إنسان الأزمنة الحديثة أو الإنسان الّذي ننشده

«كم في الحياة من مخلوق جبّار، ولكنّ الإنسان أعظمها جبروتاً!» سوفوكليس
« لماذا، عندما بدأ الإنسان يعمل لكي يصبح إلهاً، بدأ يعلو، وعندما وصل إلى ما ظنّ أنّها غايته، أخذ ينحدر؟»  أدونيس

ذات صباح، خرج ديوجين إلى الشّارع  يحمل مصباحاً ويبحث عن شيء، وحين سأله النّاس: عن ماذا تبحث يا ديوجين؟ ولمَ تحمل المصباح والوقت وقت صبح؟ فأجاب: أبحث عن الإنسان!

أفترض أنّنا اليوم مثل ديوجين نبحث عن الإنسان. وبالضبط عن “إنسان الأزمنة الحديثة” الّذي ظهر في أوربا بعد انتصار النّزعة الإنسانيّة على غيرها من الإيديولوجيات المضادّة. لكن ما الّذي نقصده بالإنسان؟ ومن هو الإنسان الّذي نبحث عنه؟ وما المقصود بالنّزعة الإنسانيّة؟

هذه الأسئلة سنحاول أن نجيب عنها في هذا المقال. وهو مقال يقوم على فرضيّة مؤداها أنّ  مفهوم “الإنسان” مفهوم حديث، وأنّ العيش كفرد إنسانيّ، وفق ما سنرى،  هو ما يمكن أن يمنحنا الخير الأسمى أو السّعادة.

إنّ الإنسان كما قيل في تعريفه قديماً كائن “حيّ ناطقٌ مائت”. ومن المؤكّد أنّ أهمّ خاصيّة تميّز الإنسان هي خاصيّة العقل أو النّطق، فالإنسان كائنٌ عاقل، رغم أنّه يبقى، من زاوية نظر بيولوجيّة، نوع من أنواع الحيوان. وخاصيّة العقل هذه جعلت الإنسان يستعمل الرّموز: اللّغة والإشارات والكتابة. فالإنسان كائن رامز كما يؤكّد إرنست كاسيرر. ثمّ إنّ خاصيّة العقل جعلت الإنسان يخلق الآلهة ويعبدها، ويصنع الثّقافة: الأفكار والقيم، ويؤسّس الحضارة الّتي بدونها يكون الإنسان من أضعف الحيوانات[1].

ويمكن أن نجتهد، ترتيباً على ما سبق، في تعريف الإنسان، فنقول بأنّه حيوان ناطق، رامز، يصنع الثّقافة ويؤسّس الحضارة. ونصل، إذا ما نحن قمنا بتحليل تعريفنا السّابق،  إلى القول إنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الّذي يفكر ويسعى إلى المعرفة. أو بعبارة أخرى: الإنسان هو الكائن الوحيد الّذي يندهش ويتفلسف، ويفكّر في ما هيته. وهنا يقول بيتر فارب في كتابه بنو الإنسان:

«بنو الإنسان، حسبما هو معروف الآن، هو النّوع الوحيد الّذي يملك القدرة على أن يعكس الآمال والمخاوف والتّخيلات الحالية على أعمال مستقبليّة. وفوق كلّ هذا، فإنّ من المؤكّد أنّ بني الإنسان هم الوحيدون من الحيوان الّذين يحاولون اكتشاف هويتهم ومعرفة أي نوع من الحيوان هم. وقد بدأ أرسطو ميتافيزيقاه بقوله: ” كلّ إنسان بطبعه يرغب في المعرفة”. فالنّوع الإنسانيّ هو الوحيد الّذي ما فتئ تتملكه الدّهشة وتثور فيه التخمينات كلما نظر إلى نوعه وذاته. » [2]

غير أنّ مفهوم الإنسان مفهوم حديث ارتبط بتحرر الإنسان، وبانتصار النّزعة الإنسانيّة بعد قرون طويلة من صراعها مع الإيديولوجيات المضادّة لها، وأعني بالإيديولوجيات المضادّة ثقافة القرون الوسطى. وفي هذا الصّدد يقول ميشيل فوكو في كتابه الكلمات والأشياء:

 «إنّ الإنسان اختراع حديث العهد، صورة لا يتجاوز عمرها مئتيّ سنة، إنّه مجرّد انعطاف في معرفتنا، وسيختفي عندما تتّخذ المعرفة شكلاً آخر جديداً » [3].

وبطبيعة الحال، فإنّ ميشيل فوكو، كما هو معلوم، من مناصري ثقافة فلسفة موت الإنسان. ولهذا نجده يقول في إحدى الحوارات:

«إنّ النّزعة الإنسانيّة هي أثقل ميراث انحدر إلينا من القرن التّاسع عشر، وقد حان الأوان للتّخلص منه. ومهمتنا الرّاهنة هي العمل على التّحرر نهائياً من هذه النّزعة» [4].

وليس هدفنا مناقشة ميشيل فوكو في هذه النقطة [*]، وإنّما نكتفي بأن نرى مثلما رأى بأنّ الإنسان اختراع حديث العهد. فما الّذي يميّز هذا الإنسان “الحديث” في نظرنا حتّى نقول بأنّه لم يظهر قبل تبلّور فكرة النّزعة الإنسانيّة وانتصارها على غيرها من الأفكار المضادة؟

يُقصد بالنّزعة الإنسانيّة ” كلّ نظرية أو فلسفة تتّخذ من الإنسان محور لتفكيرها، وغايتها وقيمتها العليا” [5]. ويحتل الإنسان، في النّزعة الإنسانيّة، مكانة ممتازة في العالم، لأنّ الإنسانويين يرون بأن الإنسان يمتلك القدرة والإبداع والوعيّ، وبالتّالي فهو مسؤول عن أفعاله وعن تحرره [6]. ويمكن أن نقول، بتركيز شديد، إنّ النّزعة الإنسانيّة تقوم على تقديس الإنسان، وإلغاء كلّ أنواع التّمييز الّذي قد يتعرض لها.

ونحن، من خلال تأمّلنا للإنسان، الّذي هو مقدّس عند الإنسانويين، نجد أنّ هذا الإنسان قبل كلّ شيء، جسد حيّ، وهو، ثانياً، كائن واع وعاقل (ناطق)، و أخيراً، إنّه كائن اجتماعي وسياسي (يصنع الثّقافة ويؤسّس الحضارة). فماذا يعني هذا؟

أن نقول إنّ الإنسان جسد يعني أنّه يمتلك رغبات بيولوجيّة يجب أن تُشبع. فلا ينبغي أن يكبت رغباته الطبيعيّة. وأن يكون للإنسان جسد يعني هذا أيضاً أن لكلّ إنسان الحقّ في مستوى معيشة يكفي لضمان صحته الجسديّة، وما تتطلبه هذه الصّحة من مأكل، ومسكن، وتأمين على حالات العجز والشيخوخة، أو غيرها من الظروف الّتي تفرضها الطبيعة القاسية، والّتي تتصدى لها إرادة الإنسان ومسؤوليته تجاه نوعه[**].

وأن نقول، ثانياً، إنّ الإنسان كائن واعي وعاقل، فإنّ هذا  يجعل منه كائناً روحياً ينزع إلى أن يرسم حدود ذاته الخاصّة والمستقلة دون أيّ وصاية من غيره. فيرفض محاكم التّفتيش ويرفض التّعصب الدّينيّ. لأنّه إنسان ديكارتي لا يسلم بشيء يبدو بديهياً، بل يشكّ ويمارس النّقد. كما أنّه إنسان مستنير، وليس عاجز أو كسول ينقاد لغيره، بل يتجرأ على استخدام عقله، وفهمه الخاصّ دون تدخل من الغير.

وأن نقول، أخيراً، إنّ الإنسان كائن اجتماعيّ يعني هذا أنّ تواجده داخل المجتمع يمنحه مجموعة من الحقوق، حقّه في أن يعيش حياة كريمة، وأن يمارس جميع حقوقه السياسيّة والاجتماعيّة. وشرط العيش كفرد إنسانيّ، لا يمكن أن يتحقّق خارج تعاقد سياسيّ عادل وعقلاني[***]. فكما يرى كانط  أنّ الأفراد يتعاقدون مع السيّد/ الحاكم لتأمين حقوقهم ككائنات إنسانيّة. والحقّ الأساسيّ الّذي تقوم عليه كلّ الحقوق هو حقّ الحرّيّة. ومن هنا كان واجب الحاكم أن يضع الشّروط القانونيّة والاجتماعيّة لتحقيق ” حقّ العيش كفرد إنسانيّ “[7].

ختاماً، لماذا يُطلب منا أن نعيش إنسانيتنا خارج عصرنا؟ أن نعيش وفق قيم قديمة، وعلاقات اجتماعيّة ظالمة، ومعتقدات خرافيّة؟ أن نعيش في عصر ما قبل ظهور “مفهوم الإنسان”؟  فيتمّ إجبارنا على قمع رغبات الجسد، وتتمّ الوصاية على عقولنا، من خلال محاكمتنا على فكرة صرحنا بها، أو اعتقاد اعتقدناه وآمنا به. ثمّ أخيراً، نجد أنظمة سياسيّة لا تسعى إلى تحقيق حقّنا في العيش كأفراد إنسانيين، فتمارس العنف علينا، بكلّ أنواعه، إذا ما نحن طالبنا بحقّ من حقوقنا الاجتماعيّة والسياسيّة؟

إنّ الإنسان الّذي ننشده هو إنسان الأزمنة الحديثة، إنسان النّزعة الإنسانيّة، ذلك الإنسان الواعي، المسؤول، المتحرّر، المؤثر في تاريخه، إنسان الإرادة الّتي تسيطر على الطبيعة، وتخلق الحضارة. إنسان غرائز الإيروس [****] الّذي يسعى إلى جعل هذا العالم مكاناً صالحاً للعيش، رغم قسوة الطبيعة، ونزعة الكائنات فيها، بما فيها الإنسان نفسه، إلى العدوان والهيمنة والتّذمير. وفي اعتقادنا، أنّه يستحيل تحقيق الخير الأسمّى الّذي هو السّعادة دون تحقق العيش كفرد إنسانيّ بالمعاني الّتي ذكرناها.

فهل تحقّق هذا الإنسان حلم؟  إذا كان حلماً، ودليلا على سذاجة قائله،  فلماذا نرى إرهاصات تحقّقه قد ظهرت في أوربا، وفي دول العقل والتّنوير، رغم النّقاش الدّائر حول موت الإنسان؟ (وهو نقاش طبيعي وصحي في منظومة فكريّة تقوم على النّقد) أم أنّنا بدعوى الخصوصيّة الثقافيّة  مجبرون على محاربة إنسان الأزمنة الحديثة، واخراص كلّ صوت ارتفع مطالباً بحقّ بسيط وهو حقّ العيش كفرد إنساني؟! أليس من واجبنا الحفاظ على مبادئ النّزعة الإنسانيّة والدّفاع عنها حتّى لا نقع في النّكوص الّذي  وقعنا فيه فعلاً فبدأنا نقرأ عن عودة  العبوديّة، وأصبحنا نشاهد  موت الإنسان (الموت الفعلي وليس الفلسفيّ) لأتفه الأسباب!

إحالات وهوامش:

1 ـ كتب الدكتور ايتار: ” يأتي الإنسان إلى هذه الكرة الأرضيّة، بدون قوّة جسديّة، وبدون أفكار تولد معه، وغير قادر بذاته على متابعة قوانين طبيعته الأساسيّة الّتي ترفعه إلى قمة المملكة الحيوانيّة. ولا يستطيع الوصول إلى المركز المرموق الّذي اختصته به الطبيعة إلّا إذا كان في وسط مجتمع. وبدون حضارة يكون الإنسان واحداً من أضعف الحيوانات وأقلها ذكاءً.” انظر: بيتر فارب، بنو الإنسان، ترجمة: زهير الكرامي، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 67، يوليوز 198 ص: 11.

2 ـ بيتر فارب، مرجع سابق، ص ص: 15 ـ 16.

3 ـ عبد الرزاق الدواي، موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، دار الطليعة. ص: 130.

4 ـ نفسه، ص: 127.

* كاتب هذه السطور مؤمن بقيم الحداثة وبالنّزعة الإنسانيّة وبضرورة تحقق الكائن الإنسانيّ الواعي والمسؤول والمتحرر. وإذا كان هابرماس يقول إنّ الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، فإنّه يمكن أن نقول أيضاً إن الإنسان مشروع لم يكتمل بعد.

5 ـ عبد الرزاق الدواي، مرجع سابق، ص: 191.

6 ـ نفسه، ص: 191.

** جاء في المادّة الخامسة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يلي: ” لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصّحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعيّة الضروريّة، وله الحقُّ في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمُّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه”.

*** بطبيعة الحال لا نقصد هنا نظريّة هوبز في العقد الاجتماعيّ.

7 ـ ميشيل حنا متياس، الصّداقة، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 444، يناير 2017، ص:209

**** الإيروس عند أفلاطون قوّة تحرّك النّفس نحو الخير. أمّا في علم النّفس فيقصد به غرائز الحياة الّتي تقابلها غرائز الموت أو التانتوس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق