هل عرفت تونس الاشتراكيّة زمن التعاضديّة؟

تمثّل التجربة التعاضدية في تونس (1969-1962) موضوعا جالبا لانتباه الباحث في تاريخ تونس المعاصر نظرا لفرادة التجربة واحتوائها على عديد الإشكاليات المحيّرة وأبرزها تطوّر علاقة  بورقيبة بمهندس التعاضدية وببرامجه الاقتصادية المعروفة نسبيا ثم المرجع النظري الذي استقت منه هذه التجربة أسسها وأخيرا أسباب فشلها ونهايتها.

إنّ مهندس السياسة التعاضدية هو أحمد بن صالح المولود سنة 1926 بالمكنين. درس في المعهد الصادقي ثم بفرنسا. ولدى عودته اشتغل في تونس مدرسا  للعربية وتقلد عديد المناصب النقابية (منها أمين عام للاتحاد العام التونسي للشغل من1954 إلى1957)  والحكوميّة (كاتب دولة للتخطيط ووزير الشؤون المالية والتجارة والصناعة والفلاحة والتربية القومية في1960)1.

و ما يثير التساؤل هنا هو سرعة تحوّل بورقيبة من مناصبة العداء لأحمد بن صالح ولميوله الاشتراكية – وتوضح العداء بعد العمل على دفع الحبيب عاشور على تأسيس منظمة نقابية موازية وهي الاتحاد التونسي للشغل و من ثم تعويض بن صالح بأحمد التليلي في الكتابة العامة2– إلى تسليمه مفاتيح الدواليب الاقتصادية في البلاد.

ومن الأجوبة الممكنة لهذا التساؤل سعي بورقيبة إلى كسب الموظفين إلى صفه عن طريق بن صالح الذي يمثل قوة هذه الفئة من الشعب داخل المنظمة الشغيلة وذلك في صراعه مع خصمه صالح بن يوسف الذي عوّل في المقابل على شبكة من قدماء المقاومين وبعض صغار الضباط. هذا إضافة إلى الخيبة التي  واجهها بورقيبة من الرأسماليين التونسيين الذين نقد فيهم الخوف و التشبث  بالعادات و التقاليد فبين1959 و1962 لم تتعد نسبة النمو الاقتصادي السنوي %3,5 رغم المساعدات الفرنسية. إلى جانب ذلك لا ننسى أن بورقيبة  كان يبحث عن مبرّر لتمرير قناعاته السياسية فاختيار الاشتراكية  يسوّغ اختيار نظام الحزب الواحد و إحكام مراقبة المجتمع المدني تحت شعار” الوحدة القومية ”  لتتحوّل كل معارضة إلى خيانة للعقيدة الاقتصادية والسياسية في الآن نفسه. وما يرجّح هذه الإجابة مسارعة الحزب الدستوري بتبني نظام الحزب الواحد في مؤتمر 2مارس1963.3

في ما يخصّ المرجع النظري للسياسة التعاضدية فهي بلا شك أخذت عن الاشتراكية العلمية الشيء الكثير دون التطابق معها. حيث رسمت لنفسها أهدافا متمثلة في استئصال البنى ما قبل الرأسمالية بالبلاد وتطوير الإنتاج والزيادة في الدخل الفردي والحد من الفوارق  بين الجهات وتوجيه رجال الأعمال نحو القطاعات المنتجة وخاصة الصناعة.

ولكن لم ترد هذه التجربة لنفسها افتكاك جميع وسائل الإنتاج بل خيّرت انتقاء تلك التي ترى الدولة أنها أقدر على الاضطلاع به. وفي هذا الصدد يقول بورقيبة في خطابه بالقاهرة في فيفري 1965 محاولا توضيح المرحلة التي اختارتها تونس آنذاك : ’’أما الملكية الخاصة فنحن لا نرى تأميمها في كل حال ذلك أن سياستنا في هذا الميدان هو أن لا نؤمّم إلا ما نقدر على الاضطلاع به أحسن من الخواص‘‘4.

وبالنسبة للاشتراكية العلمية التي أقرها ماركس و أنقلز في كتابهما بيان الحزب الشيوعي (1847) ثم بلورها ماركس في مؤلفه الرئيسي رأس المال فهي لا تعترف بأية ملكية فردية لوسائل الإنتاج وهي في ذلك لا تختلف عن الشيوعية التي تمثل المرحلة الثانية من التشكيل الاجتماعي الاقتصادي الشيوعي. لكن تتميز الاشتراكية بإقرارها لضرورة بقاء الدولة حتى يصبح العمال قادرين على إدارة وسائل الإنتاج بأنفسهم و حتى يزول الخطر البورجوازي المحدق وعندها لا يبق من موجب لبقاء الدولة فيقع تحطيمها و تتحول الملكية إلى مشاع.5

وبذلك فإن التجربة التعاضدية تأتلف مع النظرية الاشتراكية العلمية فيما يخص تقوية شوكة الدولة لتتمكن من وضع يدها على الاقتصاد بمختلف نواحيه الصناعية والفلاحية والخدمية مع ضرب الحرية الاقتصادية للخواص وهنا يقول بورقيبة في خطابه الذي تقدم ذكره : ’’رأينا أن طريق النجاعة هو أن تتولى الدولة  نفسها الاضطلاع بأكبر المهام الاقتصادية وتوجه بواسطة التخطيط كل ما ينجز في البلاد… ولذا فإن عهد الحرية الاقتصادية المطلقة قد انقضى‘‘.

ولكن هذا لا يعني التطابق تماما مع ما جاءت به الماركسية  إذ لم يقع نفي حق الملكية تماما وحتى على مستوى التسمية وقع اختيار لفظ التعاضد مع تجنب لفظ الاشتراكية لما لهذا الأخير من وقع سيء في نفوس الدول الرأسمالية العظمى وأولها الولايات المتحدة الأمريكية ثم فرنسا. ثم إن لفظ التعاضد كان أقرب إلى الذهنية التونسية و لا يثير الخوف في نفوس الملاكين.

ويبقى  المرجع النظري المباشر الذي ستقوم عليه الاشتراكية التعاضدية التونسية في الستينات هو التقرير الاقتصادي الذي قدّمه الاتحاد العام التونسي للشغل في المؤتمر الوطني المنعقد من  20إلى 23 سبتمبر1957 وبلور هذا التقرير أثناء ترأس بن صالح للمنظمة الشغيلة.

وبعيد تقديمه سرعان ما حصل الانشقاق النقابي بإيعاز من بورقيبة بتأسيس الاتحاد التونسي للشغل في 18 أكتوبر1957 الذي سيختفي في سبتمبر1957 إثر اعادة توحيد القوة النقابية.

ونظّرَ هذا التقرير إلى ضرورة مجابهة رأس المال الأجنبي الذي يستولي على موارد البلاد وهذا ما اعتبر في مقدمة التقرير خطوة رئيسية نحو استكمال المسار الاستقلالي، ثم أكّد على أهمية اتباع الاقتصاد المسيّر بتخطيط تنجزه الدولة وتفرضه. وهنا نستشهد بالجملة التالية التي وردت في مقدمة التقرير:

“La revendication essentielle de l’U.G.T.T.dans son congrès de 1956 est l’élaboration d’un plan de développement économique et sociale.”

كما أكّد هذا التقرير على ضرورة اعتماد المجمعات التعاونية أو التعاضدية لوسائل الإنتاج التي تشرف عليها الدولة وتوزّع ثمارها على المتعاضدين كل حسب مساهمته (في المرحلة الاشتراكية يحصل كل عامل على أجر يوازي مجهوده المبذول وفي المرحلة الشيوعية يحصل كل عامل على ما يوازي حاجته).6

على مستوى التطبيق وقع الترفيع في الضرائب من أجل تمويل السياسة التعاضدية بنسبة %22.5 بين 1962 و 1970و دفعت الشرائح السكانية المتوسطة والدنيا القسط الأوفر منها (%72.2). كما تمّ الاعتماد بصفة رئيسية على القروض الأجنبية وخاصة المتأتية من الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير. ومثّلت هذه التمويلات  %40 من مجموع الاستثمارات خلال عشرية الستينات.

وتمكنت الدولة خلال هذه العشرية من تأميم كل الأراضي الصالحة للزراعة  تقريبا حيث أصبح هناك في أوت 1969

ما يساوي 1762 تعاضدية فلاحية تمسح قرابة 4110000 هكتار. وكانت هذه التعاضديات خاضعة لتسيير الدولة عن طريق موظّفيها في الجهات ويبدو أن هذا التسيير كان سطحيا في الكثير من التعاضديات.

كما استطاعت الدولة بعث مشاريع صناعية كبرى في جهات مختلفة من البلاد مثل مصنع تكرير النفط ببنزرت ومصنع الفولاذ بمنزل بورقيبة ومصنع السكر بباجة. كما قامت بتحويل تجارة التوريد والتصدير وتجارة الجملة إلى القطاع العام. وعلاوة على هذا تم تكوين عديد التعاضديات التجارية بجمع صغار التجار(تجار المواد الغذائية والبيع بالتفصيل…) والاشراف عليهم ولم يقبل كبار التجار بكثرة على الانخراط  في التعاضديات التجارية الكبرى التي ركزتها الدولة.7

في النهاية تضافرت عديد الأسباب لإفشال التجربة التعاضدية في تونس وهي بالأساس داخلية تمثلت في غياب الوعي الطبقي لدى الفئات الفقيرة وهي الأغلبية الساحقة من الشعب التونسي في الستينات حيث عمد الكثير منهم إلى تذبيح قطعانهم من المواشي كي لا تتسلمها الدولة. كما لجأ البعض إلى انتهاج التخريب والسرقة في التعامل مع التعاضديات الفلاحية والتجارية. هذا فضلا عن مزيد استشراء ثقافة رزق “البايليك” التي أدّت إلى التقاعس عن العمل والإنتاج في ضلّ التعاضديات التي تولّت التسيير والإشراف بدل الخواص. فضلا عن ذلك سادت البيروقراطية البلاد فبينما كان أصحاب الأملاك وخاصة الصغار منهم يتخلون عن ممتلكاتهم لصالح التعاضد كان الموظّفون يصعدون في سلم الحياة الاجتماعية والسياسية بسرعة منتفعين بما باتوا يزاولونه من سلطة في التسيير والتأطير وهو ما زاد من حنق الأغلبية الساحقة  من الملاّكين على السياسة التعاضدية.

لكلّ هذه الأسباب  أفضت التجربة التعاضدية إلى تدهور واضح شمل ميادين شتّى (التراجع الفلاحي وارتفاع المديونية وازدياد نسب البطالة….). وهذا ما جعل الدولة تتخلى في سبتمبر1969عن سياسة التعاضد وهو ما قوبل بفرحة شعبية عارمة. ولكن هذا لا ينف تحقّق عديد المكاسب خلال هذه المرحلة وخاصة منها المشاريع الصناعية الكبرى وتشييد العديد من المؤسسات التعليمية والإدارية والنزل السياحية علاوة على مزيد نشر التعليم في الأوساط الفقيرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- التيمومي (الهادي) ، تونس1956-1987، دار محمد علي الحامي، تونس،2006 ، ص.92  و93.

2- Ben Hamida (Abdessalem), capitalisme et syndicalisme en Tunisie, éd. Université de Tunis, Tunis, 2003, p435.

3- جماعي، تونس عبر التاريخ. الجزء الثالث، مركز الدراسات و البحوث الاقتصادية و الاجتماعية، تونس، 2007، ص188و189.

4- التيمومي الهادي، المرجع السابق، ص93. و94.

5- سعيد (جلال الدين) ، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب، تونس، 2007، ص.46  -48.

6- Ben Hamida (Abdessalem), op. cit., pp. 441-468.

7- التيمومي (الهادي) ، المرجع السابق، ص.97-95 .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق