“عائلة سورية” تجسّد وجع الحرب وشجاعة النّساء

بعد تجربته النّاجحة مع الحرب الرواندية يعود السيناريست البلجيكي فيليب فان ليو إلى الصالات في شريط درامي من بوابة الحرب السورية، فينقل لنا مآساة “عائلة سورية” محاصرة في إحدى شقق الأبنية الفارغة في دمشق، حيث الحصار وقلّة المؤونة والقنص والفلتان الّذي يطلق العنان لرجال الأمن ليمارسوا ما يحلو لهم من سرقات وعمليات قتل وخطف واغتصاب.

الفيلم الّذي صُوّرت مشاهده في العاصمة اللبنانيّة بيروت، ويعرض هذه الأيّام في الصالات الفرنسيّة، هو محاولة لتصوير الأزمة السورية من جوانبها الإنسانيّة البحتة، فلا نجد أي حوار سياسي أو جدال حزبي أو تلميحات تسمّي الأشياء بأسمائها، تاركاً للمشاهد التّحليل والفهم. هي قصة قصيرة لعائلة يمكن أن لا تختصر صور الحرب بكاملها، “بل قد لا تشكل مأساويتها واحدا في المئة ممّا يحدث في الواقع”، على حدّ تعليق أحد المهاجرين السوريين الّذين حضروا الفيلم في سينما مارزان في مدينة Aix en provenceالفرنسية الجنوبية.

إغتصاب حليمة

في شقّة صغيرة تعيش عائلة سورية مع جيرانها الّذين أصيبت شقّتهم في الطَّابق الفوقي بقذيفة فلم تعد صالحةً للسّكن، وشاب قريب يبدو أنّه خطيب إبنتهم، وسط حصار خانق ورصاص يجعل الخروج شبه مستحيل.

وفي الشّقة ذاتها رجل كبير في السّن يمثّل العجز بكلّ معنى الكلمة، وطفل صغير يمثل ببراءته الأمل. الرّجل الكبير أبو منذر (محسن عباس) لا تعبّر ضخامته ولحيته الكثة عن رجولة ولا شهامة، بل عن شخص يائس يقضي وقته في التّدخين، ولا نعرف كيف يحصل على سجائره وسط الحصار الّذي يمنع وصول حتّى أبرز الحاجيات الأساسيّة للعيش. أبو منذر يعيش في منزل ابنه غير الموجود في المكان مع زوجة ابنه أم يزن الّتي تتّصف بقوّة الشخصية وحسن التّدبير (تؤدي دورها الممثلة الفلسطينيّة هيام عباس الّتي برعت في فيلم “بستان الليمون” الّذي يطرح جوانب من المأساة اليوميّة لفلسطينيي 48 والاحتلال الإسرائيلي). أبو منذر هذا وأم يزن والبقية يعبّرون عن عجز كامل وخوف يُسقط كلّ شعارات الشّهامة والمرؤة حين يفضلون الاختباء على مواجهة مغتصبي جارتهم حليمة الّتي كان طفلها أيضاً معرضاً للخطف بهدف البيع. ضّحت حليمة (ديامند بوعبود) بنفسها لحماية بقية الأشخاص المختبئين في المنزل مسلمة نفسها لرجل الأمن الّذي عقدت معه اتّفاقية أن تكون له وحده لا لرفاقه أيضاً كما كان يخطّط مقابل عدم التّعرض لطفلها. ونجحت التّسوية الّتي خرجت بأقلّ خسائر ممكنة بأن تعرّضت لاغتصاب مرّة واحدة في محاولة لحماية طفلها وبقية جيرانها. في الوقت ذاته كان زوج حليمة سمير (مصطفى الكار) مصاباً برصاصة قناص في الشّارع الأماميّ للمبنى، حيث شاهدته الخادمة ديهاني (جولييت نافين – باردين) يقع أرضاً لكن “ست البيت” أم يزن ارتأت أن تخفي الأمر على حليمة حتّى لا توتر جوّ البيت.

في هذا الوقت كانت حليمة موعودة بالسفر فجر اليوم التّالي وهي تعيش على هذا الأمل الّذي أعطاها إيّاه أحد الأصدقاء الّذين كانوا يجدون فرصة وسط القصف للتّسرب نحو المنزل بهدف جلب حاجيات للأسرة المحاصرة.

الموت البطيء

الفيلم الّذي يحكي تفاصيل إنسانيّة تشي بمحاولات تطبيع مع واقع جديد لا يمكن تغييره بسهولة، قد يكون حكاية للحصار المأساوي الّذي بات يمثل أحد أبرز الصور الأكثر بشاعة للحرب. إذ يعرّض الحصار النّاس للموت البطئ جوعاً وعطشاً ويجعل أمنهم تحت رحمة المحاربين الّذين يتصرف بعضهم كالحيوانات المفترسة الّتي لا تعرف معنىً للقيم الإنسانيّة ولا نبل الفرسان.

المخرج فان ليو الّذي كتب في العام 2009 فيلم “اليوم الّذي ذهب فيه الله في عطلة”، عن الإبادة الجماعيّة الرواندية من خلال صورة ناجٍ، يطرح أسئلة أخلاقيّة غير نمطيّة عن الحرب وهذه المرّة يشير بعدسته إلى الحرب السورية، الّتي ظلّ المجتمع الدولي صامتاً نحوها. وفي مجال الإخراج يعتمد فان ليو التّصوير الشعاعي للنّزاع تاركاً الكاميرا داخل المنزل لفحص السلوكيات المتناقضة بشكل أفضل. حيث يكتشف المشاهد طباع أفراد العائلة تدريجياً، في ظل محاولة ربّة منزل والجيران البقاء على قيد الحياة رغم  نقص الموارد الغذائيّة والانقطاع المتواصل للكهرباء والماء والظّروف غير المستقرة.

تتوغّل الكاميرا في الدّاخل فيما لا تخرج إلى ساحة المعركة إلّا عند تصوير إصابة سمير وعملية جلبه إلى المنزل بعد التّأكد من بقائه حياً. هنا يمكن تسليط الضّوء على شجاعة النّساء والفتيات حيث تجرَّأت الفتاة يارا للخروج مع كريم على مرأى من القنّاص لجلب سمير. وكذلك فعلت ديهاني.

رغم ضيق مساحة المكان وبقاء الكاميرا وسط الجدران إلاّ أنّ أهوال الحرب تبقى مسيطرة على المشهد من خلال التّوتر الدّائم والخوف وضوضاء الإنفجارات وسيارات الإسعاف، والطّائرات المروحيّة، إضافة إلى أزيز رصاص القنص.

تحيّة للمرأة

يمكن وصف هذا العمل الذّكي بأنّه شريط درامي تجريدي لا يشي بالمكان ولا الزّمان ولا هويّة أطراف الصّراع، لولا اللّهجة السورية المعروفة الّتي تؤكّد حتمية سوريّة المكان، رغم  أنّ بعض الممثّلين تحدّث بلهجة لبنانيّة. بيد ان تفاصيل صغيرة ومعيّنة تسمح لنا أن نعرف مكان الصّراع. هذا السّرد القمعي المقنّع بسبب العنف والحصار وراء الأبواب الموصدة، لم يرو سوى 24 ساعة تقريباً من حياة أسرة محاصرة اختصرها في شريط من ساعة و26 دقيقة.

يمكن وصف هذا العمل الّذي عرض للمرّة الأولى في مهرجان برلين السينمائي في فبراير الماضي، أنّه يتمتّع برصانة تجعل المشاهد يتماهى مع لحظات التّوتر الدراماتيكي. لحظات تصوّر العنف الظّالم الّذي يُرتكب في معظم الأحيان تجاه النّساء والمدنيين الّذين وقعوا في الفخّ. ولعلّه يمثل تحيّة لشجاعة النّساء الّلائي هنّ دائماً في قلب هذه المأساة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق