محور اللايقين / ريتشارد سوكولسكي وبيري كاماك

ستكون للمواجهة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وكيفية تسويتها، مضاعفات عالمية، في طليعتها كيفية تأثير مختلف محصلاتها المحتملة خلال السنوات العديدة المقبلة على مسألة منع انتشار الأسلحة النووية وآفاق النزاع والتعاون في الشرق الأوسط.

بكلمات أوضح: الطريقة التي سيعالج بها الرئيس دونالد ترامب الأزمة النووية في كوريا الشمالية ومعها كيفية تعامله مع حلفائه في كوريا الجنوبية واليابان، ستكون لهما على الأرجح تأثيرات عميقة على حسابات وتقديرات كلٍ من إسرائيل، والسعودية، وإيران لمواقعها إزاء الولايات المتحدة وحيال بعضها البعض، بغض النظر عن التموضع النهائي للصفقة النووية مع إيران.

صحيح أن الولايات المتحدة ليس لديها التزامات رسمية في الشرق الأوسط كتلك التي أبرمتها مع اليابان وكوريا الجنوبية. لكنها قدّمت ضمانات أمنية من مختلف الأنواع إلى الملكيات الخليجية العربية. وما قد يكون أهم، هو الالتزام السياسي الذي تعهّدت به الإدارات الأميركية المتعاقبة للحفاظ على أمن إسرائيل بدعم واسع النطاق- وحتى بضغط- من الكونغرس.

يعتمد شركاء أميركا في الشرق الأوسط، من إسرائيل إلى مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، على غرار كوريا الجنوبية واليابان، على العديد من مستويات الدعم العسكري الأميركي، كتبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب، والدعم اللوجستي، وحماية البنى التحتية الحسّاسة والمهمة لأمن هذه الدول. كذلك، مثلها مثل كوريا الجنوبية واليابان، تشعر كل دول الخليج وإسرائيل بالقلق من مناورات وتسابق القوى الخارجية- الولايات المتحدة والصين وروسيا- على قطف ثمار المزايا الجيوسياسية.

وهكذا، وفي هذا الإطار، ستكون محصلات الصراع مع كوريا الشمالية موضع تمحيص عميق في الشرق الأوسط، بهدف استطلاع كيفية تعاطي إدارة ترامب مع الأزمات والصفقات مع الحلفاء والخصوم. وهنا، سيكون لشركاء أميركا الشرق أوسطييين اهتمام خاص بأربعة جوانب في الأزمة الكورية الشمالية- الأميركية:

ما الثمن الذي ستكون الولايات المتحدة مستعدة لبذله، مقابل كوريا شمالية منزوعة السلاح النووي أو مقيّدة على نحو صارم في برامجها الخاصة بتصنيع الأسلحة النووية والصواريخ البالستية؟

إلى أي مدى ستنجح إدارة ترامب في تعبئة الضغط الدولي، خاصة من جانب روسيا والصين، ضد بيونغ يانغ؟

كيف ستتمكن الولايات المتحدة من الدفاع عن المنشآت المهمة في كوريا الجنوبية واليابان، والحفاظ على مصداقية مظلة الردع النووية، فيما تطوّر كوريا الشمالية القدرة على ضرب المدن الأميركية بالأسلحة النووية الحرارية؟

مامدى استعداد الولايات المتحدة لنشر أسلحة أميركية استراتيجية (بما في ذلك ربما أسلحة نووية تكتيكية) في كوريا الجنوبية؟

تبدو آفاق التوصّل إلى تسوية دبلوماسية لمشكلة كوريا الشمالية بعيدة المنال، إلا أن الخبراء الاستراتيجيين في الشرق الأوسط سيحلّلون على نحو دقيق التنازلات السياسية والأمنية والاقتصادية التي قد تفكّر الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان والصين وروسيا في تقديمها، كجزءٍ من عملية تدريجية ترمي إلى كبح جماح برنامج بيونغ يانغ النووي والصاروخي. وحتى في ظل غياب التسوية، ما الأمور التي تتوقع الولايات المتحدة أن يكون كيم يونغ أون مستعدّاً للتخلّي عنها، وما الذي سيحصل عليه في المقابل؟ وما سيهمّ المملكة العربية السعودية وإسرائيل بشكلٍ خاص هو معرفة الحيّز الذي ستكرّسه مقاربة واشنطن لالتزاماتها الأمنية حيال كلٍّ من اليابان، وكوريا الجنوبية خصوصاً.

ثمة تهديدات متنامية بأن الدول الحليفة لأميركا في الشرق الأوسط، مثلها مثل كوريا الجنوبية، ستتعرّض إلى هجمات صاروخية قصيرة المدى تستهدف مناطق مكتظّة سكّانياً. قد يحمل النزاع التقليدي المحتمل في شبه الجزيرة الكورية أوجه شبه عدّة مع حرب مقبلة محتملة بين إسرائيل وحزب الله، حيث يتم قصف إسرائيل بعشرات آلاف القذائف الموجّهة والصواريخ (بعضها نسخٌ من صواريخ كوريا الشمالية). ونظراً إلى صغر مساحتها وبنيتها التحتية المتقدّمة، تُعتبر إسرائيل في موقع ضعيف للغاية في مواجهة الأسلحة الدقيقة التي ينشرها حزب الله في المراكز السكنية القريبة من حدودها.

وفي حال نشوب نزاع مسلّح في شبه الجزيرة الكورية، ستُعتبر استجابة إدارة ترامب لمطالب كوريا الجنوبية واليابان بتوفير الدعم العسكري والأسلحة والمعدّات المتقدّمة بمثابة مؤشّر على التزامها بحماية أمن سيول وطوكيو، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات ملحوظة على دول الشرق الأوسط.

أما النتيجة الأكثر ترجيحاً لأزمة كوريا الشمالية- والتي تشبه إلى حدّ كبير الوضع القائم بين الولايات المتحدة وإيران – تتمثّل في حالة من اللاحرب واللاسِلم، تغرق بموجبها شبه الجزيرة الكورية، لفترة طويلة، في لُجج التوتّر العسكري والدبلوماسي. سيُشبه ذلك من نواحٍ عدة الصيغة الأكثر خطورة لوضعية الخليج الفارسي، قبل أن يتمكّن الاتفاق النووي المؤقت في العام 2013 مع إيران من نزع فتيل التوترات واستيلاد الزخم الدبلوماسي الذي سهّل التوصُّل بعدها بثمانية عشر شهراً إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA )، كما يُعرف رسمياً الاتفاق النووية مع إيران. وبالتالي، الطريقة التي ستتطور بها الأزمة الكورية الشمالية المتواصلة، ستؤثّر على سلوك اللاعبين الرئيسيين في مواجهة إيران، بمن فيهم السعودية وإسرائيل، وربما إيران نفسها.

إذ أن أزمة تدوم طويلاً، قد تصرف انتباه الولايات المتحدة عن إيران، وتعيق قدرتها على تشكيل تحالف دولي ضد تهديد إيراني لانووي وأقل سطوة من التهديد الكوري الشمالي. علاوة على ذلك، فيما ينبري حلفاء أميركا وشركاؤها الأمنيون في الشرق الأوسط إلى التصدي لاختبارات الصواريخ البالستية التي تجريها إيران باستمرار، سيكون لهم في الوقت نفسه اهتمام كبير في استشراف كيفية ردة فعل إدارة ترامب على التجارب الصاروخية الكورية الشمالية الجارية حالياًعلى قدم وساق.

أمر آخر يتلبّس الأهمية نفسها في نظر هؤلاء الحلفاء يتعلّق بما إذا كانت الجهود الدبلوماسية الأميركية ستركّز على إزالة أو تقليص تهديد الصواريخ الكورية الشمالية البالستية والعابرة للقارات (ICBM ) للأراضي الأميركية، على حساب الحد من تهديد صواريخ بيونغ يانغ قصيرة المدى والصواريخ البالستية متوسطة المدى، التي تفرض أصلاً مخاطر جمّة على كوريا الجنوبية واليابان. وهنا، الطريقة المؤكدة لـ”فصل” هؤلاء الحلفاء عن الولايات المتحدة، هي تبلور اعتقاد بأن الولايات المتحدة ستبرم صفقة مع كوريا الشمالية حول تجاربها النووية والصاروخية البالستية العابرة للقارات، ماقد يؤدي إلى إهمال هذه التهديدات المباشرة لأمنهم. وهكذا محصلة لن تكون، بالتأكيد، موضع ارتياح لدى إسرائيل ودول الخليج.

لاريب أن مخططي السياسات في الشرق الأوسط، سيتابعون بدقة مسار النقاشات ومآلاتها حول خطة العمل الشاملة المشتركة في واشنطن، خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة. بيد أن عليهم أيضاً أن يبذلوا اهتماماً خاصاً للأحداث في شبه الجزيرة الكورية. إذ سيكون لقدرة إدارة ترامب على التنسيق بين أعضائها في خضم الأزمة، والبناء على الفرص لنزع فتيل التوترات، والضغط على الصين لدفعها إلى لعب دور بنّاء وأكثر فعالية، تبعات كبرى على حلفائها وخصومها على حد سواء في منطقتي الخليج والمشرق. وكذا الأمر بالنسبة إلى مدى استعداد أميركا للمغامرة في لعبة حافة هاوية عالية المخاطر مع بيونغ يانغ، وإلى مدى استعدادها لمراعاة هموم واهتمامات حلفائها الشرق آسيويين.

عن موقع معهد كارنيغي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق