الدّين دواء، والفلسفة وقاء!

“فأين الدّين من الفلسفة؟ وأين الشيء المأخوذ بالوحي النّازل من الشيء المأخوذ بالرأي الزّائل؟”

التّوحيدي، الإمتاع والمؤانسة

“الواقع أن ثمة موقفين يمكن اتخاذهما إزاء المجهول: أحدهما قبول أقوال النّاس الذين يقولون إنهم يعرفون، من كتب معينة، أسراراً أو مصادراً أخرى للوحي، والآخر هو أن يخرج المرء ويرى الأمور بنفسه، وهذا هو طريق العلم والفلسفة” برتراند راسل، حكمة الغرب

أيُّ علاقة تجمع الفلسفة بالدّين؟ الحقّ أنّ هذا السّؤال طُرح كثيراً، كما أن الإجابة عنه تنوعت وكثرت. ولكن، هذا لا يمنعنا من أن نطرحه من جديد. وعليه، فإنّ هذا المقال يروم أن يوضّح العلاقة الّتي تجمع الفلسفة بالدّين، ويحاول أن يفكر في وظيفة كلّ من الفلسفة والدّين في المجتمع. وذلك من خلال استحضار رأي شخصيّة مغمورة في الثقافة العربيّة، وهي شخصية أبو سليمان محمد بن معشر البيستي، المعروف بالمقدسيّ.

فما الّذي نقصده بالدّين؟ وما هي الخصائص الّتي تميز كلّ من الدّين والفلسفة؟ وهل للفلسفة وظيفة مجتمعيّة تختلف عن وظيفة الدّين؟ وكيف كان موقف المقدسيّ من علاقة الدّين بالفلسفة؟

هذه بعض الأسئلة الّتي سنحاول أن نجيب عنها فيما سيأتي من تحليل ومدارسة.

يُعرف شلايرماخر الدّين بأنّه ” شعورنا بالحاجة والتّبعية المطلقة “. أمّا برغسون فيميز بين نوعين من الدّين، الدّين الأوّل هو الدّين السّكوني وهو الدّين الّذي يربط بين الإنسان والحياة، وبين الفرد والمجتمع، فهذه هي وظيفته. أمّا الدّين الثّاني، عند برغسون، فهو ما يسمّيه الدّين الحركي، ويقصد به التّصوّف الّذي لا يقدر عليه إلا الخاصّة. وإذا نظرنا إلى الدّين من زاوية المنهج المقارن، وجدنا تايلور يعرف الدّين بأنّه “الاعتقاد في موجودات روحانيّة ” [1].

أمّا الفلسفة فلا يوجد تعريف محدّد لها. ولكن  يمكن أن نجتهد في إبراز أهمّ خصائصها، حتّى نستطيع تحديد الفرق بينها وبين الدّين. ويمكن القول إنّ ما يميّز الفلسفة أنّها نظر عقلي، ونقدي، وتأمّلي، ويعني هذا، من جملة ما يعنيه، أنّه ليس في الفلسفة عقائد راسخة، أو طقوس، أو كيانات مقدّسة، من أي نوع [2]. أي أن الفلسفة تخالف الدّين الّذي عرفه تايلور، كما تقّدم، بأنّه ” الاعتقاد في موجودات روحانيّة “. فلا عقائد راسخة، من حيث المبدأ، في الفلسفة، كما يقول برتراند راسل، على الرّغم من أنّه قد يحدث أن يصبح أفراد من الفلاسفة عقائديين[3]. فإذن، يظهر لنا أن هناك اختلاف بين الفلسفة والدّين، وجوهر الاختلاف هو في مسألة المنهج، وأعني منهج كلّ من الفلسفة والدّين، فمنهج الفلسفة يقوم على النّظر العقلي، أمّا منهج الدّين فيقوم على الاعتقاد أو الإيمان.

إنّ هذا الاختلاف يجعلنا نتحدث عن الثوابت في كلّ من الدّين والفلسفة. فالدّين يقوم على ثوابت مرتبطة بالإيمان، كالإيمان ” بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره ” [4]. أمّا الفلسفة فهي أيضاً تقوم على الثوابت، ولكنّ ثوابتها مرتبطة بالعقل، أو بالبرهان، فحين نتحدّث عن الثّوابت في الفلسفة، فإنّنا نتحدث عن طابعها الديناميكي، والنّقدي، والتّأمّلي.

بيد أنّ الفلسفة تتأثّر بالدّين، كما أنّ الدّين يتأثر بالفلسفة،  ولهذا يتمّ الحديث عن فلسفة يهوديّة وفلسفة مسيحيّة وفلسفة إسلاميّة..إلخ. ويرى طه عبد الرحمن هنا، على سبيل المثال، أنّ الفلسفة الألمانيّة تأثرت باليهوديّة، فالفلاسفة الألمان ” كانوا يقتبسون، على الأقلّ، بعض مفاهيمهم المحوريّة وأفكارهم الجوهريّة من كتاب التّوراة كما كانوا يضمنون تآليفهم ونصوصهم اجتهادات وتأويلات يهوديّة”[5]. ويصل طه عبد الرحمن إلى اعتبار أنّ الكثير من المفاهيم الفلسفيّة أصلها ديني. ثمّ إنّ دارس الفلسفة في العصور الوسطى، يجد أنّ الفلسفة كانت تدرس ضمن اللاّهوت، فكان الفلاسفة لاهوتيين، وتمّ في هذه الفترة، أي في فترة العصور الوسطى، معالجة مواضيع فلسفيّة من خلال رؤيّة دينيّة، كما هو الحال مع مفهوم “الكلّيات” الفلسفيّ حين تمّ اخراجه من ميدان المنطق، وبالتّالي الفلسفة، وتمّ إدخاله إلى ميدان اللاّهوت، وبالتّالي، الدّين [6].

يظهر لنا، ممّا سبق، أنّ الدّين والفلسفة ليسا خطين مستقيمين لا يلتقيان أبداً، بل إنّهما قد يندمجان فيما بينهما، وإن كانا يختلفان في المنهج، كما رأينا، فمنهج الدّين يقوم على الإيمان، ومنهج الفلسفة يقوم على البرهان. وسبب اندماج الفلسفة بالدّين يرجع، في نظرنا، إلى أنّهما، أي الدّين والفلسفة، يعالجان مسألة مشتركة، وهي مسألة المعنّى، معنّى وجودنا ومعنّى وجود الحياة، على الرّغم من أنّ الهيمنة كانت للدّين دائماً في العصور الوسطى المسيحيّة، إذ لم تكن الفلسفة إلّا خادمة للاّهوت في المرحلة السكولائيّة (= المدرسيّة). غير أنّنا نجد في ثقافتنا العربيّة موقفاً مغايراً يرى أن الفلسفة مكملة للشريعة، كما أنّ الشريعة مكملة للفلسفة. وهو الموقف الّذي عرضه التّوحيدي في اللّيلة السّابعة عشرة في كتابه الامتاع والمؤانسة، حيث ذكر أنّ إخوان الصّفاء قالوا: ّ”متى انتظمت الفلسفة اليونانيّة والشّريعة العربيّة فقد حصل الكمال “[7].

لكن إذا كان من الممكن الجمع بين الفلسفة والدّين، فلمَ لا نكتفي بالدّين أو بالفلسفة فقط؟ هل يمكن أن يكون لكل من الدّين والفلسفة وظيفتهما الخاصّة، على الرّغم من اندماجهما في مسائل كثيرة كما رأينا؟

هنا يبدو موقف المقدسيّ، الّذي عرضه التّوحيدي في كتابه الامتاع والمؤانسة، مميّزا.  إذ إنّ المقدسيّ يربط ظهور الدّين بمرض المجتمع، فيرى أن الأنبياء لا يظهرون إلّا في المجتمع المريض. لذا قال : ” الأطباء يطبّون للمرضى حتّى لا يتزايد مرضهم “، وقال أيضاً:  “الشّريعة طب المرضى”. أمّا المجتمع السليم والمعافى، في نظر المقدسيّ، فلا يظهر فيه الأنبياء، بل يظهر فيه الفلاسفة. لأنّ الفلاسفة، حسب المقدسيّ، يحفظون الصّحة على أصحابها. وأمّا الفلسفة فهي ” طب الأصحاء”.

يذكر التّوحيدي  ما يلي:« (…) لكنّ الحريري غلام ابن طرارة هيّجة (أي هيج المقدسيّ)  يوماً في الورّاقين بمثل هذا الكلام (أي الجمع بين الشّريعة والفلسفة)، فاندفع فقال: الشّريعة طبُّ المرضى، والفلسفة طبّ الأصحّاء، والأنبياء يطبّون للمرضى حتّى لا يتزايد مرضهم، وحتّى يزول المرض بالعافيّة فقط، فأمّا الفلاسفة فإنّهم يحفظون الصّحة على أصحابها حتّى لا يعتريهم مرضٌ أصلاً، فبين مدبّر المريض ومدبّر الصحيح فرقٌ ظاهر وأمرٌ مكشوف، لأنّ غاية مدبّر المريض أن ينتقل به إلى الصّحة، هذا إذا كان الدّواء ناجعاً، والطّبع قابلاً، والطّبيب ناصحاً، وغاية مدبّر الصحيح أن يحفظ الصحّة، فإذا حفظ الصّحة فقد أفاده كسب الفضائل، وفرغه لها، وعرضه لاقتنائها، وصاحب هذا الحال فائز بالسّعادة العظمى ومتبوئٌ الدرجة العليا، وقد صار مستحقاً للحياة الإلهيّة، والحياة الإلهيّة من الخلود والدّيمومة والسّرمديّة.» [8]

هكذا تصبح وظيفة الدّين عند المقدسيّ وظيفة علاجيّة، في حين تصبح وظيفة الفلسفة وظيفة وقائيّة، فالدّين علاج، والفلسفة وقاء. ولكم نحتاج، في عصرنا هذا، لاستحضار هذه الفكرة الّتي طرحها المقدسيّ عن الدّور الوقائي للفلسفة، خصوصاً، وأنّ زمن الدّين انتهى بختم النّبوة، فلا يُتصور ظهور نبيّ جديد، أو دين جديد، في زمن رشد الإنسانيّة، وتشبتها بالعلم.

نقول إنّ الوقاية خيرٌ من العلاج، فمتى نعي هذه المسألة ونخصص للفلسفة نفس الحيز الزّمني ونفس الدّعم المادي الّذي يمنح للدّين في المدارس وفي وسائل الإعلام السياسيّة والثقافيّة وفي الفضاء العموميّ، حتّى نقي مجتمعاتنا من الأمراض الّتي تهدّدها باستمرار؟

إحالات وهوامش:

1 ـ أحمد بوعود: محاضرات في فلسفة الدّين، جامعة عبد المالك السعدي، السّنّة الجامعيّة: 2015/.2016

2 ـ برتراند راسل: حكمة الغرب، سلسلة عالم المعرفة، عدد 364، يونيو 2009، ص: .23

3 ـ المرجع نفسه.

4 ـ انظر حديث جبريل الّذي ورد في البخاري، وصحيح مسلم، وفي الأربعين النوويّة.

5 ـ طه عبد الرحمن: الحقّ العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2006، ص: 60.

6 ـ انظر: محفوظ أبي يعلا، مقال: الكليات ومشكلاتها الفلسفيةّ، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، بتاريخ: 18 فبراير 2017.

7 ـ أبو حيان التوحيدي، الامتاع والمؤانسة، ت: محمد حسن اسماعيل، أحمد رشدي شحاتة عامر، دار الكتب العلمية، ط:2، 2014، ص: 201.

8 ـ المرجع نفسه، ص: 206.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق