مقتطف من كتاب الفكر الجذري أطروحة موت الواقع لجان بودريار

خضعت الحربان العالميتان الأوليتان لمنطق الحرب التقليديّة. وضعت الأولى حدّا لهيمنة أوروبا وللعهد الاستعماري، والثانية حدّا للنازية، أمّا الثالثة- الحرب الباردة- فقد وضعت حدّا للشيوعيّة.

وبتوالي هذه الحروب، كنّا نتجه تدريجيا نحو بناء نظام عالمي جديد… وما حدث في نيويورك أمر لا أخلاقي، وهو يستجيب لعولمة هي بدورها لا أخلاقيّة. لنكن نحن أيضا لا أخلاقيين ولنذهب، إذا أردنا فهم ما حدث، إلى ما وراء مبدئي الخير والشّر، ولنوظّف آلية الشّر. إنّها القضية الجوهريّة: قضية سوء فهم العالم بالاستناد إلى ثنائيّة الخير والشّر. نحن نعتقد، وبسذاجة كبيرة، أنّ صعود الخير في جميع المجالات (العلوم، التقنيات، الديمقراطيّة، حقوق الإنسان) يعني هزيمة الشّر.

لا أحد فهم أنّ الخير والشّر ينموان بشكل مواز لبعضهما البعض ووفق حركة واحدة، وصعود أحدهما لا يفضي بالضّرورة إلى اختفاء الأخر. ميتافيزيقا أعتبر الشّر دوما خطأ عابرا، هامشيا. ولكن هذه المقدمة الّتي تولّدت عنها جميع الأشكال المانوية*… للخير والشّر، هي مقدمة واهية، فلا الخير يقضي على الشّر ولا الشّر يقضي على الخير. وإنّهما متلازمان بشكل قويّ ويستحيل اختزال أحدهما إلى الأخر. في العمق، لا يمكن للخير أن يلغي الشّر إلّا إذا تحوّل هو نفسه إلى شرّ.

في الفترة التقليديّة السّابقة كانت لا تزال ثمّة حدود بين الخير والشّر، كان الخير والشّر محكومين بجدليّة التّوتر… وقد انتهت هذه العلاقة تماما إثر التّعميم الشّامل للخير. لقد انهار التّوازن وبدا كما لو أنّ الشّر بدا يتمتّع باستقلاليّة تامّة، حيث تحوّل إلى جرثوم شبحي يخترق جميع بقاع الأرض وينبعث من كلّ تخوم وهوامش النّظام المهيمن. أصبح الشّر قابعا في كلّ مكان، إنّه في داخل كلّ واحد منّا.

المصدر:

بودريار: الفكر الجذري أطروحة موت الواقع، ترجمة: منير الحجوجي وأحمد القصوار، دار توبقال للنشر، ط 1، 2006، ص:62-63.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق