تعقيب على مقال نقد فكرة النبوّة

1

سألني أحد الأصدقاء: ما الأفق الّذي كتبت في ضوئه مقال (نقد فكرة النبوّة)؟ وهو سؤال في محله. فأجبته بأنّني كتبته في ضوء نقد المؤسّسة الدينيّة؛ لأنّني أعتقد أنّ من يناضل ضدها يجب أن يناضل  قبل ذلك ضدّ فكرة النبوّة بالمفهوم الّذي تعرضه. يساعد في النّضال ضدّ مفهوم النبوّة كما تتبنّاه المؤسّسة الدينيّة أنّ النبوّة لم تعد حكرا على علماء الدّين أو العارفين به، إنّما أصبح تحليلها منفتحا على مناهج العلوم الإنسانيّة. فالنبوّة من حيث هي ظاهرة دينيّة هي قبل أن تكون كذلك فهي ظاهرة اجتماعيّة تلازم الإنسان، ولها وجهها الاجتماعي الظّاهر.

كما أنّ الأنبياء لم يعودوا حكرا على رجال الدّين. فالأنبياء من حيث هم بشر ظواهر بشريّة لها وجهها الاستثنائي والعبقري الّذي يدخل مجال العلوم الإنسانيّة كعلم النّفس. وأيّا كان موقفنا من النبوّة؛ يجب أن نعترف بأنّها واحدة من أهمّ أفكار التّاريخ البشري المدوّن؛ وأيّا كان موقفنا من الأنبياء يجب أن نعترف أنّنا لا نستطيع أن نحلّل شخصياتهم، وأن نتتبّع تاريخها من دون أن نظهر إعجابنا بهم وبما  فعلوه  في التّاريخ البشريّ إلى الحدّ الّذي تصدّروا فيه عظماء التّاريخ [1].

أكثر من هذا، تأخذ دراسة وتحليل ونقد فكرة النبوّة أهميتها حين  تهبط المؤسّسة الدينيّة بالنموذج النبوي إلى صفات يُعهد بتطبيقها إلى مليشيات تشرف عليها الدولة. فالمؤسّسة الدينيّة تهتمّ بسلوك الإنسان القويم ولا تهتمّ بإيمانه القويم؛ لذلك وبدلا من أن يكون الله رحيما قريبا من الإنسان يعفو ويصفح ويغفر ويتجاوز ويقبل التّوبة كما تظهره النبوّة، أصبح قاسيا ومتوحدا، وأصبح الدّين صيغة لا ترحم، تديرها بنية  تقنية فائقة التّطور. ” هذا النّوع من دولة الدّين أو دين الدّولة سيحاصر الفرد من كلّ مكان، فارغ من الشّفقة، ودون رحمة بالمخلوقات ” [2].

تلافيا لسوء الفهم  يجب أن ننبّه إلى أنّ تحليلنا  فكرة النبوّة لا يعني إنكارها، ولا التّشكيك في الأنبياء. فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد؛ إذا كتفينا بأولي العزم من الأنبياء  هم أنبياء حقّا، ولكن من وجهة النّظر الّتي نفهم بها النبوّة. وهو الفهم الّذي يجعل من النبوّة  ظاهرة إنسانيّة فرديّة تنشأ من عبقريّة النّبي غير المعزول عمّا يحيط به من المؤثّرات الفكريّة والفلسفيّة والدينيّة والاقتصاديّة والاجتماعية والسياسية[3]. وأن النبوات  التوحيدية حركات إصلاحية كبرى عبر التاريخ البشري. ثم إنّنا حين ننقد النبوّة فإنّنا لا ننقد الدّين إنّما ننقد المؤسّسة الدينيّة الّتي استخدمت النبوّة  للتّسلط على الآخرين، فإذا كان الأنبياء  ينطقون  عن الله فإنّ المؤسّسة الدينيّة تدعي أنهّا  تنطق عن الأنبياء. وما نعتقده في مأزقنا الرّاهن أنّ باستطاعتنا أن نجد إلهاما في فكرة النبوّة بالمعنى الّذي يجعل منها إنجازا من التّقدم في خبرة الوعي الإنساني، وفي الأنبياء  بالمعنى الّذي يجعل منهم تمثيلا لوعي فردي متقدّم ومتميز عن الوعي الجماعي لأممهم. فما يبدو لنا على أنّه شجاعة الأنبياء حين يصدعون بالدّعوة إلى ما يرونه حقّا؛ يمكن أن نفهمه باعتباره تقدما في وعي النّبي. وبهذا فإنّ فكرة النبوّة ” لا تجد مطمحها في الوعي الخامل أو الوجود البليد [4]“.

تأخذ فكرتنا عن توظيف النبوّة في الخروج من مأزقنا عمقها إذا ما فهمنا أنّ ختم النبوّة بمحمّد إنّما هو ختم من الخارج؛ أي أنّ نبوة محمّد وضعت حدّا نهائيّا لاعتماد الإنسان على مصدر للمعرفة مفارق للإنسان. حين نفهم ختم النبوّة من وجهة النّظر هذه فهذا يعني أن نبوة محمّد “تدشين لمرحلة من التّاريخ لا يحتاج فيها الإنسان وقد بلغ سنّ الرّشد إلى من يقوده، وإلى من يتكئ عليه في كلّ صغيرة وكبيرة، وتكون وظيفة نبيّ الإسلام في هذه الحالة إرشاد الإنسان إلى مسؤوليته الجديدة، وتحميله تبعات اختياراته(…) بما يدلّ عليه عقله، بما يوفّره عليه ذكاؤه، بما تقتضيه مصلحته الفرديّة والاجتماعيّة، بما يحقّق به إنسانيته ومنزلته السّامية في هذا الكون [5]“.

                                                                       2

تتحدّث المؤسّسة الدينيّة باسم النبيّ، وترى أنّ النبوّة صراع من أجل إقامة الدولة الدينيّة. الدّولة الّتي تقترح أنّها من نتاج أفكار النبوّة والأنبياء. وإذا لم نتجاوز هذه النّظرة إلى ما ورائها ونفتش عن غاية أخرى للنبوّة فسنجد أنفسنا في مواجهة حقيقة واقعة هي أنّ الدولة بتعاونها مع علماء الدّين دولة قمع وعدم مساواة. وهو ما يقابل نضال الأنبياء الطّويل من أجل الحريّة والعدالة[6].

قدّمت المؤسّسة الدينيّة الأنبياء على أنهّم مؤسسو دول، أكثر ممّا قدمتهم على أنّهم دعاة إلى المساواة والعدل والحريّة. والواقع غير ذلك؛  فالتّاريخ يخبرنا أنّ المسيحيّة لم ترتبط بتأسيس دولة إلّا بعد ما يزيد على ثلاثة قرون من ظهورها، وأنّ الدّولة لم تتبلور في الإسلام إلّا بعد موت النبيّ؛ أي أنّ من الأفكار في عهد الأنبياء هناك عشرات المسارات الممكنة لفكرة الدّولة، وما حدث  في الواقع هو أنّ مستقبلا واحدا هو الّذي تحقّق كما نعرفه في نموذجي الدولة المسيحيّة والإسلاميّة. ما حدث  للإسلام يشرحه مجلّد كامل حكايته الموجزة هي أنّ تأويلا واحدا من جملة التّأويلات الممكنة نظريا، أو الّتي وُجدت فعلا، وسار فيها بعض الأشخاص أو المجموعات. هذا التّأويل ” يتغلّب على غيره ويزيحه ويكسب شيئا فشيئا حكم الصّحة والصّواب والحقّ والبداهة؛ لأنّه أنسب في الآن نفسه إلى ذهنيّة القوم في ذلك العصر وإلى ميزان القوى الاجتماعيّ والسياسيّ والثّقافيّ [7] “.

إنّنا نعرف أنّ النبوّة لم تدفع الدّين إلى أن يعمل بطريقة إيديولوجيّة مثلما تفعل المؤسّسة الدينيّة. ولم تجعل الأفكار الدينيّة جزء من فرض القمع على الآخرين، ولم تلبس عدم المساواة أو الظّلم أو القهر لباسا شرعيا. كما أنّ الاهتمام بالتّعاطف بين النّاس والاحترام المتبادل هو لبّ النبوّة.

لقد عاش الأنبياء في مجتمعات وقع فيها النّاس ضحية البطش والاستعباد فعلموا النّاس كيف يخرجون من أوضاعهم. رأوا ما يحدث لمعاصريهم وصاغوا ما يساعد النّاس. استندت برامجهم على استئصال الأنانية المسؤولة إلى حدّ بعيد عن الطّمع والجشع والعنف. فهموا حقيقة وسموها (الله) ولم يكن الأمر أمر استسلام وخضوع بقدر ما كان إيجاد فضاء من تسامي الإنسان. ركزوا على ما يجب أن يتخلّى عنه النّاس كالتّخلي عن الجشع والطّمع والحقد والأنانيّة. قاعدتهم غير معقّدة وهي: إذا كانت عقيدة النّاس تدفعهم إلى العنف وعدم التّسامح فهي عقائد غير صحيحة.

لأنّ النبوّة كما تفهمها المؤسّسة الدينيّة تعزّز السّلطة السياسيّة فهي تقضي على أيّ مستقبل في الحريّة والعدالة والمساواة. كما أنّها تقضي على استقلاليّة الدّين، وتفرض علاقة مباشرة بين سلطة ودين؛ وعلى الأخصّ دولة ودين. عندئذ لا تملك الدّولة خيارا فعليّا إلّا الاستبداد السّياسي والدّيني. في حال كهذه فالنبوّة تكافح هذين الاستبدادين، وتدافع عن أولئك الّذين يقعون ضحية استبداد الدّولة أو استبداد الدّين، وتساعد القوى الّتي ترفض استبداد الدّولة أو الدّين.

لا تكمن  أهميّة النبوّة في مأزقنا الرّاهن فقط في أن يتخلّص النّاس من القهر والاستبداد، إنّما أيضا الاعتراف بحقّ الأفراد والجماعات في أن يصنعوا تاريخهم؛ لأنّهم هم الأعرف بشؤون دنياهم. كما أنّ النبوّة لا تخدم الأفراد أو الجماعات كما تفعل المؤسّسة الدينيّة إنّما تخدم الكائنات الإنسانيّة من حيث هي ذوات فاعلة، تصنع نفسها بنفسها، وتوجد حياتها الفرديّة والاجتماعيّة.

يعبّر خطاب المؤسّسة الدينيّة عن نزعة أنانيّة (ديني أفضل من دينك). وهذا ما لم تقل به النبوّة كما أنّ الرّحمة ليست فضيلة من فضائل المؤسّسة الدينيّة، وعلماء الدّين يفضّلون بأن يكونوا على صواب بدلا من أن يكونوا رحماء.

**********

[1] – من بين سير العظماء والمؤثرين في التاريخ البشري، العربية منها والأجنبية يبرز بوضوح كتاب الأمريكي مايكل هارت ، الخالدون المائة، حيث رأس القائمة النبي محمد، وتضمنت النبيّيْن موسى وعيسى. كما أن الموقف المشبع بروح البطولة تجاه الأنبياء ظهر  أول مرة عند الفيلسوف توماس كارليل في كتابه الأبطال.

[2] – حمودي، عبدالله ، حكاية حج، موسم في مكة، ترجمة: عبدالكبير الخطيبي، الطبعة الأولى ( بيروت، دار الساقي، 2010) ص 101، 102، 105.

[3] – يمثل كتاب عباس محمود العقاد (عبقرية محمد) وكتاب معروف الرصافي (الشخصية المحمدية) مقدمتين مفيدتين لدراسة الأنبياء من وجهة النظر التي تذهب إلى أنهم عباقرة وموهوبون وأشخاص استثنائيون. ومن المهم أن يقرأ القارئ هذين الكتابين ؛ لكي يعرف وجهة نظر العقلانيين في النبوة  والأنبياء.

[4] – مبروك، علي، النبوة، من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ، محاولة في إعادة بناء العقائد (بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2007) ص 91.

[5] – الشرفي عبدالمجيد، الإسلام بين الرسالة والتاريخ (بيروت، دار الطليعة، الطبعة الثانية، 2008)  ص 91.

[6] – نكتفي هنا بالتذكير بفكرة واحدة هي المساواة أمام الله، وأمام أحكامه للغني والفقير والسيد والعبد. هذه فكرة ثورية في تاريخ النبوة، وستكون أكثر ثورية إذا ما قارنا فكرة  المساواة كما عرضتها النبوات التوحيدية بسياقها التاريخي، والدول التي عاصرتها والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع.

[7] – الشرفي، عبدالمجيد، ص 118.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق