الدَّولة والتّناقضات الاجتماعيّة

ليست الدّولة سلطة مفروضة على المجتمع من خارجه، كما أنّها ليست ” حقيقة الفكرة الأخلاقيّة ” ولا ” صورة العقل وحقيقته ” كما زعم هيغل، وإنّما هي، بالأحرى، نتاج المجتمع في طور معيّن من أطوار نموه. إنّها شهادة على أنّ هذا المجتمع قد تورّط مع نفسه في تناقض يتعذّر حلّه، لأنّه انقسم شيعا متنافرة عجز عن استبعادها. وحتّى لا يفني التّنازع الطّبقات الاجتماعيّة ذات المصالح الاقتصاديّة المتعارضة – وفي ذلك فناء لها وللمجتمع ذاته – تحتمت الحاجة إلى وجود سلطة تكون – في الظّاهر- فوق المجتمع، ويكون واجبها أن تلطّف الصّراع وتحصر مجاله في الحدود الّتي تحفظ ” النّظام “. وهذه السّلطة، الّتي هي وليدة المجتمع، ولكنّها تتّخذ مرتبة أسمى من مرتبته وتغدو – تدريجيا – غريبة عنه، هي الدّولة …

ولمّا كان ظهور الدّولة ناشئا عن الحاجة إلى كبح التّناقضات الطبقيّة، وكان هذا الظّهور – قي الوقت ذاته – في خضم صراع الطّبقات، فإنّ الدّولة – عادة – هي دولة أقوى الطّبقات، أي دولة الطبّقة المهيمنة اقتصاديا وهي الطّبقة الّتي تغدو – بفضل الدّولة – طبقة مسيطرة سياسيّا أيضا، فتتوفّر لها – على هذا النّحو- وسائل جديدة تمكّنها من قهر الطّبقة المضطهدة واستغلالها… وهكذا فإنّ الدّولة لم توجد منذ البدء، فقد وجدت مجتمعات تدبرت أمرها بمعزل عن الدّولة فلم تكوّن أي فكرة عنها ولا عن سلطة الدّولة. ولكن، في طور معيّن من أطوار النّمو الاقتصاديّ المرتبط – ضرورة – بانقسام المجتمع إلى طبقات، صارت الدّولة ضرورة حتمها هذا الانقسام ذاته.

********

المصدر:

فريدريك إنغلز: أصل العائلة والملكيّة الخاصّة والدَّولة، ترجمة: أحمد عزّ العرب، (د.ت).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق