متحف فازارلي.. ألوان متحركة بتقنية الخداع البصريّ

كانت لفتة رائعة من قبل منظمة AGIR الّتي تضمّ عدداً من الجمعيات المهتمّة بمساعدة اللاّجئين في فرنسا (بينها جمعية Cimade و WELCOME) بدعوة مجموعة من طالبي اللّجوء لمشاهدة أبرز معالم فن الخداع البصري في منطقة إكس- إن- بروفنس، حيث متحف فيكتور فازارلي للفنون التشكيليّة الحديثة.

جداريات ضخمة تتميّز بحركيّة ألوانها وقدرتها على إيهام المشاهد برؤية اللّوحة الواحدة من مناظير مختلفة، إذ تنتمي هذه الأعمال الى مدرسة حديثة في الفنّ التشكيلي المعاصر هي مدرسة OP art أو الفنّ البصري الّذي استُحدث في الستينيات من القرن العشرين مع الفنّانين مارسيل دوشامب والكسندر كالدر، غير أنّ فيكتور فازارلي يعتبر بمثابة الأب الروحي لهذا الفنّ وهو الّذي تأثر بمدرسة BAUHAUS الألمانيّة. “باوهاوس” لم يكن فقط معهداً للبحوث الفنيّة البحتة، إنّما كان أيضاً مهتماُ بدراسة الظروف الاقتصاديّة وإدخال الفنّ في الحياة الصناعيّة على نطاق واسع.

كسر الحواجز

لذلك تتعلّق نظريات فازارلي الفنيّة بالأشياء المستخدمة على جميع مستويات الحياة. وتعبّر عن الرّغبة في كسر الحواجز بين الفنّ والتكنولوجيا، وإقامة علاقات بين مختلف قطاعات العلوم مثل البصريات وعلم التّحكم الآلي.

مع الإشارة إلى أنّ مفهوم الفنّ الحركيّ ظهر لأول مرّة في العام 1964 هادفاً إلى استخدام عناصر بسيطة من الهندسة والفيزياء في صناعة الفنّ الّذي يعتمد بالدرجة الأولى على العقل.

تميّز الفنّان فازارلي بقدرته على تحريك الألوان، وإبراز الآثار الوهميّة بمعنى الخداع البصري. هي أعمال افتراضيّة مجرّدة تعطي الانطباع بالحركة، بألق الضوء والاهتزاز أو الحركات بالتّناوب. أعمال تحاكي الضّوء المتسرب من سقوف صُنعت خصيصاً لتكون إلى جانب الظّلال وضخامة الصّالات وطريقة ترتيبها بمثابة سينوغرافيا مسرحيّة صامتة وإن كانت توحي بذبذبات موسيقيّة غير موجودة في الواقع.

تعود أصول هذا الفنّ البصري إلى النظريات البصريّة لمدرسة BAUHAUS، مدرسة الفنّون الجميلة الّتي تأسّست في فايمار بألمانيا في العام 1919 على يد المهندس فالتر غروبيوس (في الأصل كان المهندس المعماري البلجيكي هنري فان دي فيلدي قد أسّس معهد الفنّون الزخرفيّة والصناعيّة في فايمار من 1901 إلى 1914).

هذه المدرسة الألمانيّة الّتي تبنىّ نظرياتها فازارلي، جسّدت حركة فنيّة تجمع بين الهندسة المعماريّة والتّصميم، والحداثة، والتّصوير الفوتوغرافي، والرّقص. هذه الحركة هي الّتي وضعت أسسا للتّفكير في العمارة الحديثة، لكنّها في العام 1933، ومع وصول النازيين إلى السّلطة في ألمانيا تمّ إغلاق باوهاوسBAUHAUS بحجة أنّها عالميّة الاتّجاه ومخالفة للأصول القوميّة، وهرب العديد من أقطابها إلى الولايات المتحدة.

من المجر إلى باريس

أمّا الفنان الّذي ولد في المجر في العام 1906، فقد حضر دروساً في BAUHAUS في بودابست، وقد عارض بشدّة فكرة أنّ الفنّان شخص متمركز حول ذاته؛ كما هو الحال في عمل العديد من معاصريه الأصغر سناً في الستينات لذلك اتّجه إلى أعمال مؤسساتيّة جماعيّة تساهم فيها أكثر من طاقة إبداعيّة من فنيّة وهندسيّة وصناعيّة وتكنولوجيّة الخ.

لعلّ أبرز أعماله لوحته المعروفة باسم ZEBRA اي “حمار الوحش” والّتي رسمها في العام 1938، هذه اللّوحة تتكوّن بالكامل من خطوط باللّونين الأبيض والأسود ملتوية لإعطاء انطباع عن حمار وحشي برسم ثلاثي الأبعاد.

وعلى غرار عدد من مواطنيه، غادر فازاريلي المجر واستقرّ في العام 1930، في باريس الّتي توفي فيها في 15 مارس 1997. هناك بدأ عمله كرسام غرافيك في وكالات الإعلان.

وعلى مدى العقدين المقبلين، طور فازارلي نموذجه الخاص للفنّ المجرّد الهندسي، مستخدمًا مجموعة متنوّعة من المواد، مع عدد ضئيل من الأشكال والألوان.

الحمار الوحشي

خلال هذه الفترة الرسوميّة (1929-1946)، وضع فازارلي أسس بحوثه الجماليّة والبلاستيكيّة الفنيّة. وتوصّل إلى استخدامات متقدمة للخطوط، وتأثير المواد والظّلال والضّوء. وقد لوحظت هذه الثّوابت في أعماله الرسوميّة ثنائيّة الأبعاد مثل “الحمار الوحشي” (1938)، و”رقعة الشطرنج” (1935)، و”فتاة الزّهرة” (1934) الّتي تظهر فيها الأشكال من خلال تناقضات متراكبة.

بدا تأثر فازارلي في تلك الفترة بالمدارس التصويريّة والتكعيبيّة والسرياليّة، فركز على المناظر الطبيعيّة وصور من الحياة، مثل “صورة الذّات” (1941) و”المكفوفين” (1946).

في سياق آخر كانت لوحتا المسيح والقديس بطرس من الأعمال الدينيّة القليلة للفنّان والّتي يتمّ عرضها في سرداب كاتدرائيّة إيفري. كذلك صمم فازارلي أيضا 25 نافذة زجاج ملون من الكنيسة المسكونية في Port Grimaud  جنوب شرقي فرنسا.

حين انتقل فازارلي للعيش في منطقة إكس- إن- بروفنس، قام بتأسيس متحفه الرّائد المعروف بمؤسسة فازارلي والّتي استغرق بناؤها نحو 5 سنوات. ففي العام 1976، فتح هذا المعلم الفنّي الهندسي الجمالي أبوابه أمام الجمهور ومتذوقي الفنّ الحديث غير التقليديّ على هضبة مقابلة لمدينة الفنّان بول سيزان وتطل على جبل سان فكتوار الشّهير. في هذا المتحف كان حفيد الفنّان الرّاحل ميشال فازارلي في استقبال الزوّار من لاجئين ومتطوّعين فرنسيين يعملون على خدمة المهاجرين الوافدين من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينيّة، حيث قام فازارلي الحفيد بشرح رحلة جدّه مع الفنّ من بودابست حتّى باريس مروراً بجنوب فرنسا، مشيراً الى دور هذا المتحف بجمع مخططي المدن والمهندسين المعماريين والفنّانين، ومساهمته في تعزيز الفنّ الاجتماعي.

وعلى هامش هذا المعرض تنظم جمعيّة أصدقاء مؤسسة فازارلي الّتي أسّسها إبنه بيير، المؤتمرات والاجتماعات والنّدوات والرّحلات والأنشطة الهادفة إلى رفع مستوى الوعي بأعمال فيكتور فازاريلي، وخلفائه في الإبداع الفنّي المعاصر. كما تساهم في أعمال هندسيّة وترميم وبناء وورش عمل للصّغار والكبار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق