قتل غزال مُقدس: تراجيديا معاصرة عن الانتقام والتّضحية

مع كلّ فيلم جديد يضع المخرج اليوناني الشاب “يورجوس لانتيموس” اسمه عليه بتنا نتوقع منه أن يأتي على قدر كبير من المهارة والإثارة والتشويق والعمق أيضًا. وبالرغم من أن الكثيرين يرون في أفلام لانتيموس الكثير من الغرابة والغموض والسوداوية والعنف، لكن من الصعوبة بمكان أن يوصم هذا المخرج المتفرد، والواعد منذ فيلمه “أنياب الكلب”، بالافتعال أو التصنع أو عدم الإصالة الفنية. وكما فاز من قبل فيلمه الرائع “جراد البحر”، بجائزة لجنة التحكيم بمهرجان “كان” قبل عامين، وغيرها من الجوائز الأخرى القيّمة، من المتوقع أن يحصد فيلمه الأخير، “قتل غزال مُقدس”، بعد حصوله على جائزة السيناريو من مهرجان “كان” الأخير، على العديد من الجوائز القيّمة.

بوضعه الموضوعات أو الأحداث أو المواقف أو حتى الشخصيات خارج نطاق المتعارف عليه والسائد وما هو منطقي، ومع إفراد مساحات كبيرة للشطح الفانتازي والجرأة الأسلوبية والمخيلة الإبداعية المُتفننة – أحيانًا على نحو مسرف في الغرابة، وفي العنف السوداوي، إن جاز التعبير، الذي نجح لانتيموس باقتدار في إبداعه مقارنة بغيره من العنف المجاني السطحي المعتاد، وذلك بإكسابه الكثير من العمق والأبعاد الفلسفية والثقل الفني والجمالي – وبتشكيله لكل تلك الخلطة المثيرة، ومن قبلها أو بالتوازي معها، الموسيقا التصويرية الغريبة بالفعل، والتي من الصعب أن تفارق ذهن المرء، (من ينسى الموسيقا التصويرية الرهيبة والمفزعة لفيلم “سرطان البحر”)، صارت كل تلك المفردات، وغيرها، تشكل قوام أو صلب سينما لانتيموس المتفردة بالفعل عما سواها، والتي لا تتقاطع أو تتشابه قط مع غيرها أو حتى مع الأفلام التي تندرج تحت تلك النوعية. بل، ونجد حتى صعوبة في إدراج أفلامه تحت نوعية بذاتها، فهي ليست فلسفية خالصة ولا عنف خالص ولا جريمة ولا رعب محض، ولا هي إثارة ولا سيكولوجيا ولا كوميديا سوداء صرفة، إنها خليط رائع  من كل هذه النوعيات.

وكما يستيعن لانتيموس بشريكه الدائم في كتابة السيناريو، ومصوره الأثير “تيميوس باكاتاكيس”، ومونتيره البارع “يورجوس مافروبساريديس”، ومؤلف الموسيقا العبقري “جوني بيرن” (سرطان البحر وقتل غزال مُقدس)، يستعين أيضًا بالعديد من الأدوات الفنية التي أعطت سينماه تلك المسحة الأسلوبية الفارقة، والتي ميزت أفلامه وسينماه عن غيرها، كما أسلفنا، ومن بينها، التمثيل. ونقصد به على وجه التحديد، ذلك الأداء الخاص شبه الآلي من جانب الممثلين للشخصيات. الشخصيا في سينما لانتيموس ليسوا بشرًا بأية حال، بل مجرد آلات ناطقة، ليس فقط فيما يتعلق بالنطق الدقيق والمحسوب والمنمق للكلام، بل أيضًا طريقة تقسيمهم للجمل الحوارية، ناهيك بالأداء الجسدي ذاته الشبيه بالمُسرنمين. وقد برز هذا من قبل، على وجه التحديد، في “سرطان البحر”، وهنا أيضًا في “قتل غزال مُقدس”. نلاحظ كذلك في فيلمه الأخير، تلك اللقطات البطيئة الطويلة، التي تمعن في التكريس للحالة الكابوسية القادمة، ولقطات التتبع الطويلة، وحركة الكاميرا من حيث الابتعاد والاقتراب وفق حركات محسوبة بكل دقة في كل مشهد من المشاهد، وهي بمثابة درس هنا. وكذلك، تلك اللقطات الذكية، التي لا تنسى لفرط جمالها، والتي تم توظيف الديكور فيها، خاصة ديكور المستشفى، وأغلب المشاهد التي دارت به، على نحو يصعب على المرء نسيانه.

إنّها سينما قاتمة دون شك، بعيدة كل البعد عن البهجة والنهايات السعيدة ودغدغة المشاعر والعواطف، لكنها في الوقت ذاته ممتعة للغاية، ومثيرة، ومُحفذة دائمًا، ولها نكهتها الخاصة جدًا. وبالرغم من صغر سن لانتيموس، وقلة ما قدمه من أعمال حتى الآن منذ بداية مسيرته المهنية، خمسة أفلام رواية منذ نهاية القرن الماضي، لكن سينما هذا المخرج اليوناني باتت تتسم بالكثير من الملامح الأصيلة الثابتة، التي بات يصعب حتى على المتابع العابر للسينما التغافل عنها أو لا يجد أدنى صعوبة في تخمين أن هذا الفيلم أو حتى تلك المشاهد تحمل بصمة لانتيموس المميزة. على سبيل المثال، نلاحظ في أعماله الروائية أنها مهما كانت غرابتها أو الأجواء التي تدور فيها أو حولها أو بصرف النظر عن الزمان والمكان، أن الأحداث أو صلب القصة يُحيلنا دائمًا، وإن كان على نحو بعيد أو قريب في بعض النقاط، إلى التراث العريق لليونان. وفي فيلمه الأخير، نلاحظ هذا، دون أدنى مواربة منه، بداية من عنوان الفيلم وليس انتهاء بالقصة. وذلك بالرغم من أن الفيلم وكل ما يتعلق بالأحداث تدور في عصرنا الحديث.

من العنوان، “قتل غزال مُقدس”، يردنا لانتيموس إلى أحد أشهر التراجيدايات الإغريقية التي كتبها “يوربيديس”، وهي بعنوان “إيفيجينيا”، والتي قام بطلها الملك “أجاممنون” بإثارة غضب الإلهة “أرتيميس” عندما قتل أحد غزلانها المقدسة، فما كان منها إلا أن طالبت، في المقابل، بالثأر والتضحية بالأميرة “إيفيجينيا”، أميرة أرغوس وشقيقة أوريستس، وابنة “أجاممنون” من زجته “كليتمنسترا”، وذلك حتى تستطيع سفنه الإبحار إلى “تروي” اليونانية أو ما يعرف الآن بـ “أنطاليا” في تركيا. وثمة رواية أخرى تفيد بأنه لم يتم التضحية بها. لكن لانتيموس لم يهتم هنا بالرواية الأخرى، واستلهم من الأسطورة فكرة التضحية على وجه التحديد، ووظفها ببراعة في فيلمه الأخير، بالاشتراك مع مساعده الأثير في كتابة السيناريو “إفيثميس فيليبو”. وكعادة لانتيموس في معظم أفلامه، نجد أن تلك الفكرة هي فقط سطح القصة أو الحكاية الذي يمكن التعاطي معه واستشفافه بسهولة، لكن مع الغوص في الأعماق يتضح لنا الكثير مما يمكن الخروج به من قصة الفيلم، وما يمكن لنا تأويله على مستويات عدة، ومن بينها بالطبع، فكرة القربان أو التضحية في الأديان السماوية وغيرها من العقائد أو حتى الأساطير القديمة، ناهيك بغيرها من الإسقاطات الاجتماعية أو السياسية المُضمرة من خلال الأحداث.

في “قتل غزال مقدس”، يحصرنا لانتيموس بين فكرتي الانتقام والتضحية، فالانتقام في الفيلم هو الرد العيني أو العقاب الرادع جراء ما اقترفته يدا الطبيب “ستيفن ميرفي” (كولين فاريل) جراح قلب، الذي أدى خطؤه قبل فترة لوفاة والد الفتى “مارتن” (باري كيوجان). والتضحية بالدم هنا هي المقابل العادل والشافي الذي يُطالبُ به “مارتن” انتقامًا لما وقع لوالده. أي أنه بمثابة قصاص، حيث العين بالعين. هكذا أراده “مارتن” من “ستيفن” وأسرته، المكونة من طبيبة العيون “آنا” (نيكول كيدمان)، وطفليهما، الابنة “كيم” والابن “بوب”. “مارتن” هنا لا يطلب من “ستيفن” أن يقتل نفسه كي يريحُ ويرتاح، بل بقلته لأحد أفراد أسرته، وباليدين ذاتهما اللتين قتلتا والده، كي يعيش “ستيفن” ويظل يكابد بنفسه، مع مرور الوقت، مرارة الفقد، وما اقترفه من جرم بحق ابنه أو ابنته أو زوجته. ومن ثم، يُشعره هذا بمدى جُرمه حيال والده، والذي، للمفارقة، لم يكن يُشعر به أو يتألم له، ولا حتى ندم عليه.

ولأن لانتيموس يمتح، كما ذكرنا، من الأسطورة اليونانية، فقد كان عليه أن يمنح الفتى “مارتن”، في السادسة عشر من عمره، ذلك الشعور الهادئ والبارد، ويضفي عليه تلك الرجاحة والثقة اليقينية المطلقة، كذلك السيطرة والقدرة الخارقة، وغيرها من الصفات التي يصعب أن تكون لغير إله، يملك مقادير كل شيء، ويتحكم في توزيع الثواب والعقاب، ويدرك أنه لن يُردع، بل يردع، وأنه لن يتراجع أو يتوان عن إنفاذ مشيئته مهما حدث. ومن ثم، نجد أن تهديد “مارتن” قد بدأ بالفعل في التحقق مع بداية إصابة ابنة “ستيفن” بذلك المرض الخطير، ما يشبه الشلل، الذي لا تفسير له، وعدم استطاعتها الوقوف على قدميها ثانية. ثم يلحق بها شقيقها، وبعد ذلك يخبره “مارتن” بأن الأمر سيتطور لنزيف من العينين، ثم الموت الحتمي. ومن ثم، يجد “ستيفن” نفسه، وقد أعيته الحيل وبات على يقين تام من تهديد ذلك الإله أو الفتى صاحب القوى الخارقة والقدرة على إمراض البشر، لا يجد بدًا من إنفاذ رغبة “ستيفن” بقتل أحد أفراد أسرته. ومشهد القتل دون مواربة هو من بين أحد أقوى وأجمل وأقسى مشاهد القتل في سينما لانتيموس وعشرات الأفلام في تاريخ السينما.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق