في ملامح الذّات، أو الشعب الّذي صار

المؤلف: المؤرخ الهادي التيمومي.

الكتاب: كيف صار التونسيون تونسيين؟

دار محمد علي الحامي للنشر.

الطبعة الثانية 2015.

عدد الصفحات: 176

“أحبك يا شعب تونس الذي امتحنك الدهر وامتحنته فعرف فيك الشجاعة مع الاخلاص وعرف فيك الصبر مع المثابرة .أحبك لما فيك من شعور فياض وإحساس نبيل ولما تكنه من عواطف عند النكبات ومن تآخي عند المحن و أحب فيك الإقدام عند اقتحام الشدائد وبذل جهد المستطاع لانتشال الضعيف عند الحاجة‘‘.

الزعيم النقابي فرحات حشّاد.

الأطروحة المركزيّة:

يتصاعد السجال حول الهوية والأقلية في البلاد العربية مع ظهور الأزمات عامة، وهو في أوج تصاعده اليوم في مختلف تلك البلاد وخاصة في الأقطار التي مرّت بها رياح “الثورة”.

هويّة الشعب التونسي أصبحت محلّ سؤال منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر مع دخول مرحلة التحديث، بين قائل بشرقية الروح والأصول ومناهض لكل ما هو غربي، مقرّ بأن ما قبل دخول الإسلام لها هو جاهلية، وآخر يرى أن تونس لها تاريخ أعرق وأنّ الإسلام والشرق هو جزء من هويّتها وأنّ شخصية التونسي تراكمت من عمق تاريخ طويل جدًّا.

هكذا لخّص الهادي التيمومي أطروحة كتابه ودواعي طرح إشكال الهويّة قصد تقويض العديد من التصوّرات السائدة وكنسها متخذًا الموضوعية كمنهج علمي في استقراءه وتحليله.

مقدمّة:

مثّلت مرحلة تحديث المجتمعات العربيّة فرصة لتناول معطى الهويّة من زاوية نظر أنثروبولوجية، بعيدًا عن التبعية المطلقة لثقافة مغايرة والانصهار فيها، أو الانخراط في نسق والتقوقع عليه خوفًا وتوجّسًا من ثقافة الأخر المختلف علينا، ولئن كان القرن العشرين كما وضّحت نبوّة لينين ذلك؛ قرن الحروب، فإن ما بعد تلك الحروب والأزمنة الغابرة كانت لحظة فارقة في تاريخ المجتمعات وهويّاتها، باعتبار أنّ الدول الكولونيالية على حد عبارة إدوارد سعيد، وظّفت طابورًا خامسًا  لجيوش الفتوحات الاستعمارية، وتركت الحرب مخلّفاتها ومن بينهم أبواق دعاية للثقافة الغالبة كما عبّر إبن خلدون، محاولين طمس التاريخ الذي صهرته الجغرافيا والثقافات التي مرّت عليها.

دواعي الإجابة، أو مكامن السؤال:

لقد كانت الثورة التونسية، ومن قبلها بداية استقلال تونس، لحظة لتعارض الآراء حول طبيعة المجتمع التونسي وهويّته، بين رأي تغريبيّ، وآخر شرقيّ، وقد احتدم النقاش بعد الثورة التونسية، ليرى السؤال اللاّمُفكر فيه النور من جديد، ويصبح إشكالية ومعضلة على ضوءها يكون مصير مجتمع وبلد بأكمله، فنفسه الهادي التيمومي تفطّن لهذا المأزق المطروح بشدّة، فيصيغ في توطئة كتابه ( أصبح مشكل هوية الشعب التونسي مطروحًا منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر مع حسين باي ودخول تونس مرحلة التحديث، وانقسمت النخبة التونسية منذ ذلك التاريخ إلى اليوم إلى فريقين ظلّ الصراع بينهما يحتدّ حينًا ويخفت حينًا آخر: فريق يعتبر تونس شرقية الروح ويُصر على التمسّك بالتراث، لكن من موقع تقديسيّ وغير نقدي ومناهض بطريقة أو بأخرى للعالم الغربي ولحضارته، ويعتبر انّ تاريخ ولادة تونس هو حلوول الإسلام بها، أما ما سبق ذلك التاريخ فهو الجاهلية والوثنية واللّامعنى، وفريق يعتبر أنّ تونس مطالبة بالانخراط في الحضارة الكونية الحالية، وهو مناهض بطريقة أو بأخرى لتراثه أو يحتقره أو هو يعتبره عبئًا ولا يرغب حتى في الاطلاع عليه) ص7.  ملخّصًا الصراع الفكري الجوهري والعميق بين شقيّن.

وفي فضاء التساؤل المباح، يصوغ الهادي التيمومي أجوبة تكرّر طرحها، مفنّدًا عديد الأطروحات التي انبثقت من فجر الاستقلال إلى اليوم، هذا الكتاب الذي يمثّل رحلة دلالية بين المفاهيم والمصطلحات بين ملامح الهوية وتشكلاتها لدى المواطن التونسي، آخذًا بالاختلاف كتصور جديد يرقى بمستوى الخطاب الفكري إلى التنوع والتعدد الذي يقصي من جهته الخطاب الأحادي والكلياني والشمولي وذلك ماجعل من الهوية ظاهرة معقدة يتناولها الفلاسفة والمؤرخون والمفكرون بمنظورات مختلفة وفق تصوّر هابرماس.

مصافحة الكتاب، والنبش في متنه:

في نسخة أنيقة من إصدار دار محمد علي الحامي، وبلغة أكادمية ليست معقّدة ولا عسيرة على غير المختصين، في محاولة منه لتفكيك هذا السؤال الذي ما فتئ يقضّ مضاجع دعاة التغريب والتشريق في آن، وهو الى ذلك، محاولة جديّة نحو ارساء أسس تاريخية وأنثروبولوجية للمفهوم الهوية التونسية وقراءة تاريخية وسوسيو_ثقافية لملامح تكوّن الهوية التونسية، هذا  الكتاب الذي امتدّ شكليًا 173 صفحة، متمثّلاً في أربعة فصول وأحد عشر عنصرًا، وبعناية ووعي فائق، لما تتطلّبه المرحلة الراهنة من كشف هذا اللغز الذي يتم طرحه بشكل دوريّ.

 لقاء مع العنوان:

يؤكّد الأستاذ باسم قطوس، في كتابه سيمياء العنوان، أن عنوان الكتاب هو أوّل لقاء فيزيقي محسوس، ومادي بين القارئ والكتاب، ولأنّ عنوان هذا الأثر  هو، كيف صار التونسيون تونسيين؟، فإننّا نجد أنفسنا أمام ضروب شتى من الحيرة، فنفسه العنوان أرفق بنقطة استفهام، كأنهّ اجابة عن سؤال محض فقط، هذا العنوان الذي يستدعي تطوّرا من حالة إلى حالة، كأنّنا في صيرورة دائمة، وأن هوية التونسيين متحوّلة لا ثابتة.

هذا إقرار ضمني من الكاتب مفاده بأنّ تونسي اليوم ليس تونسي الأمس، وأنّ تونسي اليوم ليس تونسيّ الغد، وأننّا نسبح في تيّار اثني وعرقي ولغوي وديني، يتحوّل وفق مقتضيات المرحلة، فقد ورد في الكتاب، فصل بأكمله يتناول بانطلاقة تاريخية الأبعاد الحضارية للثقافة التونسية، من أفريكا إلى إفريقية إلى تونس، ابتداءًا من العصور البدائية إلى العهد البيزانطي، ومن مجيء العرب المسلمين إلى القرن السادس عشر، انتهاءًا إلى بداية انخراط تونس في المنظومة.

لقد وزّع الكاتب، ثلاثة عناصر بأكلملها في الفصل الثالث الذي عنونه؛ بالكلمات والأشياء. فقد وضّح الحقبات الهامة والمهمّة والتي تقاطعت وتشابكت مع تاريخ تونس.

رحلة حنّون معاصر في رحاب التاريخ:

يتخّذ الكاتب منهجًا نقديًا وهو يتناول بعض الدلالات، فقد بدأ الفصل الثالث وهو يقف على الدلالات المُعْجَمِيّة لكلمة الهوية التي نتابع فيها مساراتها اللغوية للمساهمة في بلورة مفهوم الهوية، فنجد اهتمامًا جديًا لمضمون الكلمات واختلافها بالجوهر والعرض، في هذا الصدد يقول ( يؤمن المؤرخ إيمانا راسخا بالتغيّر المستمر لمضامين الكلمات، فكلمات إسلامية مثل القراءة (( اقرأ باسم ربك)) أو أمي أو مؤمن أو دين أو مسلم أو كافر، كانت لها معانٍ معيّنة زمن الرسول ثم أصبحت لها معانٍ أخرى في العصور اللاحقة بسبب تقلبات السياسة والاقتصاد، وكذلك بسبب المخيال الشعب) ص95، فسعى الكاتب جاهدًا لوضع أسس صلبة لصياغة تسمية تونس، وتظل تسمية تونس الحديثة التي نشأت ضمن ابيستيمية معينة تحدد الزمنية التي انبثقت منها لحظة رصدها مفهوميًا، لقد انطلق الهادي التيمومي في ذكر الكلمات والأشياء في تناول أسماء تونس المختلفة؛ من أَفريكا إلى إفريقية إلى تونس.

ومن هنا، يحطّ الكاتب الرحال نحو التاريخ الثقافي للهوية التونسية، وخاصة في أهمّ التواريخ الجوهرية:

  1. من أفريكا إلى إفريقية إلى تونس
  2. من مجيء العرب المسلمين إلى القرن السادس عشر
  3. من بداية انخراط تونس في المنظومة

فالعنصر الأوّل من الفصل الثالث؛ خصصّه الكاتب للحديث عن (عملية انتقال تونس من مجرّد مستقر مكاني إلى <أفريكا> ثم إلى <إفريقية> ثم إلى تونس، ثلاث محطات مفصلية كبرى) ص96

فبين محطّة سياسية تمثّلت في مجيء الفينقين من الشرق الأدنى وتأسيسهم لقطراج عام 814 قبل الميلاد، وإدخالهم البلاد في الحضارة والتاريخ، وبين محطّة دينية إرتبطت إرتباطًا عضويًّا ووثيقًا بمجيء العرب المسلمين من شبه الجزيرة العربية في القرن السابع بعد الميلاد مأسسين  القيروان كمنارة تشعّ في ليل الوثنية الإفريقي، وتزامن ذلك مع انصهار البلاد في بوتقة الحضارة العربيّة الإسلامية، وأخيرًا كانت محطّة إقتصادية، مدمجة البلاد  في المنظومة الرأسمالية العالمية ابتداء من القرن السادس عشر ولتشهد ذروتها في القرن التاسع عشر.

ومن جهة دواعي التركيز واختيار هذه المحطّات الثلاثة، فقد أكّد الهادي التيمومي؛ (أنّ استعراضه لتاريخ تونس خلال هذه الآماد الطويلة لن يكون لذاته وإنما للتنقيب فيه عن المعطيات التي لها علاقة بالتراكمات التي أدت إلى التبلور التدريجي والبطيء والمليء بالتراجعات وبالقفزات إلى الأمام للهوية، أي لذلك الانتماء الجماعي الذي يتجاوز القبيلة والاثنية والدين) ص96.

لقد أكّد إبن خلدون في تصوّره عن الهويّة،

أمّا المرحلة الثانية؛ فهي تتركز خاصة على مجيء المسلمين إلى القرن السادس عشر؛

وفيه يقسّم الكاتب هذه الحقبة، مبتدأ من مرحلة مجيء العرب المسلمين إلى أواخر العهد الزيري، عرّف الأخير أنّ هذه المرحلة هي مرحلة اجتثاث الغرب للفيودالية الناشئة وإحياء العبوديّة شبه المندثرة، والتحالف بين التجار المحاربين والبدو الجمالة لمراقبة طرق الذهب والعبيد. (109)

أمّا الثانية، فهي مرحلة الزحف الهلالي إلى أواخر الدولة الحفصية، وهي مرحلة تشكّل نمط انتاج جديد سميّناه نمط الانتاج المخامسي  بعد نضوب العبودية وتكوّن طبقة مزارعين ومربي القطعان الغنميّة، وتقلّص ضاهرة البدو الجمالة تدريجيًا بعد تحوّل أهم طرق الذهب عن “إفريقية” منذ أواسط القرن الرابع عشر لصالح مصر المملوكية، وارتداد الطبقة الحاكمة أكثر فأكثر للحرف والقرصنة وخاصة الملكية العقارية. (109).

ومن هنا، نجد أنّ الكاتب قد خصّ المرحلة الثانية، من تحوّل <أفريكا> إلى <إفريقية> وكيف أطلق العرب تسمية إفريقية على المنطقة التي انتزعوها من الروم البيزنطيّن، واضعين حدًّا للفيودالية وحرّروا الأقنان من ربقة الارتباط بالأرض، لكن في آن، فقد أعادوا الحياة العبودي التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة إلى سالف نشاطها، مسبّيبين في اختلال في التماسك المجتمعي والنسيج البشري الذي كان سائدًا هناك، حدث كل هذا، إبّان حكم الدولة الأغلبية السنيّة، والفاطمية الشيعية، حيث تميّزوا بالاستبداد، وقد كان للسياسة التي انتهجها العرب في حكمهم دور في  أبرز التحوّلات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة.

أمّا المرحلة الأخيرة، فيخصّها الكاتب، في تحليل بروح معاصرة، على انخراط تونس في المنظومة الدولية، ويعني بذلك السياسة الاقتصادية الدولية بشكل مباشر، متحدثًا عن الرأسمالية العالمية ابتداء من القرن التاسع عشر، تزامنًا مع بروز الإمبراطورية العثمانية على السّاحة الدولية مع شكل النظام الرأسمالي العالمي انطلاقا من أوروبا الغربيّة، ومنذ ذلك التاريخ بدأ العالم الأوروبي في الصعود، بينما ظلّت الإمبراطوطرية العثمانية ما قبل الرأسمالية تراوح مكانها، بل تصارع من أجل البقاء إلى أن تحوّلت إلى أواخر القرن السابع عشر إلى شبه مستعمرة اوروبيّة.

وفي هذا الصدد، يتطرّق الكاتب قائلًا؛ من سوء حظّ تونس أن يبسط عليها هؤلاء العثمانيون المتخلفون هيمنتهم العسكرية بداية من 1574، وبذلك ينطبق على استعمارهم لتونس المثل الشعبي التونسي “عريان يسلب في ميّت”  ص123.

يواصل المؤرّخ تأريخه في القرن التاسع عشر متحدّثا عن الموقف الحاسم في ما يتعلق بالهويّة التونسية إذ قطعت تونس في هذا المجال خطوات كبيرة إلى الأمام، فلقد كان القرن التاسع عشر هو قرن القوميّات وربيع الشعوب في أوروبا، وتآسيًا بتلك الرحكات القومية، تأثرّت تونس بها، ومحاولة بناء هويّة تونسية قائمة بذاتها، دون انصهار  أو اندماج مع قومية أخرى مغايرة لها. نحو نحت الكيان التونسي وبلورة ملامح الهوية التونسية، والتفرّد بذاتها كي تكون قائمة بذاتها. فيقول بهذا الصدد؛ ( لقد أنجزت تونس حركة تحديثية رائدة دعّمت بقوة السيادة التونسية، وقدا حاولت تونس الانخراط في المنظومة الرأسمالية العالميّة بصفتها عضوا مستقلاً أو شبه مستقل، وقد بدأ حركة التحديث التي سبقت الاستعمار كما هو واضح خلافا للكثير من البلدان العربية والإسلامية حسين باي) صص 127، 128.

لكنّ للأسف فان حركة التحديث قد أجهضت مثل أي حركة تتماشى مع روح الحداثة، فقد كانت الدول الأوروبية معارضة لكل إصلاح من شأنه تحصين تونس ضد التطلّعات الاستعمارية، وانتماء التقدميّن والنخب المثقفة الى الطبقة الحاكمة، اضافة الى تفشي الفساد في صفوف الموظفين السامين وطبقة الحكام، مثل مصطفى خزندار.

قصارى القول:

ليست الهويّة التونسية وليدة اللحظة، أو طيف يلوح في سماء الجغرافيا، لكنّها امتداد لتراكمات سوسيو  ثقافية أنتجتها الحضاراة الوافدة وتشاكبت وتقاطعت فيما بينها، لتنتج التونسي الذي نراه اليوم، ولئن كان الكاتب يتسائل في خاتمة أثره، عن تنمية الهوية التونسية وتجديدها باستمرار وتحصينها في عصر العولمة، فان الجواب يمرّ عبر مراحل واستراتيجيا واضحة المعالم لترتيب البيت الداخلي للتونسي وفق اعتبارات ترفض الانغلاق والانعزال.

خاتمة:

فإذا كان العالم قد انخرط في السوق المالية والاقتصادية التي أصبحت تحدد مسلكية الهوية وطريقة اشتغالها نظرًا لسيطرة العقل الأداتي المشوب بالنسقية الحسابية، فإنّ الكوني يتحدّد في علاقة أساسية بالانفتاح وتواصل الهويات وتثاقف الخصوصيات؛ الكوني هو مجال تأتلف فيه الخصوصيات رغم تنوعها واختلاف ثقافتها، وتونس ليست استثناء في هذا السبق الكونيّ، إنّها جزء لا يتجزّأ من خارطة العالم، ومن ثقافة كونية ساهمت فيها. وقد حاول الهادي التيمومي تقصي ملامح الشخصية التونسية بمنهجية مختلفة منطلقا من البحث في عمق التاريخ وعن التراكمات التي أدّت إلى اكتمال ملامحها الداخلية.

الهادي التيمومي:  ولد في 13 جانفي 1949 بالكبّارة من معتمدية نصر الله من ولاية القيروان، أستاذ ومؤرخ جامعي تونسي، متحصّل على الأستاذية في التاريخ عام 1971 من كلية الأداب والعلوم الإنسانية بتونس، ثم أعدّ عام 1972 شهادة الكفاءة في البحث، اختصاص تاريخ معاصر، وناقشها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنيس الفرنسية، ثم ناقش عام 1975 أطروحة دوكتراه حلقة ثالثة بنفس الكلية، وفي عام 1997، قدم أطروحة دكتوراه دولة بجامعة تونس 1.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق