اللّغة أداة اندماج الإنسان في العالم

لا تشكّل اللّغة واقعا نموذجيا عن الإنسان المتكلم، فلا هي بالكلمة الربانيّة ولا هي بالنّسق المغلق والكامل أو الآلة الروحانيّة المنتظمة لحياة الأفراد بما لها من خاصيّة أنطولوجيّة. إنّ الكلام الإنساني لا يكتفي بترديد حقيقة سابقة، ولو كان الأمر كذلك لانتفت من الكلام كلّ فعالية داخليّة. وكلّ فلسفة لا ترى في الإنسان المقياس، فهي تفصل الكلام إلى لغة خالقة متعالية وأخرى إنسانيّة مخلوقة، خالية من كلّ مبادرة ومن كلّ مواكبة للحياة. ولكن حتّى الجمع بين هاتين اللّغتين لا يساوي اللغّة الإنسانيّة. لذلك فإنّه ينبغي علينا من الآن فصاعدا أن نعتبر الكلام لا نسقا موضوعيّا منسوبا إلى ضمير الغائب، وإنّما عملا شخصيا. أن يأخذ المرء الكلمة، فذلك من مهامه الرئيسيّة. ولابدّ هنا من العودة إلى المعنى الحرفي لهذه العبارة، إذ لا وجود للغة قبل المبادرة الشخصيّة الّتي تحرّكها. أمّا اللّسان الجاري فإنّه يوفّر فقط إطار يتحقّق ضمنه فعل المتكلّم. والكلمات ودلالاتها تكون إمكانات على ذمّة الإنسان المتكلّم تكتمل البتّة ولا تتوقّف أبدا من الحركة. إنّ لغة الشّخص ليست في تحقّقها الفعلي مخضعة للمعجم بل إنّ المعجم هو الّذي يتعيّن عليه أن يتعقّب أثر الكلمة الحيّة وأن يبوّب دلالاتها.
وبهذا تظهر لغة حيّة مّا على أنّها لغة أناس أحياء (…) إنّ العنصر الّذي قد منه الكلام هو كلّ مركّب يحرّكه قصد إلى الدّلالة(…) وفي حياة الفكر لا يجب أن نعتبر أنّ الجملة مركّبة من ألفاظ، بل الأصحّ أن نقول إنّ الألفاظ هي بمثابة خزّان الجمل الترسبي حيث تتمظهر إرادات التّعبير.
ليس أبلغ من هذا إيضاحا لكون الكلام الإنساني هو فعل على الدّوام. فاللّغة الأصيلة إمّا تتدخل في وضع ما كلحظة من لحظاته أو كردّ فعل عليه. ومهمّتها حفظ توازن ذلك الوضع أو استعادته، وتأمين اندماج الشّخص في العالم، وتحقيق التّواصل.

**************

المصدر:

 Georges Gusdorf: LA PAROLE. Paris: Les Presses universitaires de France, 1re édition, 1952 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق