القائد الشيوعي محمود الأطرش المغربي: النّضال في الزّمن الثوري

تشكل المُذكرات مصدراً من مصادر كتابة التاريخ؛ وعلى رغم المحاذير التي من الممكن أن تُثيرها إزاء التدوين العلمي للوقائع بسبب طابعها الذاتي، تحتفظ بجديتها وقدرتها على الكشف عن تفاصيل كثيرة، قد تغيب عن المناهج التاريخية الأخرى.

يشير المؤرخ الفلسطيني ماهر الشريف في كتابه “طريق الكفاح في فلسطين والمشرق العربي: مُذكرات القائد الشيوعي محمود الأطرش المغربي (1903-1939)” (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، الطبعة الأولى، 2015) إلى نقاط قوة المذكرات ونقاط ضعفها مقارنة بوثائق الأرشيف، ملاحظاً أن بإمكانها تقديم معلومات تفصيلية عن الظروف المحيطة بأي حدث يرويه صاحبها، وفي المقابل يعاني كاتبها من احتمال الخلط والنسيان.

تغطي مذكرات محمود الأطرش المغربي، التي أعدها وحررها الشريف، الفترة الممتدة بين أعوام 1903-1939. كتب المغربي، الشخصية الشيوعية البارزة في فلسطين والمشرق العربي ودوائر الأممية الشيوعية، “مذكراته خلال وجوده في مدينة برلين، واشتملت على أكثر من (700) صفحة مكتوبة بخط اليد. وقبل سقوط الجدار، وبعد اتصالات بقيادة الحزب الاشتراكي الموحد في جمهورية ألمانيا الديمقراطية” حصل الشريف “على نصفها تقريباً، وتحديداً 312 صفحة، تغطي، أساساً، المرحلتين الفلسطينية والمشرقية في نشاطه” (ص 3).

تضمن الكتاب الذي جاء في (22) فصلاً محطات تاريخية غنية عن فلسطين وبعض دول المشرق العربي. ولعل المحاور الأهم ارتكزت على تأسيس الأحزاب الشيوعية في بعض الأقطار العربية، لا سيما في لبنان وسورية وفلسطين ومصر. تأتي أهمية هذه المذكرات من أنها أتاحت للقارئ المجال للتعرف على أوضاع فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى وهي فترة تاريخية كاشفة وأساسية.

الحزب الشيوعي الفلسطيني والثوريون اليهود

“وُلد محمود الأطرش المغربي في كانون الأول (ديسمبر) 1903 من أبوين عاملين هاجرا الجزائر إلى فلسطين. أتم دراسته في يافا، واضطر إلى ترك دراسته الإعدادية في سنة 1917 للعمل في قطاع البناء. وبعد تعرفه إلى الشيوعيين اليهود، انضم إلى منظمة الشبيبة الشيوعية، وأصبح، في سنة 1926، سكرتيراً لفرعها في يافا، وسعى مع شبان آخرين لتنظيم نقابات لعمال البناء والمرفأ فيها. وفي سنة 1927 أوفدته قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى موسكو للدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق، حيث أمضى ثلاثة أعوام عاد بعدها إلى فلسطين ليساهم، في إطار خطة التعريب في قيادة الحزب، إذ انتخبه مؤتمره السابع، الذي عُقد أواخر كانون الأول (ديسمبر) 1930، عضواً في سكرتاريا لجنته المركزية (…) كان الأطرش ممثلاً للأحزاب الشيوعية في الدول العربي لدى اللجنة التنفيذية للكومنترن”؛ سُجن واعتُقِل مرات عدة” (ص 1- 2).

يحتوي الكتاب على معطيات جديدة حول تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني. شكل الثوريون اليهود الذين قدِموا إلى فلسطين في إطار الهجرات الصهيونية النواة الأولى للحزب، باسم حزب العمال الاشتراكي. يتحدث المغربي عن الاجراءات المتخذة في مسيرة تعريب الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي أُعلن عن قيامه رسمياً في 9 تموز (يوليو) 1923.

مخاطر الصهيونيّة والثورات التحرريّة

لم تقتصر المذكرات على الطابع النضالي والسياسي، إذ تضعنا في العالم الخاص لصاحبها في الطفولة والمراهقة وظروف شظف العيش. يتمثل الجانب الخفي الذي يطلعنا عليه المغربي في تظهير نمط الحياة الاجتماعية السائدة في فلسطين خلال تلك الفترة التاريخية، كما يسلط الضوء على طبيعة العلاقة بين العرب واليهود قبل نكبة 1948، والتي اتسمت بالطابع السلبي، سارداً الحقائق حول مخاطر المشروع الصهيوني وكيفية استيلاء الفرق الصهيونية، بمساعدة الشرطة والجيش البريطانيين، على الأراضي الفلسطينية وطرد سكانها الفلاحين، وشراء أراضٍ كثيرة من عائلات ثرية من بينها عائلة سرسق اللبنانية المقيمة في بيروت.

تناولت المذكرات الظروف التاريخية المواكبة لانهيار السلطنة العثمانية وبداية نمو الوعي الوطني والقومي لدى الشعوب العربية، الذي تخلله انفجار الثورات التحررية في العراق ومصر وسورية بين عامي 1919 و 1920. حول ثورة تموز (يوليو) 1920 السورية يقول المغربي: ” ثارت الجماهير العاملة  في سورية في وجه الاحتلال الفرنسي، على الرغم من استسلام الزعماء القوميين من كبار المُلاك والتجار والأمراء، وعلى رأسهم فيصل بن الحسين، وقاومت من دون استعداد وبشجاعة أسطورية جيش الاحتلال الفرنسي، على الرغم من تفوقه عليها بالعدد والأعتدة. واستشهد في آخر معركة دارت في ميسلون، دفاعاً عن دمشق، فريق من الشبان الثوريين السوريين الذين استهوتهم ثورة أكتوبر [تشرين الأول] الاشتراكية ومبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها التي نادت بها، بينهم يوسف العظمة، وزير الدفاع في حكومة فيصل، الذي كان يدعو إلى الاتحاد مع الثوار الأتراك، أعداء الأمس، ضد الإمبرياليين البريطانيين والفرنسيين، أصدقاء الأمس” (ص 65).

الأحزاب الشيوعيّة والرجعيّة العربيّة

تشتمل المذكرات على ظهور الأحزاب الشيوعية في الشرق العربي. سجل المغربي ملاحظات جيدة حولها، لكنه يُقر بأنه من الصعب الكتابة عن تاريخ الحركات والأحزاب الشيوعية في الأقطار العربية بالاعتماد على الذاكرة وحدها من دون مراجعة الوثائق والملفات الحزبية. “وقد جعلت سرية الأحزاب الشيوعية في الشرق العربي، في مصر وفلسطين ولبنان وسورية والعراق، الاحتفاظ بمثل هذه الوثائق والملفات في حكم المستحيل، ولا سيما في الأعوام الأولى من تأسيسها، وذلك لما كان يلاقيه المناضلون الشيوعيون من ضروب العسف والإرهاب البوليسي من جانب سلطات الانتداب البريطاني والفرنسي والحركة الصهيونية والرجعيين العرب” (ص 69).

يتطرق المغربي إلى وضع البورجوازية الفلسطينية السياسي بعد الاحتلال البريطاني والحركة الوطنية التحررية في فلسطين خلال أعوام 1917 و 1921، منتقداً الزعماء الوطنيين الذين دعوا الشعب بصورة دائمة إلى الخلود والسكينة والهدوء بدل الانتفاضة من أجل نيل الاستقلال والتحرر من “خطط الإمبرياليين والصهيونيين”.

امتلك المغربي نبرة ثورية عالية ضد الرجعية العربية الساعية لاختزال القضايا الوطنية ضمن المصالح السياسية الضيقة في فلسطين والدول العربية. هذه الحماسة الثورية دفعته إلى التأثر الشديد بالثورة التركية التي قادها مصطفى كمال أتاتورك (1881- 1938). يروي كيف دعم أهالي يافا الثورة التركية الكمالية: “لم أزل أتذكر مظاهر الفرح والحماسة والعطف القوي التي أبداها شعب فلسطين العربي بصورة عامة، مواطنو مدينة يافا بصورة خاصة، تجاه الثورة التركية الكمالية (…) كان أهالي يافا أول من لبى مشروع الاكتتاب العام والتبرع لمساعدة الثوار الأتراك، فجُمعت ملايين الليرات، الذهبية وغير الذهبية، من كل حانوت ودار، عدا الحلي والمصاغ التي كانت تتبرع بها النساء باسم الثورة التركية. وقد أُرسلت تلك الأموال، على ما قيل، بصحبة وفد تألف من كبار التجار والمُلاّك في يافا” (ص 96).

شكل المؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني الذي عُقد بين أواخر كانون الأول (ديسمبر) 1930 وأوائل كانون الثاني (يناير) 1931 في مدينة القدس، محطة مفصلية في تاريخ الحزب، شارك فيه (40) مندوباً من الشيوعيين العرب واليهود، واتخذ قرارات مهمة على المستويين السياسي والتنظيمي.

واقع السّجون والمؤتمر الإسلامي الأول

إن أبرز الحقائق التي تكشف عنها المذكرات، الواقع المزري للسجون خلال الانتداب البريطاني على فلسطين. نقل المغربي وقائع كارثية عن أحوال السجون بسبب تعرضه للاعتقال مرات عدة لأسباب سياسية ولانتسابه ونضاله ضمن صفوف الحزب الشيوعي.

ثمة ملاحظة يشير إليها المغربي بعد خروجه من سجن عكا المركزي عام 1932 : “لمسنا لدى خروجنا من السجن وجود تيارات عدة في الحركة القومية، منها التيار الديني الإسلامي، الذي ظهر بوضوح بعد قيام المستر جون فيلبي، المستشار الإنكليزي للملك عبد العزيز بن سعود، بزيارة فلسطين، ويمثل أمين الحسيني وجماعته هذا التيار. ومن النتائج العملية لظهوره، كان عقد المؤتمر الإسلامي الأول في 7 كانون الأول (ديسمبر) 1931 في القدس، وشاركت فيه شخصيات إسلامية عديدة، مثلت عشرين قطراً، ومن مقرراته: إنشاء جامعة إسلامية تسمى “جامعة المسجد الأقصى”؛ تأليف دائرة معارف إسلامية؛ إعلان قدسية البراق؛ تشكيل شركة إسلامية لإنقاذ أراضي فلسطين؛ المطالبة بتسليم سكة حديد الحجاز إلى هيئة إسلامية. بيد أن هذه القرارات بقيت حبراً على ورق، على الرغم من أنها لم تمس النضال من أجل استقلال فلسطين، لا من قريب ولا من بعيد” (ص 192).

العمل السّري خلال الثورة الجزائريّة

غطت المذكرات أحداثاً تاريخية في دول عربية عدة، فلم تكن حكراً على تاريخ فلسطين السياسي والاجتماعي خلال (36) عاماً. يوثق الكتاب للحراك السياسي والثوري والقومي والصراعات الحزبية والمصالح الضيقة لبعض الزعماء السياسيين في سورية ولبنان والعراق في حقبة ما قبل الاستقلالات الوطنية، كما أنه يحيطنا بالأجواء الإقليمية والدولية المواكبة لهذه المرحلة التاريخية وتأثيرها في قضايا عربية بارزة.

بعد مغادرته لموسكو متجهاً من مرفأ مرسيليا إلى الجزائر، انتقل المغربي إلى العمل السري خلال الثورة الجزائرية، في الفترة 1954- 1962، واعتقل في سنة 1959 وسُجن في معتقلي بني مسوس ودويرة (…). عمل محرراً لصحيفة “الثورة والعمل” لسان حال الاتحاد العام للنقابات، خلال سنة 1967 حتى آذار (مارس) 1968، أي الشهر الذي غادر فيه الجزائر إلى ألمانيا، حيث كتب مذكراته في برلين، ثم عاد إلى الجزائر ووافته المنية في برلين سنة 1978.

أغنى ماهر الشريف الكتاب بالحواشي المتضمنة للشروحات والتعقيبات والتعريف بالشخصيات والأحداث. تُعد كتب المذكرات والسير الذاتية من المراجع الغنية التي يؤخذ بها، نظراً لفائدتها في باب دراسة الحركات الاجتماعية والسياسية، مع ضرورة تعامل المتخصصين والمؤرخين معها بدقة وتمحيص.

يبقى من المفيد استكمال الجزء الثاني من أوراق المذكرات التي تركها محمود الأطرش المغربي بغية التعرف على الفترة الزمنية الممتدة من عام 1939 وحتى عام 1978؛ وهي فترة شهدت تحولات تاريخية كبرى عربياً ودولياً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق