الإرهاب(ي): الفكر والفنّ ضدّ التّطرف

_ العالم كلّه ضدّك يا اثناسيوس

_ وأنا ضدّ العالم

أمّا قبل:

عرفت مصر في غضون القرن المنصرم موجات أصولية متطرفة ذات منهج تكفيري ونهج دموي، وصل إلى حد إهدار دم واغتيال عدد من الشخصيات السياسية والفكرية، كما شهدت المحروسة أعمال تخريب واعتداء لم يسلم منها أبناء الوطن ولا الأجانب من مسلمين وأقباط. كلّ ذلك تمّ بذريعة ” المجتمع الكافر”، وبمسمى “تطبيق الشريعة”، وبشعار “المصحف والسيف”. فكانت مصر بحق أمام ردة حضارية وفتنة طائفية  تكاد تعصف بقرون من الحضارة وأشواط من النضال على درب التقدم والتنوير والمدنية. غير أنّه أمام سطوة هذه الجماعات وغلوها، واستئسادها بالساحة مستغلة الكتب والصحف الصفراء، ومنابر المساجد، وفقهاء الفتاوى الجاهزة. كان رد المجتمع المصري مزيدا من التمسك بقيم التسامح والمحبة، وبأخلاق الإخاء والحوار، وبرغبة غير منقوصة في الإنعتاق من رهاب الفكر الظلامي إلى رحاب الدولة المدنية الحديثة.

هكذا كان الأمر، مع ثلة من الفنانين والمفكرين الذين وقفوا في وجه التيار، لم يتراجعوا قيد أنملة عن مبادئهم وأفكارهم وعن إيمانهم بوطن حر يسع الجميع، هكذا وبشجاعة قل نظيرها واجهوا الطلقات بالكلمات، والمدفع بالقلم، والتسطيح والتجهيل بالفنّ والإبداع.

 درس الشّجاعة السقراطي

“العقول الشّجاعة دائما تفكر” كما يقول “جيريمي كولير”، والتفكير بشجاعة يتوجه نحو المستقبل حاملا في طياته مشاريع تهدف إلى الانفلات من براثن الماضي السلطوي، ومن قيوده التي تكبل العقل، ومن رواسبه المثقلة بحمى تدمير ما وصل إليه الإنسان في سعيه الدؤوب إلى البناء و التحرر.

الشجاعة قيمة إنسانية مثلى، نقيضها الخوف الذي يعتبر أم الرذائل. غير أن التخويف والترغيب الذي يلجأ اليه الخطاب الديني (المسيحي والإسلامي) المتطرف، يتقصد العالم الأخروي، باعتباره خلاصا للإنسان الحامل لعقدة الذنب، أو وعداً بجنات وأنهار وحور عين، كبديل عن هشاشة الحياة، و وحشة الوجود العابر، أو ما يدعوه المفكر المغربي “سعيد ناشيد”: ” التوظيف الاديولوجي للخوف الانطلوجي” أو حتى تكريس “البعد المأتمي للحياة”.

عندما قُدِم الفيلسوف اليوناني “سقراط” للمحاكمة بتهمة إفساد عقول الشباب، وإنكار الآلهة، والإساءة إلى التقاليد الدينية، حكم عليه بالموت، فلم يتنكر أو يساوم أو حتى يفكر في الاعتذار والهرب، كما اقترح عليه تلامذته. لقد تجرع الفيلسوف الذي “أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض” سم الشكران بشجاعةٍ كبيرةٍ وصفها بأنّها “يجب أن تكون نفس الشجاعة التي يجب أن يلاقي بها الجندي حتفه دفاعاً عن أرضه”، فلم يكن الموت بالنسبة له مجرد خلاص من شقاء الحياة، وتحريراً للروح من قبضة البدن، أو راحة أبدية في عالم الخلود. و إنما انتصارا للحقيقة، وتخليصا للعقل الإنساني من دوغمائيته وجموده، وتأصيلا للفكر النقدي والتساؤل الحر، ذاك هو الدرس السقراطي الخالد.

فودة وإمام: شجاعة في وجه الظّلام

عندما تمّ اغتيال شهيد الفكر الدكتور “فرج فودة” في يونيو 1992 صرح الزعيم لمجلة “فنّ” العدد 129 قائلا: “أنا لم أذهب الى أسيوط للتحاور معهم، فكيف أتحاور بالفكر مع من يمسك قنبلة…لقد قتلوا فرج فودة لأنه قوي الحجة، وذو فكر حرّ ومستنير. فأرادوا أن يسكتوا منطقه ليس بفكر مضاد، ولكن، بطلقات الرصاص التي مزقت جلده”.

قبل هذا التصريح وقبل واقعة الاغتيال، شهدت المحافظة المصرية أسيوط هجوما على الفنّ وصل حد الاعتداء على فرقة مسرحية والتنكيل بأعضائها، فكان رد الفن قويا هذه المرة، فقد تفرد الفنان “عادل إمام” أكثر النجوم شهرة و شعبية، بعرض مسرحيته “السيد الشغال” في عاصمة التطرف (أسيوط) بموقف لن ينساه له التاريخ.

بهذه العبارة وهذا الامتنان، سيكتب فرج فودة في كتاب “نكون أو لا نكون” مقالا بعنوان: “لقد كان درسا عظيما يا إمام”، و”الدّرس ببساطة أن قليلا من الشجاعة يصلح الوطن، وقد كان عادل إمام شجاعا… والشجعان يحبهم الشعب ويضعهم في حبات القلوب، ويجدون مكانا رحبا في سجل التاريخ، والتاريخ خير حافظا وهو أعظم المقدرين”. ثم يضيف قائلا:” ولست أشك في أن درس أسيوط سيكون ميلادا جديدا لمزيد من الشجعان، ولست أشكّ أن هزل الصبية سوف يستحيل إلى زبد يذهب جفاء، وأنّ الإيمان بالله والوطن سوف يمكث في الأرض”. (ص136)

بهذا الواجب تجاه الله والوطن، وبهذه الشجاعة التاريخية، تجسدت مواقف شهيد الفكر الدكتور فرج فودة، هو الذي كان دوما على رأس قائمة الاغتيالات لعدد من الجماعات التكفيرية )تنظيم الناجون من النار(، هو الذي صدرت في حقه فتاوى التكفير والمروق عن الدين، وإنكار معلوم من الدين بالضرورة (الجماعة الاسلامية).

“إن ما تكتبه يجعلك أمام فوهة المدفع”، يقول أحدهم. “وها هي كتبي تتوالى ولم ينطلق المدفع بعد، ولا يعنيني أن ينطلق”، يقول فرج فودة. بهذا الموقف الّذي تكرر مرّات ومرّات قولا وعملا، وبشجاعة سقراطية فذة، وفيما يجري مجرى هذا الموقف الجريء يقول في كتابه “الإرهاب”: “الشجاعة تقاس بعداء الجبناء والسمو يقاس بعداء الوضعاء، والرصاص هو التعبير العنيف عن منتهى الضعف… أي حوار هذا الذي ينطق أحد أطرافه بالكلمات فيرد الطرف الأخر بالطلقات؟ إذا كان المقصود أن نتراجع فقد طلبوا المستحيل. وإذا كان المستهدف أن نخاف فقد ظلوا السبيل، وإذا كان المطلوب أن نغمد القلم فقد أخطأوا رقم الهاتف. فالموت أهنأ من العيش في ظل فكرهم العيي وحكمهم العتي ومنطقهم الغبي، وأن يفقد المرء حياته وهو يدافع عن حياة الوطن أشرف كثيرا من أن يعيش في ظل وطن ممزق، وأن يضحي المرء بالسنوات الباقية من عمره أشرف كثيرا من أن يقضيها تحت حكم من يفضلون ركوب الناقة على ركوب السيارة- كما يذكر أحد أعضاء الجماعة في أسيوط – أو من يذهبون فرادى وجماعات لقضاء الحاجة في الخلاء- كما يفعل أعضاء الجماعة في المنيا-. المقبرة أهون، والاستشهاد أفضل والجهاد ضدهم حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا هو الاختيار الصحيح والمريح”.(ص 11 وما بعدها)

لا للإرهاب: الفنّ والفكر وجهان لعملة واحدة

_ فيلم الإرهابي: التّطرف وأضداده

لم تكن المصادفة وحدها، من قادت كاتب سيناريو  فيلم  الإرهابي “لينين الرملي“، الّذي قام ببطولته الفنان “عادل إمام” إلى تجسيد مشهد اغتيال “مفكر” على يد جماعة إرهابية، وإنما هي النية المبيتة وقصدية العمل _كما أكدت ابنة الراحل ” سمر فرج فودة” في إحدى اللقاءات التلفزيونية، فلم يكن الممثل المغتال في الفيلم غير المفكر المصري الشهير “فرج فودة”، الذي اغتيل في الواقع بذات الطريقة ونفس المشهد، ولم يكن بطل الفيلم غير صديقه في الدراسة والكفاح ضد “طيور الظلام” الفنان “عادل إمام”. فلقاء الفن و الفكر هنا كان بغرض الوقوف يدا في يد، في وجه الإرهاب و التطرف والقتل باسم الإله.

يجسد الفنان عادل إمام في الفيلم شخصية “الإرهابي” بتناقضاتها الفكرية والسلوكية والنفسية، فهو ينتمي إلى جماعة تكفيرية لا ترى في المجتمع والدولة إلا فسقا وفجورا ومروقا عن شريعة الإسلام. وبعد أن يصاب في حادث سير بعد عملية إرهابية كانت تستهدف حافلة للسياح، سيجد نفسه داخل أسرة مصرية بسيطة ومتحررة، سيتخفى داخلها في شخصية أستاذ جامعي متخصص في الفلسفة.

سيعيش الممثل تناقضه الوجداني بين فكر متطرف وواقع شخصيته الجديدة داخل الأسرة، وهو ما سينعكس في مواقفه تجاه الحياة اليومية لأفرادها، فيكون التكفير والرفض من جهة، والإذعان والصدمة من جهة أخرى.

ستكون معايشة أفراد الأسرة لبعض الوقت سبيلا لوقوع تغيرات على شخصيته وفكره، إذ سيعيد النظر في مواقفه العدائية تجاه ما يدعوه بالمجتمع الكافر. فالسلام والمحبة والاختلاف والحوار الذي يطبع جو حياة الأسرة سيدفعه لمراجعه الأطروحات المنقولة سماعا من مشايخه: “اسمع ولا تجادل يا أخ علي”، كشعار استقطابي تستغله الجماعات لغسل عقول الأتباع، فواقع الحال يبدي خلاف ما يُسمع. وبعد أن يتم كشف القناع الذي تخفى فيه، سيكون هو نفسه ضحية الجماعة التي ستهدر دمه بدعوى الردة والخروجه عن طوع الإمام.

يقدم الفيلم الذي يمكن ادراجه في خانة “الكوميديا السوداء”، صورة واضحة للإرهابي من منظور فني يعنى بالتفاصيل الشكلية والفكرية، يحيل فيه الحوار بدقة إلى مرجعيتين وخطابين متباينين، وبالتالي فهذا العمل الذي أخرجه “نادر جلال” ينقل بحرفية عالية ظاهرة الإرهاب من الواقع إلى السينما، حاملا معه رسائل قد لا تخفى عن عين المشاهد وعقله.

_كتاب الإرهاب : الظّاهرة والحلّ

تتعرض كتب فرج فودة بالنقد والتحليل للخطاب الأصولي المتطرف، ولتيارات الإسلام السياسي في مسعاها لتشييد الدولة الدينية، غير أنّه أفرد كتابه “الإرهاب” لتحليل هذه الظاهرة بآلياتها التبريرية ونسقها الاديولوجي، وتداعياتها الواقعية وفق زمنيتها الخاصة، كما شهدته مصر آواخر القرن المنصرم. من هذا المنطلق يتوقف الكاتب عند أسباب الظاهرة، وسبل الحل على المديين القصير والطويل:

في تصور الكاتب أن الإرهاب لا يفرّخ ويعيش، إلا إذا انتعشت” الديماغوجية”، أي عندما نفقد القدرة على التمييز بين الإرهاب والشرعية، وحين نتساءل هل هناك إرهاب مشروع وآخر غير مشروع؟. فقاتل السادات شهيد والقتلة الآخرون إرهابيون، هذا ما يحدث للأسف في مصر. يعيش الإرهاب على الشائعات والكذب، وهو السلاح الذي يشبه الدخان الذي يخفي النار والشجرة التي تخفي الغابة، فالمبررات كثيرة وما يشيع عقب الفعل الإرهابي يحد صداه وقبوله عند البسطاء والعلماء على حد سواء، دون مناقشة أو تفكير، أو حتى استنكار للفعل الشنيع. فهذا ملحد وذاك زنديق يسب الدين، وهؤلاء يدوسون المصحف بالنعال وأولئك يرقصون فوقه مرحا وطربا. وفي هذا الصدد يسوق المؤلف واقعة شخصية: ففي ترشحه لإحدى الانتخابات في القاهرة سيوزع منشور بالآلاف، يحمل إسمه كمترشح عن “الشيوعية الملحدة والعلمانية الكافرة، والامبريالية العالمية، وربيبتها الصهيونية النجسة”. بهذه البلاهة التي تجمع ما بين المتناقضات وبهذا المنطق العقيم، لم ينفع رد ولا تصحيح، فالشائعات تسري  في الناس كالنار في الهشيم. من هنا فالعلاقة بين الشائعات والإرهاب واضحة ووطيدة فهي “المدخل الآمن لتنفيذ العمليات الإرهابية، ولو قُدر للمتطرفين أن ينشئوا مدرسة للإرهاب لكان الدرس الأول فيها: لا تتسرع بإطلاق الرصاص، وابدأ أولا بإطلاق شائعة، وتعمد أن تكون فجة ومثيرة” (ص29). والأمثلة على هذه الوقائع كثيرة وهي مؤسسة ومدروسة تقوم على التمهيد النفسي، وتخدير الرأي الجماعي، وليست من إنتاج خيال. والنتيجة هنا “أن الشائعات المدروسة أصبحت جزء لا يتجزأ من عملية الإرهاب المتكاملة، وأن مواجهة هذه الشائعات يجب أن تتوازى مع مواجهة الطلقات.”(ص 37)

هناك مسألة أخرى يلجأ إليها أصحاب تبرير اللجوء إلى العنف كضرورة، كان دافعها ما تعرض له رموز وأتباع الجماعات الإسلامية من تعذيب في السجون، فتنظيم “الهجرة والتفكير” اختمر في ذهن شكري مصطفى تحت سياط التعذيب. وأن كتاب” معالم في الطريق” لسيّد قطب كان ثمرة لسنوات سجنه. والواقع أن هذه الحجة واهية، فكثير من السجون تشهد على احترام آدمية السجين وحقوقه، كما أن عددا ممن خرجوا من السجون قطعوا مع التطرف ولم يعودوا لممارسة العنف. ومن ثم فالإرهاب السياسي كان نتيجة مبايعة هذه التنظيمات السرية لعقيدة “المصحف والمسدس”، دون إغفال أن تنامي ظاهرة التطرف العنيف تعود إلى مسؤولية الدولة وتقصيرها في تطبيق القانون، كما تعود إلى” التيار الثروي في الحركة الإسلامية” _ وهي التسمية التي أطلقها المؤلف نسبة إلى الثروة_ والمقصود هنا بيوت (وليس شركات) توظيف الأموال التي لها الفضل في تمويل الجهاز السري العنيف (انظر كتابه الملعوب). ليخلص إلى أن المنادين بالدولة الإسلامية و القائلين بوجود نظرية حكم متكاملة في الإسلام الساعين إلى الحكم، عليهم أن يقدموا برنامجا سياسيا واقعيا وتفصيليا، بعيدا عن دعاوى أن الحزب الإسلامي هو حزب الله، وأن نظام الحكم ستسوده البركة، و تغشاه العناية الالهية، وأن الحكم لله على نهج الرسول الكريم والسلف الصالح. وهذه كلها شعارات مطاطة لا تغني عن الاجتهاد للعصر وإعمال العقل، وهذا هو جوهر الإسلام.

أما سبل الحل في تصوره فهي خطوات إجرائية من مستويين:

في المدى القصير:

1_ الديموقراطيّة: للجميع دون قيد، ومن أجل مصلحة الجميع دون شرط، فالمناخ الديموقراطي يسمح بترسيخ  الحقوق السياسية (تكوين أحزاب مستقلة، وإصدار صحف حرة، وتعديل قوانين الانتخاب). بحيث تكون الساحة للجميع على قدم المساواة جدالا وحوارا وعملا سياسيا. تصير معه مقولة الدولة الدينية رأيا يناقش وليس واقعا معاشا: ” الديموقراطية الكاملة الآن، وقبل أن لا يكون هناك آن” يستشهد الكاتب بالعبارة الشهيرة “لخالد محمد خالد”.

2_ سيادة القانون: والمقصود الإنتقال من الخوف من السلطة، إلى الخوف من القانون، فالأول تخلّف وخنوع، والثاني رقي وحضارة. فالواجب يقتضي احترام القوانين وتطبيقها والتّمسك بها والدّفاع عنها، وغير خاف علينا أن مشكلة الإرهاب تعود بشكل كبير لطريقة تعاملنا مع القانون تشريعا وتنفيذا.

3_ الإعلام: تحرير الإعلام مرتبط بحرية الكتابة الصحفية المشروط بقول الحقيقة، ونشدان الرسالة الإعلاميّة وخصوصا التلفزيون لإعمال العقل، وترسيخ الثقافة والفنّ والحوار، مع تعددية في البرامج والقنوات ما بين دينية وثقافية تسمح بحرية الاختيار.

وفيما يخص المدى الطويل فهي تهمّ مجالات:

  • التّعليم: مراجعة البرامج الدراسية التي تحجم الفكر وتبخس الحضارة، وتكرّس الجهل بالتاريخ، وتنكر التعددية. وفق منظور يزكي تفعيل العقل، والبحت العلمي، واستخدام المنطق.
  •  المشكلة الاقتصاديّة: كلّما زادت المشكلة الاقتصادية كلما نما رصيد الإرهاب، لذا فإن مشاركة المواطن بمسؤولية في البحث عن الحل وحمل هذا الهم، يقلل من رصيد التطرف ويقلل من احتمالات التوتر والخطر.
  • الوحدة الوطنيّة: حريّة العقائد والتّشريع، كأحد سبل مواجهة التّعصب، للحفاظ على تاريخ طويل من الوحدة والتّوحد.

هذا التّحليل وهذه الاقتراحات تبقى وباعتراف الكاتب اجتهادا قد تنقصه حنكة السّاسة، لكنّه لا يفتقر إلى صدق صاحبه، مستحضراً في خاتمة الكتاب مقولة شجاعة ومعبّرة: ” إذا خفت فلا تقل، وإذا قلت فلا تخف”، و” لقد اخترت القول، أمّا الخوف فلم أعرفه بعد، ولن أعرفه من بعد”.

أمّا بعد:

لقد كان مبتغى هذه الورقة الّتي استعادت “فيلما سينمائيا و كتابا فكريا”، قاسمهما المشترك التصدي بشجاعة لمشكلة الإرهاب، في لحظة حرجة من تاريخ مصر. أن تؤكد على أن “الفكر الإنساني” من خلال رسالة الفن النبيل والفكر المستنير، يحمل على عاتقه بمسؤولية، الوقوف في وجه هذه الظاهرة التي لا زلنا نعيش تداعياتها بعنف، ونحصد نتائجها بمرارة، وربما بصورة أكثر احتدداً، خصوصا وما نشهده اليوم من إرهاب معولم و منظم، قادر على تغيير جِلده، غير أنّه لا يزال وفياً لاديولوجيته في إقامة “الدولة الإسلامية” بالحديد والنار. ممّا يجعل من مهام “العقل العربي” وأولوياته الملحة، تجديد و”إصلاح الخطاب الديني”، والإعلاء من قيم الحوار والتسامح والاختلاف، والقطع مع الاستبداد والعنف والرِجعية، كمدخل من مداخل بناء الدولة المدنية الحديثة. الأمر الذي ينبغي أن توازيه إرادة عامة، ووعي جمعي، بضرورة التصدي بكل عزم وبمنتهى الحزم، لهذه الآفة التي لا دين لها ولا وطن. “فالإرهاب هو الطاعون، والطاعون هو الإرهاب”، مع الاعتذار للشاعر الكبير ” محمود درويش”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق