حدود اللّغة

وقصارى القول إنّنا لا نرى الأشياء ذاتها، بل نحن إنّما نكتفي – في معظم الأحيان – بقراءة تلك البطاقات الملصقة عليها. وهذا الميل المتولّد عن الحاجة قد تزايد شدّة تحت تأثير اللّغة. والسّبب في ذلك هو أنّ الألفاظ (فيما عدا أسماء الأعلام) تدلّ على أجناس. ولمّا كان اللّفظ لا يستبقي في الشّيء إلاّ أعم ّوظيفة له وأكثر جوانبه إبتذالا، فإنّ من شأنه حينما يتسلّل بيننا وبين الشّيء، أن يحجب صورته عن عيوننا، إذا لم تكن الصّورة قد توارت من قبل خلف تلك الحاجات التّي عملت على ظهور ذلك اللّفظ نفسه. وليست الموضوعات الخارجيّة وحدها هي الّتي تختفي عنّا، بل إنّ حالاتنا النفسيّة هي الأخرى لتفلت من طائلتنا بما فيها من طابع ذاتي شخصي حيّ أصيل. وحينما نشعر بمحبّة أو كراهيّة أو حينما نحسّ في أعماق نفوسنا بأنّنا فرحون أو مكتئبون فهل تكون عاطفتنا ذاتها هي الّتي تصل إلى شعورنا بما فيها من دقائق صغيرة شاردة وأصداء عميقة باطنة، أعني بما يجعل منها شيئا ذاتيا على الإطلاق؟…. الواقع أنّنا لا ندرك من عواطفنا سوى جانبها غير الشخصي، أعني ذلك الجانب الَّذي استطاعت اللّغة أن تميزّه مرّة واحدة وإلى الأبد … إنّنا نحيا في منطقة متوسّطة بين الأشياء وبيننا أو نحن نحيا خارجا عن الأشياء، وخارجا عن ذواتنا أيضا…

المصدر:
هنري برغسون: الضّحك، ترجمة: د. علي مقلد، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، 2007.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق