شبح نيويورك: القصيدة وكوابيس المدينة / حاتم الصكر

مدينة تلتهم رؤى الشعراء وتصوراتهم عنها. ما إن تُذكر حتى يرد سيل أسماء هجت قصائدُهم المدينةَ وحشاً أو شبحاً، يمتد السيل من أبنائها: والت ويتمان وألن غينسنبرغ، وروادها الأوائل العرب: جبران وأمين الريحاني، والأجانب الزائرون: لوركا وسنغور، والشعراء العرب المعاصرون: أدونيس وسعدي يوسف وراشد حسين وأحمد مرسي، وثمة آخرون كأودن ولانكستون هيوز وسواهم. أوصاف عدة أطلقها الشعراء وهم يواجهون نيويورك بضجيجها وصلادتها وعمائرها واشتباك مرائيها بين حضارة وصناعة وآلية واكتظاظ، وبتلك الروح الهاربة التي لا تمسك.

الشاعر العراقي الشاب حسام السراي يواجه المدينة الشبح أيضاً في زيارة يعود بعدها بقصيدة طويلة ضمّها كتابه الشعري (حي السماوات السبع) 2017.

الشاعر لم يفلح في تجنيس عمله باعتقادي، فقدمه على الغلاف كعتبة موجهة للقراءة على أنه (شعر) ما يوحي بقصائد أو نصوص متعددة. لكن ما نقرأ في الحقيقة، نص موحد متلازم من خمسة مقاطع، لا نكاد نتبين حدودها، لولا اقتحام الشاعر فضاء النص بما يسميه (استدراك) بعد كل مقطع.

ظل النص إذن وحدة شعرية واحدة. وبتعبير فاضل العزاوي في كلمته على الغلاف الأخير للعمل فهو “نشيد شعري طويل ومتدفق” كما وصف العمل بأنه قصيدة عن المدينة جعلها الشاعر “قصيدة عن نفسه قبل كل شيء”.

تلك الإشارات تصلح مدخلاً لمتابعة ما فعلت نيويورك بشاب عراقي يقطع زمنياً ما مقداره ثلاث عشرة ساعة، حاملاً أوهامه أو تصوراته عن المدينة كأي زائر.

صحيح أنه لم يدخلها سائحاً يرصد ويدون ملاحظاته التي يشكلها التعامل البصري مع مرائيها الصادمة والمدهشة، لكنه تتبع خطاه في شوارعها وأحيائها ما رأى من نصبها ورموزها الثقافية.

لقد تمثّل ذلك كله في تحويل الواقعة القادمة في سياق سياحي إلى واقعة شعرية، يسكب عليها إكسير المخيلة ليشكلها من جديد.

لنمثل لذلك ونصحب الشاعر – أو يصحبنا هو بالأحرى – إلى مبنى يضم منزل الممثل الأميركي من أصل إيطالي روبرت دي نيرو، وبما يختزن حسام السراي في ذاكرته عن الممثل سيكتب، ولكن ليس ما يكتبه ملاحظة سائح بعد أن عرفته الدليلة على المكان: هناك في هذه البناية يقع بيت روبرت دي نيرو. لقد بيع القصر طبعاً شأن كثير من بيوت الفنانين الفخمة والمطلة على نيويورك في منظر فضائي يسمح برؤية أحشاء المدينة وأحيائها.

كتب السراي بعد رؤية المنزل فقرات ذات دلالة سنسترسل من خلالها لرؤية شبح نيويورك في قصيدته:

نوافذ المسكن

الإيطالي الذي في الأعالي،

شرفته فارغة إلا من مائدة المجد المستحيل

لا ينتظر بهاء الشمس

فأطيافها حطت عند رأسه قبل أربعين عاماً

يوم لم تكن أنتَ حتى نطفة مؤجلة

يوم لم تُحسب بعدُ نبضةً تتحرك في الأحشاء

يوم لم تتعرف التمائم إلى صرختك

يوم لم تهدهدك هذه المرأة

لأن الأم مشغولة بوحشة الأبيض والأسود في التلفاز

وبالمذيع يلهج بقافية الفناء (جاءنا البيان التالي)

في هذا المقطع نرصد عدة دلالات تشمل استراتيجية العمل كله. فالشاعر لم يرَ حاضر المكان فحسب وينبهر به شأن السياح العابرين، فالساعات الثلاث عشرة التي قضاها الشاعر في الفضاء للوصول إلى نيويورك لم تكن كافية كالمكان نفسه لقطع الحبل السري بين الشاعر ومكانه الأول، فراح يقيس مسافة زمنية أخرى: بين طلوع مجد الممثل وولادة الشاعر. العذاب الذي شهدته ولادته حيث ضاعت صرخات استقباله الحياة وسط ضجيج البيانات الحربية في معارك العراق المتواصلة.

هكذا جاء الشاعر إلى نيويورك، حاملاً للمقايسة إرثاً حزيناً ملوناً بذكريات الدم والموت، فزادت نيويورك غربة عنه (رؤية رماد مركز التجارة العالمي في نيويورك يستدعي استذكار مجمع الليث بالكرادة في بغداد حيث حوله التفجير الإرهابي في تموز 2016 إلى رماد ومات تحت أنقاضه المئات ومنهم الأخوة الثلاثة الباعة في متجر عرفه الشاعر). لذا جاءت تخطيطات الفنان كريم رسمًا بالأبيض والأسود محاولة لمجاراة إيقاع القصيدة بسوداويتها ومضاعفة غربة المكان وقسوته. فهي خطوط خارجية تؤطر كائنات مشوهة أو هلامية ضائعة في فراغ البياض وصمته، تتلاشى وتضيع في الفراغ مندهشة لا تعي ما يدور حولها ولا تدرك لغز الموت الذي يختطفها في كل منعطف.

لكن المكان في القصيدة ليس مؤثثًا بعين سائح مندهش الماضي والمكان الأول محمولان على الأكتاف وفي الحدقات التي تبصر. لذا فلا غرابة أن تتحول الكلمات إلى مراث حقيقية لحياة الشاعر. بل سوف يستدير المقطع الأخير ليغدو تسجيلاً للمغادرة على وقع أغنية لمروان خوري عن عالم (تهرب فيه الطيور من الشجر، ثم يحين موعد المغادرة). هنا اكتمل السرد الشعري للرحلة. نيويورك في خلفية الصورة وخلف الشاعر وفي خلفية النص. وفي الأمام حاضر قاس يعاني منه الشاعر ويُزيد غموض نيويورك. هنا تشتبك الأزمنة وتختلط الأمكنة. وتغدو نيويورك مناسَبة لرؤية ما حلَّ بمدينة الشاعر. وهذا ما خصص له القسم الرابع والاستدراك الذي ختم به نصه.

لكن مرائي نيويورك وصورها ستتوالى، وإذا كان ختام النص قد أغرانا بالمعاينة لتحديد موقع الشاعر وهو يتملى المدينة ويرصد تفاصيلها، فإن المدخل أو الاستهلال في القسم الأول يدعونا للمعاينة كأحد موجهات القراءة. وعليَّ أن أشير إلى أن التقسيم المقطعي افتراضي لم ينص عليه الشاعر، ولكنه أوحى به من خلال اصطناع استدراك مرقَّم بعد كل جزء. فتحصلت للقارئ خمسة استدراكات تعترض سرد النص وتَوالي وقائعه وتَتابعها.

الرحلة طويلة، ينبئنا المدخل: “من بريق إناء مكسور/ إلى مطار مانهاتن” وهذا التحديد المكاني يؤازر البعد الزمني. ثم يحدد المفارقة الشعورية التي ستحصل أو الصدمة التي تعطيها نيويورك لزائرها. لشاعر كالسراي ثمة المقابلة والمقارنة المستمرة. ليس بين قصر دي نيرو المتعالي في مانهاتن، وولادة الشاعر وسط طبول الحرب وبياناتها الفاقعة هذه المرة. لقد هبط في مطار جون كيندي، وشرطية أفرو أميركية تتفحص جوازه. لكنه غير معني بذلك الآن:

أنتَ الآن مأخوذ بصورة أمامك

يبتلعك فمها

في وقت مستقطع ومساحة

قالت لك الدهشة: إنك تُخلق بينهما الآن.

المدينة الشبح تفتح فمها الواسع لتبتلعه بعد أن كانت صورة في المخيلة وتمضغه بين فكّي الوقت والمساحة، ثم سيقذف به الفندق بمانهاتن بطوابقه الثمانية والثلاثين إلى فضاء، سيتذكر من خلاله ما حل به:

من نافذة الفندق الشاهق

في ثانية واحدة..

هي زلزال يضرب ذاكرة هاربة من مصحة نفسية

تدقق في كمائن العالم وظرائفه

فتدرك الآن أنك تقيم في حي السماوات السبع.

هذه الإقامة الفضائية وهبت للعمل عنوانه: حي السماوات السبع، كناية عن غرابةٍ وخيالٍ وسحر ستبثها المدينة الشبح.

لكن الجديد في حالة حسام السراي أنه قادم مثقل يجر تاريخاً من الحزن، حتى أعطى القارئ الحق بوصف عمله بالمرثاة الشخصية. هو مدجج بالألم قبل هبوطه في المطار. هنا ستصبح مرائي المدينة سبباً آخر للألم الإنساني: “التقاطعات العريضة تستفز رأسك”. وثمة مشاهد فرح تمر كلقطة خاطفة: “الغيتار يعبر/ على كتف بنت تتورد وجنتاها”. لكن في المقابل هناك ذاكرة تعمل على إطفاء جذوة الفرح. سرعان ما يقول الشاعر:

من البعيد الأبعد

أصوات أخشاب النعوش

وهي تحج إليك من المستوطنة (العظيمة)

تطفئ كل هذه المشاهد

ليس ثمة أمل إذن. ما تدبره المدينة الشبح للفرح، تطفئ جذوته المدينة الكابوس الآخر، التي جاء منها.

يشتغل حسام السراي في منطقة واضحة شعرياً؛ الغرابة التي تهبها نيويورك، والألم المحمول في القلب، والواقف بين كل منظر، وإمكان استيعابه جمالياً.

تصبح صلة الشاعر بنيويورك ثانوية في ظني، إزاء ما يحمل النص من تقاطعات الذاكرة بين ما كان وما سيكون: بلد يحترق كراهية وظلمًا وعسفًا واحتلالاً وفرقة، ومكان هجين لا تبصره عين مترمدة بغبار ذلك الوطن المضيع الضائع.

عن ملحق “ضفة ثالثة”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق