عواقب تحريم الفلسفة وتكفير المشتغلين فيها منذ القرن الثالث عشر

لعلّ أرقى أشكال الوعي لأي حضارة إنّما يتجلّى في مستوى التّفكير الفلسفيّ الّذي تنتجه في سياق تطورها المزدهر، الّذي يعمل بدوره على رسم وفتح طرق تطوّر ونمو جديدة لهذه الحضارة في أفق مستقبلي جديد وقادم، لذلك يكون تراجع أو ضمور وموت التّفكير الفلسفيّ في أيّ حضارة، في لحظة زمنيّة مفصليّة مّا، هو بنفس الوقت إعلان عن تراجع وموت للحضارة المجتمعيّة نفسها الّذي أنتجته.

لذلك سأكثّف مقاربتي حول ارتكاس وتراجع الحضارة العربية الإسلاميّة الوسيطة، وخروجها من دائرة الفعل التاريخيّ من مقترب تراجع الوعيّ الفلسفيّ الّذي أنتجته في أرقى مراحله في الأندلس. دون الدّخول في تفاصيل المجالات والأحداث التاريخيّة الأخرى الّتي لا تعنينا في سياق فكرة هذا المقال.

فقد كانت أرفع  وآخر محاولة فلسفيّة جادة ومضيئة في حقل التراث العربيّ الإسلاميّ هي فلسفة (ابن رشد 1126 – 1198م) الّذي سمّي بالشّارح لكونه اهتم كثيرا بشرح فلسفة “أرسطو” وتقديمها في كتبه ورسائله العديدة مناظرا وناقدا من خلالها لفلسفة “أفلاطون” حول “المثل” ومصحّحا لفهم ممثليها، الّذين سبقوه،  في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة كـ(الفارابي 874 –  950م) و(ابن سينا 980 –  1037م).

ومفندا جريئا في كتابه “تهافت التهافت”لآراء”الإمام الغزالي”1057 – 1111م ” في كتابه المعروف “تهافت الفلاسفة” عندما كفرفلاسفة الإسلام في 3 مسائل وبدّعهم في 17 مسألة، لاسيّما ما يتعلّق منها بالقول بـ “قدم العالم”. رغم أنّ (الغزالي) بالمقابل أبدى إعجابه بمسائل فلسفيّة أخرى اشتغل عليها بعض الفلاسفة كالرياضيات والمنطق البرهاني والطبيعيات. فالإمام الغزالي استهوته الفلسفة كثيرا في البداية وكان مشروع فيلسوف قبل أن يتحوّل إلى التّصوف لاحقا، كما تفصح عن  ذلك كتبه خصوصا كتاب “تهافت الفلاسفة” نفسه وكتاب مذكراته الشخصية “المنقذ من الضلال”.
وبالعودة إلى (ابن رشد)، فقد ناقش، أيضا، محلّلا وناقدا مذاهب الفقه الكلامي الأكثر تشدّدا كـ”الحنبلية والمالكيّة والأشعريّة” الّتي فضّلت النّقل على العقل في الاستدلال اعتمادا الوحي والسنّة فقط، وذلك في كتابيه الموسومين “الكشف عن مناهج الأدلّة” و”فصل المقال فيما بين الحكمة والشّريعة من اتّصال”.

وكان يصرّ فيهما على دور العقل المستقل في محاكمة وفهم الأمور كونه لا يرى في ذلك تعارضا بين العقل والعقيدة أو الشّرع، فللعقل مجاله الخاصّ عند النّخبة المفكّرة في مسائلة اليوميّ والطّبيعة والكون بهدف الفضيلة أو الحقيقة العلميّة والفلسفيّة، وللشريعة مجالها الخاصّ عند العامّة من الجمهور بهدف الفضيلة العمليّة اليوميّة بهدي العقيدة الدينيّة وفقهها اللّذان لا يخضعان لمحاكمة عقليّة. لذا كان يرى أن الحكمة والشّريعة هما “أختان بالرّضاعة” لكن لكلّ منهما طريقهما وأسلوبهما الخاصّ.

أمّا في حال تعارض النّقل من خلال ظاهر الشّرع، مع العقل، فعلينا الأخذ بالعقل لأنّه هو أيضا من خلقِ الله وأعطانا إيّاه لنستدل به على حقيقة الأشياء. فالتّأويل والاجتهاد من خلال التّأمل العقليّ في النّص المقدّس أو المنقول عن السّلف، يكون ضروريا ومجازا في حال حصول التباس في فهمه.
طبعا هذا الرّأي لم يكن يرضي الفقهاء المتشدّدين الّذين يتمسّكون بحقيقة واحدة لا غير هي الحقيقة الدينيّة كما شرعها وأفتي فيها الفقهاء والّتي يجب على العقل خدمتها عبر التّسليم بها والبرهان على صدقها فقط، فحرّضوا العامّة من النّاس بالضّغط على الخليفة (أبو يوسف يعقوب المنصور)، الّذي كان يعادي الفلسفة والفكر، ممّا أدّى إلى محاكمته في مسجد قرطبة الكبير عام 591هـ/ 1195م،  واتّهامه بعد المحاكمة  بالمروق والزّندقة والكفر، ومن ثمّ نفيه خارج قرطبة إلى بلدة صغيرة، لكن بعد أن رأى حرق كتبه الفلسفية في الساّحة العامّة بأمر من الخليفة وتحريض من الفقهاء المتشدّدين من قبل الغوغاء والعامّة من المسلمين، ثمّ أصدر الخليفة أمرا منع بموجبه قراءة أو تدريس الفلسفة واتّهام من يخالف ذلك بالزّندقة والكفر ومعاقبته تبعا لذلك. طبعا توفي ابن رشد بعد عامين من نفيه عام 1198م، رغم عفو الخليفة عنه، وبموته يكون قد مات آخر فيلسوف عربيّ إسلاميّ يستحقّ بجدارة هذا الاسم، حتّى اليوم.

حرق كتب ابن رشد:

يروي أغلب المؤرّخين قولا لابن رشد  له دلالة كبيرة بقدر ما هو مؤثر وفاجع فعلا،  فعندما كانت تًحرق كتبه لمح أحد تلامذته الواقفين معه يبكي بمرارة، فالتفت نحوه ابن رشد قائلا: “إن كنت تبكي حال المسلمين فبحار الأرض لن تكفيك دموعا، أمّا الكتب فاعلم أنّ للأفكار أجنحة تطير لأصحابها.

وهذا ما تمّ فعلا بعد ذلك حيث مازالت أحوال المسلمين منذ تلك اللّحظة تنهار في هاوية لا قعر لها، أمّا أفكار كتبه الّتي كانت تحرق فقد طارت بأجنحتها القويّة إلى أوروبا اللاتينيّة ممهّدة لإرهاصات نهضتها الأولى كما أشرت سابقا وكانت بأمس الحاجة لفلسفة أرسطو وأبن رشد العقليّة بمواجهة رهاب الكهنوت المسيحي الظلامي الّذي كان مسيطرا فيها لقرون خلت.

لذلك يقال أنّ فكر (ابن رشد) الفلسفي أثّر تأثيرا كبيرا في العصور الوسطى على العالم المسيحي اللاتينيّ، أكثر من تأثيره في العالم العربيّ والإسلاميّ، مع أنّ (ابن رشد) لم يكن مجرّد شارح لفلسفة (أرسطو) بعد أن اطلع عليها وتعمق فيها جيدا وتأثّر بها حقّا، بل هو أيضا كان يرمي من وراء ذلك تقديم ذخيرة فلسفيّة عقليّة قويّة وغنيّة لحضارة كبيرة ناشئة وفتية آنذاك، تستضيء فيها في مسيرتها اللاّحقة، محاولا حلّ تناقضاتها العصيّة الكبيرة من خلال إقامة توازن معقول بين العقل والنَّقل، بين الفلسفة والشّرع، بين الدّين والحياة والعلم. ولعلّ هذا ما نجح فيه لاحقا بعض فلاسفة العالم المسيحيّ اللاتينيّ في الغرب كـ(توما الأكويني). بينما أخفقت أفكار ابن رشد في عالمه الإسلاميّ وبيئته الخاصّة.

جاء في في موقع “الويكبيديا – الموسوعة الحرّة” أنّه أًحصيت مؤلّفات ابن رشد من قبل بعض الباحثين المختصين فبلغت “108 مؤلفاً، وصلنا منها 58 مؤلفاً بنصها العربي” تحوي أقساما ومواضيع عديدة في الفلسفة والمنطق والفقه وعلم الكلام والأخلاق وعلوم الطبيعة والطبّ والفلك، إلّا أنّ ما يلفت النّظر هنا أنّ أغلب مؤلّفاته خصوصا في الفلسفة تمت ترجمتها من اللاتينيّة إلى العربيّة نظرا لفقدان نصّها الأصليّ بعد الحرق، لأنّ أغلب تلامذته من اللاتين كانوا قد قاموا بتسريبها سرا إلى بلدانهم أيّام طغيان كهنوت الكنيسة هناك قبل سنوات من محاكمته وإدانته. وهذا أمر له دلالة كبيرة فيما له علاقة بفكرة موضوعنا هذا، حيث بدأ عالمنا الإسلامي يحرق الكتب ويضيق على الأفكار، في نفس الوقت الذي كانت تحاول أن تستضيء بها، سرا، أوروبا اللاتينيّة لتخرج من جهلها وظلامها الدّامس.

ربّما لهذا السّبب لم يأتِ الإسلام عبر تاريخه المديد منذ تلك اللّحظة وحتّى اليوم بما هو جديد، أو بعقل فلسفي كبير يضاهي عقل (ابن رشد)، وبسبب هذا الارتكاس التاريخي الكبير والفظيع، وما نتج عنه من قطيعة تامة مع التفكير الفلسفي في الوعي الإسلامي. ما زلنا حتى اليوم كعرب ومسلمين، نعيش حروب وصراعات القرن الهجري الأول القبلية البدويّة.

ليس هذا فحسب بل إنهّ منذ ذلك التاريخ، وحتّى يومنا هذا، خرجت اللغة العربيّة من كونها لغة مصطلح علمي فلسفي معرفي، اشتغل فيها وأنتج من خلالها كفضاء عقلي وحيد للإبداع آنذاك، فلاسفة ومفكّرين وعلماء وفقهاء كثر من أصول غير عربية. وتحوّلت إلى مجرّد لغة بيان وخطابة

محطات تاريخيّة متتالية لها دلالة:

عام1198م مات ابن رشد بعد حرق كتبه وتحريم الفلسفة، وبعد فترة نفي دامت عامين.

عام 1212م سقوط دولة الموحدين الّتي عاش في كنفها (ابن رشد) بعد هزيمتها في معركة العقاب أمام جيوش الممالك المسيحيّة الأوروبيّة، ثمّ عودة دول ملوك الطوائف الضعيفة في الأندلس من جديد حتّى عام 1231م  حيث قضى عليها الأوروبيين باستثناء مملكة غرناطة.
عام1492م سقوط غرناطة  أخر ممالك العرب المسلمين في الأندلس وأعقبه خروج العرب  والمسلمين نهائيا من الأندلس، في نفس العام الّذي اكتشف فيه كريستوف كولومبس القارّة الجديدة خلف بحر الظلمات والّتي سميت فيما بعد (القارّة الأمريكيّة)، أيضا في نفس الوقت الّذي كان فيه العالم العربي الإسلامي في الشّرق يخضع لسلطان المماليك.

عام1516م هزيمة جيوش المماليك بقيادة السلطان قانصوه الغوري أمام جيوش العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول في معركة “مرج دابق شمال حلب.

عام1517م هزيمة ما تبقى من جيوش المماليك بقيادة طومان باي في معركة الريدانية قرب القاهرة،أمام زحف جيوش العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأوّل الّذي لم يتوقف زحفه حتّى سيطر على مناطق واسعة من العالم العربي الإسلامي ثمّ إعلانه خليفة للمسلمين.

وبذلك تكون أغلب مناطق العالم العربي الإسلامي من الشّرق إلى شمال غرب أفريقيا  ببحاره وطرقه التجارية وممراته الإستراتيجيّة، وأماكنه المقدسة، باستثناء داخل الجزيرة العربيّة، قد دخلت تحت السيطرة العثمانيّة لمدّة أربعة قرون متتالية تمّ فيها تعزيز صورة نمطيّة في الوعي الإسلامي العام  للإنسان الخاطئ العاجز والمهزوم أمام مشيئة القدر أو الله وممثليه على الأرض وهم بالتّأكيد رجال الدّين والخليفة الحاكم تحت مسمّى أمير المؤمنين ومن بعده حاشيته حسب تسلسل هرمهم العالي القريب من الخليفة فالأدنى. وسادت طرق دروشة صوفيّة ظاهرها مغرق بالتزمت والزّهد الدنيوي لكنّ باطنها كان مولع بالتّقرب من السّلاطين والولّاة ومراتب السّلطة العليا في الدولة والخضوع التامّ لهم. لذلك غاب التّفكير الفلسفي أو أي شكل من أشكال الفكر النقدي الحرّ والمعرفة العلميّة أو حتّى الاجتهاد الديني في الفقه نهائيا طيلة هذه الفترة. وحين بدأ العالم العربي الإسلامي يخرج من إطار الإمبراطوريّة العثمانيّة عام 1916، نتيجة تفكّكها وانهيارها ومن ثمّ إنهاء الخلافة الإسلاميّة نهائيا، كان هو أيضا يتفكّك ويتشكّل من جديد كدول حديثة مًستَعمَرة، خاضعة بالكامل للدول الأوروبيّة الاستعماريّة القويّة آنذاك والطّامعة في اقتسام تركة الرّجل المريض بناء على معاهدات فيما بينها وفقا لمصالحها الجيوسياسيّة الإستراتيجيّة والاقتصاديّة في المنطقة.

1798 – 1801م الحملة الفرنسيّة على مصر، والّتي كانت بداية الصّدمة الحضاريّة مع العالم الحديث المتقدّم، الّتي أحدثت خلخلة أولى في الوعي الإسلاميّ العام، كما للعالم العربيّ آنذاك أسّست فيما بعد لما اصطلح على تسميته “مشروع عصر النّهضة العربي” الّذي صرنا نعرف جميعا مآلاته المخفقة، رغم أنّه ما زال حتّى اليوم مشروعا قائما في العقول والنّفوس، لكن في حالة كمون.

1882م بداية الاحتلال الإنكليزي لمصر الّذي جعل مصر تحت الحماية البريطانيّة عام   1914 والسيطرة السياسيّة والاقتصاديّة حتّى عام 1952.

1830 – 1962م فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر.

1881 –  1956م فترة الاحتلال الفرنسي لتونس.

1911 – 1951م فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا.

1912 – 1956م فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب.

1916م اتفاقيّة سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا وتمّ بموجبها تقسيم دول المشرق العربيّ بينهما فاحتلت فرنسا سورية ولبنان حتّى عام 1945، أمّا بريطانيا فاحتلت الأردن حتّى عام 1946، والعراق حتّى عام 1958، وفلسطين حتّى عام 1948، عام النّكبة الفلسطينيّة حيث تمّ في نفس العام إعلان قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين تنفيذا لوعد بلفور المعروف.

1967 نكسة حزيران واحتلال المزيد من الأراضي العربيّة في فلسطين.
ثمّ تتالت أحداث الهزائم والنكبات، بل وتتوالى فصولا حتّى اليوم حيث نعيش لحظة من أصعب لحظات التاريخ في حياتنا العربيّة والإسلاميّة، كما نعيش ونعاين في عام 2017  حيث فشلت مشاريع الدولة الوطنيّة الحديثة نهائيا خصوصا في بلدان المشرق العربي مع محاولة القوى الدوليّة والإقليميّة الكبرى الاتّفاق على تقسيمها تحت مناطق نفوذ خاصّة بها من جديد. أمّا بقية دول العالم العربي سواء في المشرق والمغرب فليست في حال أفضل كثيرا حيث تتفاقم فيها كلّ مقدمات الانفجار المجتمعي الّتي حدثت عام 2011 في بعض بلدان المشرق العربي.

أمّا بقية المجتمعات الاسلاميّة في العالم غير العربي فهي جميعا متخلفة وتابعة للقوى العالميّة الكبرى بتفاوت نسبي فيما بينها.

طبعا أنا لا أقول أن تحريم الفلسفة وتكفير المشتغلين فيها، فقط، هما من أوصلنا لكل ذلك. وإنّما أردت الإضاءة على أحد أهم الأسباب الّتي أدّت، طيلة هذه القرون المديدة، إلى ذلك عبر إضعاف قدرة الوعي الجمعي العام على التفّكير المستقلّ القادر بدوره على إنتاج نخب مفكّرة تستطيع اختراق وتجاوز السّائد القديم، الجامد والمغلق، في كلّ جيل وهي ترسم عبر مغامراتها الفكريّة الابداعيّة والفلسفيّة الجديدة، خطوطا واضحة لمستقبل جديد. تماما كما حصل في عصور النّهضة الأوروبيّة المتتالية منذ القرن الخامس عشر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق