مسيرة المثل الإسلاميّة عبر العصور

كلاس غرينل

الكتاب: بيت الحكمة. المثل الإسلامية 600-2000

  المؤلفان: محمد فضل هاشمي، روني أمبيورنسون

    الناشر: ناتور وكلتور – ستوكهولم 2017

 

يمكن أن يكون كتاب “بيت الحكمة المثل الإسلاميّة بين 600 – 2000” والّذي اشترك في تأليفه روني أمبيورنسون ومحمد فضل هاشمي وصدر في ستوكهولم مؤخراً (أيلول/سبتمبر 2017)، دواءً مناسباً لعلاج حالة رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) الّتي تجتاح المجتمع هذه الأيّام. فهو بمثابة توكيد لحقيقة أنّ المثل الإسلامية هي – في الواقع – تعدّدية، ومعقّدة، وفي تفاعل مستمرّ مع عصرها. هذه الحقيقة المهمة تصاغ في هذا الكتاب كنقد موجّه سواء للرجعيين أصحاب اليوتوبيا الإسلاميّة أو لأصحاب الإسلاموفوبيا وتصوّراتهم حول إسلام نمطيّ أبديّ. وإلى جانب هذا يلقي المؤلفان، بطريقة فريدة، ضوء على المثل الشيعيّة والنّصوص الفارسيّة الّتي نادرًا ما تناولتها دراسات من هذا النّوع.

في هذا الكتاب نلتقي مع مجموعة من المفكّرين السياسيين في العالم الإسلامي عبر القرون، مشدودين جميعاً بخيط فكريّ مركزيّ يمسك به المؤلّفان باقتدار. نشهد – مثلاً – الشيخ البهاء في صراعه، في أوائل القرن السّابع عشر، حول مسألة علاقة علماء الدّين بالملوك الصفويين في الامبراطوريّة الفارسيّة، أولئك الملوك الّذين كانوا – رغم تشيّعهم – غارقين في مبدأ اللذّة وممارسة الخطايا. فبالرغم من كلّ عيوبهم كان الصفويّون هم الوحيدين الّذي دافعوا عن المسلمين الشيعة ضدّ الاعتداءات. وكانوا الوحيدين أيضاً الذين أصغوا – بدرجة ما – إلى علماء الدّين الشّيعة. حاجج البهاء بأنّ ثمّة فرقاً بين المظالم الّتي يرتبكها الفرد بحقّ نفسه والمظالم بحقّ الرعية. فالمظالم الّتي يرتبكها الفرد بحقّ نفسه، أي تلك الّتي تدعى بالخطايا أو الأخلاق الشخصيّة، هي مسألة بين الفرد والله، ولا يستطيع رجال الدين، ولا يحتاجون، أن يأخذوا مسؤوليّة عنها. وتوصل البهاء إلى أنّه طالما كان الملوك هم أفضل البدائل المتاحة لدرء المظالم عن الرعيّة فيمكن تقبّلهم بل وحتى دعمهم. حيث أنّ عالمنا معقّد وناقص؛ وإمكانيّة أن تختار الحقّ ليست متاحة دوماً. ودعوة القرآن إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هي من التّجريد بحيث يصعب أن تنجح كإرشاد تطبيقيّ. وعليه ينبغي- كما يقول البهاء – أن نفرّق بين السيء والأسوأ ونختار الأقلّ سوء.

بأسلوب مشابه، نشط أحمد خان في الهند البريطانيّة إبّان القرن التاسع عشر محاولاً استخدام التراث الفكريّ الإسلاميّ للتوصّل إلى جمع بين المثل الديمقراطيّة والإسلاميّة عن طريق تفسير جديد للنّصوص الإسلاميّة. ومن خلال التّفريق بين المُثُل من جهة والمؤسّسات من جهة أخرى، ذهب خان إلى أنّ البلدان الإسلاميّة بإمكانها أن تتوصّل إلى نفس التّطور الإيجابيّ الّذي خاضته أوروبا دون أن تضطرّ، من أجل ذلك، إلى استنساخ عمليّة العلمنة، الّتي هي ضرر على الإسلام.

أحد المعاصرين لأحمد خان هو جمال الدين الأفغاني، الّذي جال في أوروبا وفي البلدان ذات الغالبيّة المسلمة. كان الأفغاني يرى أنّ للمؤسساتيّة وحكم الشّعب مرجعية في جذور الإسلام، لكنّ هذه المثل تمّ خذلانها والعمل ضدّها على أيدي الطغاة في الدولة الإسلاميّة.

وتقريباً في الفترة نفسها طور السيد جعفر كاشف الغطاء في إيران أفكاراً حول حاجة الرعية العاجزة إلى ملك يعمل لصالحها، أي تقريباً مثل أب صارم لكن حسن القصد. كانت أفكار كاشف الغطاء، إلى حدّ كبير، نتيجة لمعايشته سقوط الأسرة الصفويّة.

ومن جانبه كان المصريّ سيّد قطب قد عاد، في أواسط القرن العشرين، بنظره إلى الوراء حيث المثل والتطبيقات الإسلاميّة الأصليّة، فرأى فيها مجتمعًا لا طبقيًّا، مساواتيًا وعادلاً كان فيه الله هو المالك الشرعي الوحيد للثّروات. ونشر قطب أفكاره الداعية إلى تمرّد ثوريّ ضدّ حالة المجتمع الّتي كانت في نظره أثيمة.

حتّى إذا ما وصلنا الى القرن الحادي والعشرين فسنرى مفكّرين إسلاميين مساواتيين، مثل أمينة ودود وكيسيا علي في الولايات المتحدة، يتحدون الإجماع البطرياركي الّذي صاغ المفاهيم الرّاسخة عن الشّريعة الإسلاميّة، والّذي – كما يرون – لا تدعمه النّصوص الإسلاميّة.

من ضمن المسارات الّتي يبرزها المؤلفان مسار التّفاعل بين المثل الإسلاميّة واليهوديّة والمسيحيّة. فكرسا القسم الأوّل من أقسام الكتاب الثلاثة للمثل الفكريّة الّتي سبقت الإسلام، سواء العريضة منها أو العميقة، وذلك ابتداء من عدّة آلاف من السنين إلى الوراء. وكما أنّ من المعروف أنّ محمد فضل هاشمي، المفكّر وأستاذ الإسلاميات في جامعة أوبسالا، مختصّ بشؤون الشّيعة، فيمكننا أن نتصوّر أنّ هذا الجزء قد كتبه روني أمبيورنسون، الّذي غالباً ما يهتمّ بالشّروط الماديّة والجغرافيّة للعوالم الفكريّة المختلفة. وهنا استطاع أمبيورنسون أن يرسم خطوطاً طويلة لتطوّر المثل الإسلاميّة ويصف الظّروف العريضة الّتي وراء هذا التّطور، مغنياً طرحه بمقتبسات تاريخيّة كالنّصوص البابليّة على سبيل المثال. وهكذا أدّى هذا المزيج من قدرات فضل هاشمي وأمبيورنسون إلى إنتاج مدخل تعليميّ، سهل القراءة، ودقيق في الوقت نفسه، لعشرة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأوسط. وكما نعلم الآن فإنّ معظم الجزء الرئيسي في حضارتنا الحديثة يُظهر أنّ أصوله جاءت من المناطق الّتي أصبحت فيما بعد مراكز إسلاميّة: الزّراعة، المدن، الرياضيات، علم الفلك، لغات الكتابة، الفلسفة، الديانات الابراهيميّة وغيرها كثير.

يبرز العرض التاريخي الّذي يقدّمه الكتاب، في مواضع عديدة، كيف أنّ التّاريخ المكتوب، بتركيزه على تطوّر العلوم والأديان اليهومسيحيّة، يقود إلى تفسير المثل الإسلاميّة في عصرنا. ويُظهِر هذا العرض أنّ الأساطير والقصص يتمّ تناقلها وتكييفها من منطقة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، ومن لغة إلى أخرى، خالصاً إلى أنّ الإسلام منظومة مُثُل طبيعيّة مثله مثل منظومات أخرى تطوّرت في الشّرق الأوسط (دون نسيان أنّ لكلّ منها ملامحها الخاصّة بها) وفي الوقت نفسه أدارت إرثاً متناميًا. وهنا يتمّ دحض كلّ الأصوات الغربية الّتي تتناول الإسلام كشيء غريب وفريد. فحين يصف الكتاب المحاولات التاريخيّة لفهم شروط الحياة والطبيعة، يتوضّح أنّ تلك المحاولات كانت تتعلّق بمسائل أبديّة، كونيّة ووجوديّة، لكنّها في الوقت نفسه تجد أجوبتها من خلال حاجات الزّمان والمكان وشروطهما الخاصّة. وتبيّن الاقتباسات الّتي يوردها الكتاب من ملحمة كلكامش والكتاب المقدّس والقرآن، حالات التّشابه في تفسير ورواية تلك الأسئلة الأبديّة، مثل كيفيّة نجاة أوتنابشتم ونوح من الطّوفان.

إذا كان القسم الأوّل من الكتاب قد تجنب وضع تصنيف للتّقاليد الفكريّة فإنّ الأقسام التالية ركّزت على “الصّراع بين تيّار التّفسيرات المقادة بالعقل والحافلة بالتّسامح والبراغماتيّة، من جهة، والإيمان بالقدريّة والسلطويّة والتّعصب من جهة أخرى” – من نصّ الكتاب.

يلقى ابن خلدون (1332-1406) حصّة جيّدة من اهتمام المؤلّفين، باعتباره تحديًا للتّصورات السّائدة. فأعمال ابن خلدون تمثّل دحضًا ساطعًا للفكرة القائلة بأنّ شيئًا لم يحدث في العالم الإسلاميّ بعد نهاية ما يسمّى بالعصر الذهبيّ وخلال الغزو المغولي للشّرق الأوسط أواسط القرن الثّالث عشر. ذهب ابن خلدون إلى أنّ الفضل في انتصارات الإسلام السّابقة يعود – في جزء كبير منه – إلى إيمان البدو بمبدأ الاخلاص للجماعة. ودرس هذا المفكّر كيف أنّ الحياة السياسيّة، من خلال توسيع نطاق تقسيم العمل، قد غيّرت العلاقات بين النّاس وأدّت إلى أسلوب الحياة الفرداني الّذي جعل حضارة المدن هشّة أمام الهجمات الخارجيّة. لهذا ليس غريبًا أن يدعى أوّل عالم اجتماع على الإطلاق. في هذا الكتاب يصبح ابن خلدون، من ناحية، مادة لمناقشة مثيرة للاهتمام حول الآثار العميقة الّتي تركها الغزو المغولي على استمراريّة تاريخ الفكر الإسلاميّ، ويصبح – من ناحية أخرى – مادّة للمقارنة بين تاريخي الفكر الإسلامي والغربي. لقد لاحظ ابن خلدون كيف أنّ المؤسّسات المعرفيّة في المدن الإسلاميّة ضعفت وفقدت الدّعم خلال القرن السّابق المضطرب، في الوقت الّذي طوّرت فيه أوروبا نموذجًا صلبًا حيث انتشرت مدارس الكاتدرائيات والجامعات، نموذجًا خلق استدامة لوسائط المعرفة، كما أوجدت أوروبا أماكن للحوار العلميّ، وكلّ هذا غاب في أجزاء كبيرة من العالم الإسلاميّ بعد نهاية “العصر الذهبيّ”. لكن مع ذلك نمت مراكز العلم شيئًا فشيئًا في أنحاء الإمبراطوريات الصفويّة والعثمانيّة والمغوليّة. وضمن هذه العوالم الفكريّة كان التّفكير السياسي واللاّهوتي يعتبر أكثر ضرورة من العلوم الطبيعيّة، وظلّ الأمر كذلك إلى أن خلقت الاجتياحات الكولونياليّة الأوروبيّة للشّرق حاجة لدى المسلمين إلى فهم ما الّذي جعل الأوروبيين المسيحيين ناجحين بهذا الشّكل. وهكذا فإنّ تاريخ الفكر الإسلاميّ، كما يعرضه الكتاب، صاغته الظّروف السياسيّة والماديّة الّتي كانت متقلّبة على الدّوام. وهذا يعطي أيضاً صورة دقيقة بشكل ممتاز للسّبب الّذي جعل البحث في العلوم الطبيعيّة يفقد موقعه السّابق في العالم العربيّ.

إنّ المدخل الجيّد لموضوعٍ مّا هو الّذي لا يكتفي بإعطاء معلومات عنه وإنّما يوقض أسئلة وفضولاً لدى القارئ. وهذا ما يفعله كتاب “بيت الحكمة”. إنّه كتاب مثمر بلا شك، يملأ فراغًا في مجاله ويشكّل – بذلك – عملاً بالغ الأهميّة ليعطي معارف أوسع حول عالم دينيّ ينظر إليه الكثير من الأوروبيين كشيء غريب، مخيف ومنفصل عن سيرورة الزّمن. فهنا نجد الدّليل على أنّ المثل الإسلاميّة ليست منفصلة عن زمنها ولا بعيدة عن تقاليدنا الأوروبيّة بالدّرجة الّتي يظنّها الكثيرون. وبهذا فقد تجعل قراءة هذا الكتاب من تلك المثل أقلّ تخويفًا، كما آمل!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق