الكتابة والانتحار: بورتريه أبيض/ أسود

منذُ أن كتبتُ ونشرتُ نصّي حولَ الانتحار، فقدتُ الكثير منْ اهتمامي به. ما يثبتُ أن كوني كاتبًا ليس أمرًا بهذا السّوء.

******

أن تكتبَ عنِ الانتحارِ يعني أنْ تتجاوزه.

“إميل سيوران”

ليس هناك أسوأ من أن تهجرك الحروف والأفكار و أن تسكنك الأوهام و العقد، فيكون ما يكون وما لا يكون هو الخلاص.

و ليس هناك ما هو أفضع  من أن يستبدّ بك الألم ويقهرك السّقم، حتّى إذا ملَلتَ الصّعود إلى جبل “الأولمب” بحثا عن الشّفاء, متوسّلا “آسكليبيوس” لم يكن هناك جواب ولا ردّ، لا صدى للصدى.

ومنتهى الفظاعة أن تحاول دوما تنفيس كُرب العالم في كلّ قرطاس فيخنقك الفقدان: حبّا أو ثورة أو كلّ العالم. فيأتي ما يأتي وما لا يأتي رحمة أو هلاكا: طلقة، أو سقطة، أو قبلة وداع، لحياة لم تعد كالحياة. (*)

الفيلسوف: آلهة الشّفاء، صمَّاء و خرساء

في تلك اللّحظة، عندما رمت الفلسفة بنفسها من النّافذة, تاركة “اللّوغوس”  لألمه ولصوت الارتطام الجنائزي على الرّصيف، و للدّم الأحمر القاني الّذي لطّخ ” الكونسيبت الفلسفي”. ربّما اختار الفيلسوف عن طواعية أن يكون وجوديا على طريقة سارتر “الكائن من أجل الموت” رغم نزعته المتوغلة أبدا في الحياة، غير أنّ الألم لا يطاق، والجهد الإنساني في المقاومة يصل في لحظة يأس إلى انحدار شديد فتبدأ الفكرة في الجولان والدّوران: عشرات، مئات، وربّما آلاف المرّات. ثمّ  يمتدّ في الأفق الكئيب ضوء خافت كترياق، وتأتي اللّقطة بالأبيض والأسود هذه المرّة،  فيسود صمت أبدي ” أوبرالي”، و بقفزة واحدة لا يبقى إلّا صوت الارتطام وأنين الأنفاس الموءودة.

لقد رحل الجسد الفاني وبقيت الفكرة الخالدة … غصّة في الحلق.

الشّاعر: غيمة في جيبي لا تمطر

أن تنتكس الثّورة فتأكل أبناءها، أو تكنس الحبيبة كالعاصفة عاطفة حبيبها، أن يبقى الشّعر يتيما والشّاعر دون مطر ولا حقيبة سفر. حتّى في الطّقس الجميل لا يأتي الأصدقاء فرادى أو جماعات، الغياب غيّب الجميع، و لم يبقى إلّا الضّجر. فلترحمنا الآلهة، و لتكن سلوانا قصيدة عابرة في دجى ليل بهيم.

الرّوائي: اضطهاد أم جفاء؟ البندقية وحدها من يعرف

يا صاحبي: لابأس أدر الكأس …

كتب الروائي لأحد أصدقاءه قائلا: “المشكلة بالنسبة إليّ أنّني طوال عمري كنت أجد علاجي في الشّراب، لقد كنت بالشّراب أشعر أنّني أفضل كلّما كانت الأمور تسوء في حياتي”. صديقنا المبدع الّذي يملك شراهة للخمر كما الكتابة، قرأناه دون دهشة مصطنعة وبكثير من الأنخاب. مشكلته هي العلاج، وعلاجه هو عين المشكلة. هذا التّناقض قد يقود إلى الجنون، فينفلت العقد الماسي على الأرضيّة الرخاميّة مصدرا ذاك الصّوت الّذي يشبه شخشخة الشامبانيا. لو لم يكن الحظّ رجلا، لما بقي في العقل ما فيه. الهلاوس والاكتئاب تم في لحظة ضعف عقدة الاضطهاد و المطاردة من أشباح بسحنات أمريكيّة. سيشيخ رفيق السّلاح قبل أن يصل أرذل العمر، كما صياده العجوز لم تطاوعه الرّغبة في النّساء، و لا حتّى في كؤوس دارت ومالت داء ودواء، بينما الكتابة تسلّلت من بين اليدين كما يتسلّل الماء، فكانت البندقية والرّصاصة نهاية رجل شجاع.

الرَّمق الأخير: مأساة سيزيف

سيبدو لون السّماء باهتا: كلّما اختنقت العبارة أو ضاقت، كلّما اشتدّت الصّعاب والمحن، كلّما امتلأ صحن الألم وفاض، أو انغمس سكّين دون نصل في قلب جريح.

فحين ترتعد الفرائص وتتمرّد في الرّمق الأخير كاختيار خالص للذَّات، أو حتَّى رغبة في الرَّغبة ذاتها، تبقى الحسرة خلاصا ويبقى المجد حياة كِتاب بلا صاحب، إلّا اعترافا خالصا من الإنسان للإنسان، يعمد الذّاكرة ويقصي النّسيان. “البعض يولدون بعد موتهم” كما قال نيتشه، غير أنّ المعنى والحقيقة تتجاوز كينونتها لتصبح تدربا على الموت. ترحالا ورحلة نحو الخلود، إنّه حلول الجزئيّ في الكليّ في تجربة فريدة للحدود القصوى.

لكن، أليس هذا الخلاص مجرّد خيانة لصخرة “سيزيف” وعودة تراجيديّة إلى أحضان الآلهة؟  ربَّما  !

ـــــ

(*)ـ كتب هذا النّص من وحي واقعة انتحار كلّ من الفيلسوف الفرنسي ّجيل دولوز والشّاعر الروسيّ ماياكوفسكي والروائي الأمريكيّ أرنست همنجواي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق