أنطوان سيرا يحلّ ضيفاً على قصر إدغار ميليك

جدران قلعة كابرييس الفرنسيّة تتألَّق بلوحات "رسام النّور"

على مدى أربعة شهور متواصلة حلّت أعمال الفنان التشكيليّ العالميّ أنطوان سيرا ضيفاً على قريةCabries الفرنسّية الجنوبيّة في محافظة إكس ان بروفنس، حيث ازدانت جدران القلعة القديمة المحصّنة الّتي تعود إلى القرن الثّاني عشر، بلوحات الرسّام الفرنسيّ الغنيّة بصور الطّبيعة في الحياة الريفيّة.

في الجناح الشّماليّ من القلعة القديمة “متحف إدغار ميليك”، الجاثمة على ذروة جبل كابرييس بمواجهة جبل فينتو وجبل سانت فيكتوار، ثمّة معارض متواصلة لأعمال فريدة من نوعها تضاف إلى  مجموعة المتحف المتعلّقة بالفنّان التشكيليّ الفرنسيّ (الأرمنيّ الأصل) إدغار ميليك. هذه المجموعة الّتي تشكّل أساس موجودات المتحف تتألّف من 86 لوحة زيتيّة على القماش والخشب والحجر والكرتون، إضافة إلى رسومات على الورق ومنحوتات رخاميّة ومعدنيّة.

أمّا سيرا الّذي حلّت لوحاته ضيفاً جميلاً على قلعة كابرييس، فقد اشتهر بأعمال فنيّة ذات موجات متتالية، وتطوّر مستمر في التّنوع. خلال شبابه في مارسيليا، رسم لوحة تضمّنت مساحات خافتة الإضاءة، لكنّه انتقل إلى ظلال أكثر تلويناً وإشراقاً، حتّى بات يُعرف بـ”رسّام النّور”. لذلك لوحاته تعبّر عن تلك العلاقة الحميمة بين الأرض والشّمس وما ينتج عنها من محاصيل زراعيّة ونباتات جميلة ومفيدة وثمار، إضافة إلى الحياة الّتي تتميّز بالعمل والكفاح من أجل لقمة العيش. رسم سيرا الحياة القرويّة والوجوه الّتي حفر فيها الزّمن تضاريس التّعب والجهد وتداعيات الفقر وبساطة العيش.

ينقل برسوماته الزيتيّة والمائيّة على حدّ سواء، أشياءً، وزهورًا وحقولاً وتلالاً وفواكه وخلفيات ملوّنة وأشجارًا، كما يهتمّ برسم شخصيات وزوارق وزرقة البحر ووجوه تتحدّى الزّمن، حتّى وصف بأنّه برع في فنّ التّصوير.

من سردينيا إلى مارسيليا

المعرض الّذي ترافق مع ندوات ومحاضرات حول الفنان سيرا والّذي استمرّ من شهر يونيو حتّى مطلع شهر أكتوبر الحاليّ، تضمن أجمل أعمال الفنّان الإيطاليّ الأصل، إذ ولد أنطوان سيرا في 6 مارس 1908 في جزيرة لا مادالينا في سردينيا. لكنّه وصل إلى مدينة مارسيليا الفرنسيّة مع والدته وثلاث شقيقات في العام 1914. اضطرّ الفتى الّذي عاش وسط أسرة فقيرة للعمل في وقت مبكّر جدّاً على رصيف فوكايان. لكنّه قّرر أن يصبح رسّامًا.

هكذا أصبح سيرا في سنّ الـ 16، طالباً في كليّة الفنون الجميلة في مارسيليا، حيث تمّ التّعرف على موهبته بسرعة. عرض أوّل أعماله في العام 1928، مع مجموعة من “الرسّامين الشّباب”. وبدأت حياته الفنيّة الّتي رافقته حتّى وفاته يوم 6 مايو 1995، في قرية Mouriès الصّغيرة عند سفوح جبال الألب.

تركت مارسيليا أثرًا طيّبًا في ذهن الرسّام القادم أصلاً من جزيرة متوسطيّة، إذ ساهم نمط الحياة البحريّة في تشكيل وعيه الفنيّ، فرسم في المدينة الفرنسيّة السّفن والمصانع والعمّال. وعرض أعماله مع مجموعة “الرسّامين البروليتاريين”. هو فنّان ملتزم، شارك في العام 1936 في إنشاء دار الثّقافة في مارسيليا وأسّس مشغلاً له لرسم لوحاته، وكان يلتقي زملائه من الفنّانين في المقهى المشهور باسم le Péano.

الرسّام المقاوم

خلال الحرب العالميّة الثّانية، اضطرّ إلى ترك مارسيليا بسبب أنشطته المقاومة ضدّ النّازيين، واكتشف بروفانس الداخليّة واستقرّ في العام 1946 في فالي دي بو.

رسم سيرا المناظر الطبيعيّة في إقليم إكس ان بروفنس، وركّز في بعض أعماله على المجتمعات الزراعيّة، والمشاهد الريفيّة والشّخصيات التقليديّة. لذلك تضمن معرضه الأخير لوحات لقطاف الزيتون والحراثة ونساء يقمن بحياكة الثّياب أو بصناعة الخبز، إضافة إلى لوحات تصوّر أهمّ الحرف التقليديّة والمهن الّتي يتقنها أهل الرّيف خصوصًا.

في العام 1951، كان لوفاة أمّه الّتي تعلّق بها كثيراً، أثراً في تحوّله نحو الإيمان المسيحيّ والرّغبة في العودة إلى المصادر.

لعلّ ما أثرى أعمال سيرا إضافة إلى تكوينه الإيطالي ونشوءه الفرنسيّ هي إقامته في الولايات المتّحدة في العام 1981، حيث أضاف إلى رصيده الفنّيّ  لوحات ورسومات ذات طابع جديد.

يؤكّد معرض كابرييس أهميّة لوحات الفنّان الإيطاليّ الأصل الّتي لا تزال تتنقل بين المتاحف وصالات العرض حتّى بعد وفاته. فخلال حياته شارك سيرا في العديد من المعارض في فرنسا وإيطاليا. ربّما كان أبرز هذه المعارض الّتي كرّس جزء من حياته لها: معرض بعنوان “أنطوان سيرا بأثر رجعي” نُظّم من ديسمبر 1983 حتّى يناير العام 1984 في معرض la Vieille Charité في مارسيليا ، كما نُظم معرض آخر من مايو حتّى يوليو العام 1985 في متحف Paul Valéry في مدينة سيت.

بعد وفاته، استمرّت لوحاته تتألّق في معارض كانت محجوزة مسبقاً له، من بينها ” ألوان الالتزام، حول أنطوان سيرا، 1920-1950″ في متحف التّاريخ في مارسيليا بين ديسمبر 2006 وأبريل 2007. كذلك في متحف جان إيكارد، وبولين برتراند، في La Garde (Var)، بين سبتمبر وديسمبر 2011.

من هو إدغار ميليك؟

إدغار ميليك (1904-1976) رسّام فرنسي من أصل أرمني. هو ابن عمّ الشّاعر روبن ميليك. رسم لوحاته الأولى في العام 1925 وسجّل في مدرسة الفنون الجميلة في باريس. قام برحلة إلى المغرب في نهاية العام 1928. ومرّ عبر ملقة وغرناطة ومورسيا حيث وضع أوّل رسوماته “الغريبة”. في يونيو العام 1930، حلّ على مايوركا، حيث كانت عائلته تتلقّى رسائل قيمة تصف أعماله الفنيّة. أعمال كرسته فنّانًا عالميًا في معرض كارمين في باريس، أوّل معرض له في العام 1930.

في العام 1932، غادر باريس الىLes Saintes-Maries-de-la-Mer  قبل أن يصل مارسيليا حيث استقرّ وأقام ورشة صغيرة هناك.

وجد ميليك دوافعه الأولى والهاماته لدى الصيادين، والباعة المتجولين وأسماك البحر. إنتقل في العام 1934 إلى قصر كابرييس، بين إيكس إن بروفانس ومارسيليا، حيث أقام ورشته الّتي لا تزال معلمًا سياحيًا وشاهدًا على أعماله. تتمّيز لوحاته بثلاثيّة ثابتة هي الشّخصيات والحيوانات والنّساء كمواضيع رئيسيّة.

وكما وصفت أعماله أحيانًا بالغريبة لدى بعض النّقاد الكبار كانت نهاية حياة ميليك غريبة إذ  وجد ميّتا أمام موقده.

متحف كابرييس

يستقبل متحف إدغار ميليك الفنون والنّدوات وأعمال وبرامج يختصّ بها الإقليم الشّهير بكثافة نشاطاته الثّقافيّة، والتكنولوجيات الجديدة، والعلوم الطبيعيّة، وكلّ ما يتعلّق بالجماعات العرقيّة القبليّة، وعلم الآثار. كما يقدّم الإبداع المعاصر، حيث يتمّ تنظيم المعارض المؤقّتة المخصّصة لأسماء كبيرة كلّ عام. ويقدّم المتحف ورش عمل للأطفال بالإضافة إلى جولات سياحيّة باللّغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة.

لقد حافظ القصر القديم الّذي تمّ ترميم سقوفه في العام 1979، على شكله الرباعيّ، ومدخله الّذي يمثّل قوسًا جميلاً ينقلنا إلى أجواء القرن الثاني عشر. وحافظ على موجوداته مثل الفرن القديم والطّراز الرومانسي الّذي اشتهر به فنّ العمارة تاريخيًا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق