وأصبح الاقتصاد ريعيا أو شبه ريعي مطبوعا بطابع الغنيمة، وأصبح الفكر والإيديولوجيا عقيدة طائفيّة أو شبه طائفيّة، ولذلك فإنّ من المهام المستعجلة اليوم بالنسبة إلى الفكر العربيّ:

أ- تحويل القبيلة في مجتمعنا إلى لا قبيلة، إلى تنظيم مدنيّ سياسيّ اجتماعيّ حديث ( أحزاب ، نقابات، جمعيات حرّة، مؤسّسات دستوريّة…إلخ) وبعبارة أخرى تحويل مجتمع القبيلة إلى مجتمع فيه تمايز واضح بين المجتمع السياسيّ- الدولة وأجهزتها- و المجتمع المدنيّ  (تنظيمات مستقلة عن أجهزة الدولة). وبالتّالي إنشاء مجال سياسيّ تتمّ فيه الحركة السياسيّة ويتمّ فيه صنع القرار ويقوم فاصلا بين سلطة الحاكم وامتثال المحكوم.

ب- تحويل العقيدة إلى رأي، أي فسح المجال لحريّة التّفكير والتّحرر من سلطة الجماعة المعلقة، دينيّة كانت أو إيديولوجيّة ( الحزب الواحد مثلا ) ومن سلطة الفكر المذهبيّ الطائفيّ والمتعصب.” إنّ تحويل العقيدة  إلى رأي  معناه التّحرر من سلطة عقل الطائفة، العقل الدوغمائي دينيا أكان أم علمانيا، وبالتالي التّعامل معه بعقل اجتهادي نقدي”.

ج- تحويل الغنيمة إلى ضريبة والاقتصاد الاستهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي، أو تحويل اقتصادنا العربي من اقتصاد يطغى عليه العطاء والريع على الإنتاج (الأجور والمرتبات والأعطيات ودعم المواد)، إلى اقتصاد تراقب فيه عميلة صرف الضّرائب والأموال.

*- خطوة أخرى في سبيل تحقيق المطامح النهضويّة هي نشر الثّقافة العلميّة والفلسفيّة وتكريس البحث العلميّ ومناهجه نظريا وعمليا في ساحتنا.

*- كما يجب تجهيز البنية التحتيّة من مدارس ومؤسّسات تعليميّة حتّى تستطيع استيعاب الأطفال الّذين هم في سنّ الدراسة، فبغير توفيرها تتكرّس الأميّة ويستفحل الجهل، وبالتّالي فحقّ كلّ مواطن في التّعليم حقّ لا يجوز المساس به تحت أي ذريعة. كما أنّنا نجد المناهج التعليميّة تستنسخ النموذج الغربي ( الفرنسي/ الإنجليزي)، والنتيجة انفصام الشخصيّة الثّقافيّة وازدواجها وضعفها. وبالتّالي يجب إعادة بناء الذّات عن طريق إقامة نماذج ومناهج تستجيب لمتطلباتنا وخصوصياتنا.

*- يجب التّصدي للغزو الثّقافي والإعلامي الّذي يبغي عبر تسخير العلم والتقنية السيطرة على العقول والأذهان والقيم. وعملية التّصدي هذه يجب أن تكون بالسّلاح نفسه، أي عبر إنتاج إعلامي ينافس القنوات الأجنبيّة ويعبّر في ذات الوقت عن الخصوصيّة والهويّة العربيّة و الطموحات الإنسانيّة.

*- خطوة أخرى أساسيّة تتمثّل في تحقيق وحدة عربيّة حقيقيّة، ولكي تتحقّق هذه الخطوة على صعيد الواقع الملموس يجب أن تنفى وتتجاوز الدولة القطريّة العربيّة المعاصرة. ولشقّ هذه الطّريق، طريق الوحدة ينبغي دمقرطة الدّولة القطريّة دمقرطة حقيقيّة، فحتّى إذا تحقّق هذا الشّرط فإنّ الوحدة تصبح قضية إجراءات فقط، ذلك أنّه بمجرّد أن تصبح مقاليد الأمور في يد الشعوب العربيّة، حتّى تضحى الطّريق إلى تجاوز الدولة القطريّة وإحلال أي شكل من أشكال “دولة الوحدة”من الناحية العمليّة مشروعا في حالة تحقق.

*- السير في طريق تمدين المجتمع المدني أي تحويله إلى مجتمع مدني فاعل.

*- الحاجة إلى قيام “انتلجنسيا” عربية جديدة تتألّف من المثقّفين التّقدميين الوحدويين، فمن دون هذه الانتلجنسيا سيبقى الفكر العربي سجين المعارف القديمة. والتّركيز على النّخبة لا يعني التّقليل من دور الجماهير وإنّما النّظر إلى الانتلجنسيا كطليعة تمارس الريادة والقيادة على صعيد الفكر، بوضعها تعبّر عن وعي الجماهير، بوقوفها في موقع المعارضة للنّظام السّائد والمفروض، النّظام الاستعماري خاصّة، وبطرحها للبديل الوطني، وبالتّالي التّشريع على أساسه للمستقبل.

تشكّل هذه الخطوات الّتي يسطرها الجابري في سبيل تحقيق المطامح النهضويّة، رؤيته للمستقبل العربيّ الإسلاميّ. الرؤية الّتي تروم بناء الذّات وامتلاكها لاستقلالها التاريخي، هي خطوات مربوطة بالحاضر وموصولة بالماضي والمستقبل. وهي خيارات انعتاقيّة يؤمن بها الجابري أشدّ ما يكون الإيمان. بيد أنّ هذا لم يمنع بعض النّقاد من اعتبار المشروع الجابري رغم واقعيته ومحاولته تقديم اجتهادات علاجيّة  فإنّ” مضمونه ليس شاملا، فهو لا يفتح  الوعي الإنساني على هدف تحريري مشترك، أو على حرية أو نهضة عالمية، فهو إذن مشروع مغلوق في تدابير أمنية قوميّة أو عربيّة… أضف إلى ذلك أنّه ورغم تهافت وطابع التّناقض في الخطاب النّهضوي العربي، إلاّ أنّ لهذا الخطاب مزاياه الّتي لا تنكر ودلالته الّتي ينبغي عدم إغفالها، فهو يمثل دعوى للتّفاؤل ولإلحاق الهزيمة بالعدو والالتحاق بالمدنية الحديثة. وهو دلالة حيّة على أنّ العقل ليس وحده هو مصدر الفعل والتّغيير والإصلاح وإنّما أيضا الشّعور النّابض بالحياة والتوتر الروحي… وإذا كان الجابري يزهو بعقلانيته ويجعل الطّريق الوحيد للنّهضة والتّحرر، وكأنّه دين جديد، فإنّ مؤشرات التّقدم الأخرى مثل ترقية الأخلاق وزيادة التّهذيب، وتطوير الفنون فيتركها على جنب. وهذا التّفاؤل المفرط في العقل من جانب الجابري هو الّذي جعله يقلل من أهميّة الاتّجاهات اللاَّعقلانيّة الّتي انتقدت قيمة العقل وتأثيره، على الرّغم من تلك الاتّجاهات اللاّعقلانيّة هي الّتي طبعت العالم الغربي المعاصر بطابعها”.(10)

ومع ذلك، فهذا القول لا ينتقص في شيء من قيمة المشروع الفكري للجابري ومن قيمة الخطوات الّتي يقدمها كمنطلقات بمكنتنا البناء عليها لتشييد نهضتنا المأمولة. وهذا ما يذهب إليه صاحب الانتقاد السّابق نفسه -جمال مفرج- حين يقول:” أصبح الخطاب النّهضوي مع الجابري أكثر واقعيّة، وأصبحت الأفكار النهضويّة، عبارة عن برامج محدّدة لعلاج أدواء محدّدة، إذ لم يحدث أن بلغ أي مشروع آخر أو خطاب، ما بلغه الجابري من حيث الاقتراب الوثيق من تحقيق الحلم”.(11)

نستطيع أن نزعم في ختام هذا المقال أنّ الفكر العربي المعاصر، لم يعدم الأرضيّة الفكريّة والنظريّة الّتي تؤطّر المسار النهضوي، والجابري صوت من الأصوات الّتي أجهدت نفسها لرسم هذا المسار لا على صعيد الممكنات الذهنيّة -الميتاواقعيّة- وفقط، بل على صعيد التّأسيس المبني على واقع معطى.

ما ينقص الواقع العربي المعاصر ليس المستوى التنظيري الّذي يشيد المشاريع النهضويّة – فساحة الفكر العربي تحبل بمشاريع عدّة – إنّ ما ينقصها في نظرنا هو انخراطها الشّامل في البعد التطبيقي المماراساتي لهذه المشاريع. إنّ التّسلح بالعلم والمعرفة والنّزعة العقلانيّة والحوار النقدي هي شروط أساسيّة في بناء مشاريع نظريّة فاعلة، بيد أنّ هذه المشاريع يجب أن تكون موصولة بإرادة سياسيّة – جماهيريّة تنزع إلى التّطبيق الإجرائي لهاته المشاريع حتّى لا تبقى حبرا على ورق. وحكرا على عقول فئة قليلة من النّخبة.

الهوامش:

(*)-الإشكالية  problématique: ” منظومة من العلاقات الّتي تنجسها داخل فكر معين مشاكل عديدة مترابطة لا تتوفر إمكانية حلّها منفردة ولا تقبل الحلّ -من الناحية النظريّة- إلاّ في إطار حلّ عام يشملها جميعا وبعبارة أخرى الاشكاليّة هي النظريّة الّتي لم تتوفّر إمكانية صياغتها – فهي توتر ونزوع نحو النظريّة أي نحو الاستقرار الفكري…” نحن والتراث، المرجع السابق، ص 27.

(1)- م. ع. الجابري، الخطاب العربي المعاصر، المرجع السابق، ص 5.

(2)- الخطاب العربي المعاصر، المرجع السابق، ص .18

(3)- المرجع السابق، ص 17.

(4)- المرجع السابق، ص 19.

(5)-  المرجع السابق، ص 20.

(6)- المرجع السابق، ص 20.

(7)- التراث والنهضة، المرجع السابق، ص 151 (مقال نقد الجابري للخطاب النهضوي الحديث والمعاصر – جمال مفرج).

(8)- المرجع السابق، ص 151.

(9)- سنعود- بتصرف- فيما يخص الخطوات المشروع النهضوي الجابري إلى:

*- م. ع . ج إشكالات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 3،  1994.

*- التراث والنهضة، المرجع السابق، مقال جمال مفرج.

*- الخطاب العربي المعاصر، المرجع السابق.

(10)- التراث والنهضة، المرجع السابق، ص 160-161 (جمال مفرج- نقد الجابري للخطاب العربي الحديث والمعاصر)

(11)- المرجع السابق، ص160.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق