“الكتابة على الثلج” في تصليح الساعات / عادل الحاج سالم

مرّة أخرى يكون رشيد مشهراوي في الموعد مع أيام قرطاج السينمائية وفيّا  لهذا المهرجان الرائد بين المهرجانات السينمائية لا في افريقيا والعالم العربي فحسب ولكن في كامل الرقعة الواسعة من العالم  المسمّاة “العالم الثالث”..وموعده هذه المرّة يحمل تميّزا استثنائيّا ذلك أنّه اختير فيلمه “الكتابة على الثلج”  ليكون فيلم الافتتاح لهده الدورة الـ28.

“الكتابة على الثلج” تمّ تصوير مشاهده في البلاد التونسية وأسهمت شركة تونسية وهي شركة سينيبال في إنتاجه كما أسهم تقنيون تونسيون في إنجازه، وهو من إنتاج مشترك فلسطيني-سوري –إماراتي- تونسي –لبناني وقام بدور البطولة فيه ممثّلون من فلسطين ولبنان وسورية.

قصّة الشريط هي قصّة الحكم الذاتي الفلسطيني المحاصر بالاستيطان والتآمر الاسرائيلي ضدّ إمكانية الدولة الفلسطينية المستقلّة، لكنّها أيضا قصّة العجز العربي عن الفعل الحضاري نتيجة انغلاق الآفاق وعدم القدرة على الفعل الحضاري نتيجة الاستكانة إلى فعل الماضي وتأثيره والاستسلام إلى تأثير التأويلات القديمة للدين وعدم السعي إلى أن تكون السياسة فعلا قائما على العقل من ناحية والقيم الانسانية الدائمة من ناحية ثانية، وهي إلى ذلك كلّه قصّة الكائنات التي تعيش على أرضنا ولا ترى في المرأة إلا جسدا لا يصلح إلا للحجب أو الانتهاك باسم التقاليد مرّة وباسم المحافظة مرة أخرى وباسم الدين في كلّ الأحوال دون أن ترى في الدين ما يحضّ على فعل الخير ومعاملة البشر بمبادئ انسانية واحترام الاختلاف بينهم، وتجاوز مسألة الشكليات والمسلّمات.

القصّة تحدث ذات غارة اسرائيليّة على الأراضي الفلسطينية في قطاع غزّة. غارة تنتهك فيها هذه القوّات كلّ الحدود وتقصف كلّ ما ينبض بالحياة..فلا التجهيزات تبقى ولا المستشفيات ولا حتّى سيارات الإسعاف يمكنها أن تنجو من القصف الأعمى، ولا تُحترم فيها لا اتّفاقيات السلام ولا الهدنة الانسانية ولا ضرورة الحفاظ على النوع البشري..غارة انطلق بها الفيلم وبها انغلق في شكل دائريّ موح بأنّ قدر غزّة أن تكون في مرمى النيران طالما نحن كذلك ولم نتغيّر..والمطلوب حسب رؤية المخرج هو فقط أن نكون يدا واحدة بل عقلا واحدا: يحترم الاختلاف في المسألة الدينية بحيث يمارس كلّ منّا آراءه ومعتقداته دون أن يحاول فرضها على الآخر المختلف، وأن نحترم ما قدّمه الآخرون للقضيّة الفلسطينية دون شيطنة ولا تقديس لهذا الطرف ولا ذاك..لأنّ الآخر الحقيقي الذي يترصّد الأرض ويحتلّها لا يرانا مختلفين سواء كنّا مع اتفاقية “غزّة-أريحا” أوّلا أو كنّا راكبين حلم/كابوس دولة الخلافة..الآخر الذي يساوي بيننا في القمع ومنع الشرط الإنسانيّ..

تبدأ الحكاية مع قصف اسرائيليّ متواصل لمكان مّا في غزّة، قصف يطال الحجر والبشر ولا يوفّر حتّى سيارات الإسعاف وأعوان “الهلال الأحمر الفلسطيني” وبينما تتصاعد النيران من هنا وهناك نرى فتاة عاملة في الهلال الأحمر تسارع إلى نجدة المصابين ونقل الجثث، ونرى أحد الشباب مصابا فتسارع إليه وبصحبتها شابّ قريب من الكهولة وإذ تغادر سيارة الإسعاف المكان وتبقى المسعفة صحبة الشابّ المصاب والمتطوّع الشهم الذي انمس في محاولة مساعدتها، وتعمّ الفوضى المكان، يحاول ثلاثتهم الوصول الى مكان في مأمن من القصف، ويدخلون بيتا لعائلة فلسطينية يبدو انّها الوحيدة التي ما زالت تقطن في ذاك المكان الخراب. وفي ديكور فقير تتواصل احداث الفيلم يقطعها في الفينة بعد الأخرى صوت طلقات الرصاص أو بعض الانفجارات الصغيرة..في الديكور الفقير لذاك البيت الذي يفتقر الى الكهرباء والأضواء تتواصل القصّة لترسم حجما كبيرا ومتصاعدا في من يفترض أنّهم ضحايا نفس الجلاد ونفس الظروف اللاانسانية. وتبدأ الخلافات بين الشخصيات الخمس (الزوجان الفلسطينيان المنتميان حسب عديد الإشارات إلى تنظيم فتح أكبر المنظمات الفلسطينية وأقدمها وأولاها في الكفاح المسلّح ضدّ الاحتلال، وهما عجوزان رفضا مغادرة بيتهما رغم إلحاح أطفالهما الذين غادروه وبقيا للاهتمام بتصليح “الساعات” لعدم القدرة على تصليح الزمن..والمسعفة الفلسطينية المتطوّعة في صفوف الهلال الأحمر، وهي مدرّسة في مدرسة تابعة للأونروا  تركت ابنتها في عهدة والدتها، وهي التي نالت شهادة الماجستير عن دراسة عن المرأة الفلسطينية وعذاباتها في قطاع غزّة وهي ضحيّة مركّبة: ضحيّة للاحتلال ولممارسات زوجها الذكورية، ثمّ الجريح الفلسطيني والذي كان يغامر في المنطقة المستباحة من الطيران والمدفعية الاسرائيليين بحثا عن قطّة صغيرة وعد بها بنتا..وأربعتهم وقعوا بين أيدي شخص غريب السلوك مسلّح غامض رافق الممرضة في حمل الجريح الى البيت..كان كلّ شيء في منطلق الفيلم يوحي بأنه فلسطيني غاضب كغيره من أهل بلده من القصف العشوائي فإذا هو لا يفتأ يظهر اختلافه الغاضب عن بني وطنه، غاضب عندما لا يؤدّون الصلاة في وقتها مثله، وغاضب من المرأة المتطوّعة في الهلال الأحمر أوّلا عندما لا تستعمل عبارة “الشهداء” وتختار التعبير الطبّي المحايد “القتلى” وخاصة عندما يهاجمه مشهد جسدها وقد بدا منه جزء صغير فيطالبها في غضب وشدّة بأن تستره..ويتهجّم على صاحب البيت معتبرا أنّ الاتفاقية التي بموجبها نشأ الحكم الذاتي الفلسطيني هي سبب المآسي محمّلا تنظيم “فتح” مسؤولية تدهور الأوضاع..أمّا الجريح الذي من أجل رعايته كان هذا اللقاء بين الشخصيات الأربع فنال نصيبه بالتشكيك في انتمائه وفي دوره فنال تهمة التخابر مع العدوّ والتنسيق معه في الاعتداءات..

نجح الفيلم في لفت الانتباه الى القضية الفلسطينية في طورها الجديد : الطور الذي لم تعد فيه تستقطب الاهتمام بما حدث في الصف الفلسطيني من انقسامات جديدة محورها هو الدين ومكانته في السياسة وبما حدث في العالم العربي بظهور تنظيمات جديدة ليس من همّها تحرير الأرض ولا دعم الاستقلالات بقدر اهتمامها بإحياء نصوص تكرّس انقسام المجتمع الى رجال ونساء ومتدينين وعلمانيين..ولفت الانتباه إلى المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني المتروك للانتهاك في حقوقه المشروعة وفي مقدّمتها الحق في الحياة في وضع طبيعيّ حيث تتوفر له أساسيات العيش البسيط من أكل وشرب وحق في الكهرباء والماء الصالح للشراب والحق في التداوي..

الفيلم لا يحتوي الكثير من المشاهد الخارجية، ولا علاقة للخارج بما يحدث في جزء من الغرفة مفتوح على مطبخ، والخرج متمثّل في باب مشرع على بطحاء مظلمة تأتي منها أصوات الرصاص والانفجارات وتطلّ منها سيّارة الاسعاف التي جاءت بعد لأي قبل أن تنفجر نتيجة القصف حين كان الجماعة يتأهبون لنقل الجريح بعد أن طال انتظاره وبعد أن كاد يقع ضحية الفلسطيني الغامض/الغاضب.

بهذا الديكور البسيط والأحداث التي يمكن أن تكون في العراق أو فلسطين أو تونس أو ايّ بلد عربيّ يتهدّده الإرهاب الفكريّ الذي يمكن أن يتحوّل إلى فعل دمويّ أنجز رشيد مشهراوي شريطا هو بالتأكيد إضافة إلى السينما الفلسطينية المناضلة، لا في تناولها للموضوع فحسب، بل هي مناضلة في مجرّد كونها وفي مجرّد جرأتها على إحداث شرخ في جدار الحصار، وشرخ في جدار الصمت العربي والعجز العربي حتى على إنتاج سينمائي مشترك ..فكان هذا الشريط الشبيه بقصيدة قصيرة لكنّها مكثّفة وذات إيقاعات مميّزة تغادر بك العالم المليء بالتناقضات وصعوبة التناغم مع ما فيه من فظاعات لتجد نفسك قرب نفسك..مطالبا بأن تصارع ما في عقلك من تناقضات صارخة وأن ترى في أعماقك ما يشدّك الى الحياة ويبقيك على صلة بها تتجاوز مجرّد الوجود البيولوجي إلى وجود فاعل ومؤثّر.

عن ملحق أيام قرطاج المسرحية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. آدم الباي

    الكتابة على الثلج هي إصلاح الساعات لقتل الزمن هي المكابرة في فهم الواقع وهي التمثل الشخبوطي للعالم كما يقول ياسين الحافظ في الهزيمة والإيديولوجية المهزومة .سلام أخي عادل وإلى اللقاء على درو
    ب الفعل الإبداعي

أضف تعليق