ثلاثون “كشّافاً” أفريقيا يزيّنون أفينيون بكنوز القارّة السمراء

دائماً كانت أفريقيا من أهمّ مصادر ثروات الغربيين كمستعمرين وكمستثمرين، وخصوصاً فرنسا الّتي لها باع طويل في التجربة الكولونياليّة مع القارّة السمراء. هذه العلاقة العضويّة بين فرنسا وأفريقيا لم تقتصر فقط على المسائل السياسيّة أو الاقتصاديّة بل كانت الفنون من أهمّ العوامل الّتي ساهمت في تعزيز مجتمع فرنسي متنوع تجاوز منذ زمن طويل عقدة الرجل الأبيض أو “نقاء الدّم” الّذي ساد ألمانيا وإيطاليا في النّصف الأول من القرن الماضي. وباتت فرنسا اليوم تحتضن العديد من الفنون والثقافات الّتي أصبحت جزء من نسيج البلد الأوروبي المنفتح على عالمين واحد في الغرب عبر بحر المانش والمحيط الأطلسي وآخر في الشرق عبر البحر الأبيض المتوسط.

في أفينيون قدمت أفريقيا أجمل ما لديها من روائع الفنون التشكيلية فأكدت أنّها جزء أساسي من مشهد جمالي هو ثمرة هذا الإلتقاء الديموغرافي بين القارتين. ففي المدينة الفرنسيّة الجنوبيّة الواقعة على ضفّة نهر الرون، لا يزال متحف قصر الباباوات Palais des Papes يحتضن منذ 19 مايو/ أيار الماضي، معرضاً لروائع أعظم النحاتين الأفارقة المعاصرين، تنظمة مؤسّسة Blachère ويستمرّ حتّى الرّابع عشر من يناير/ كانون الثاني المقبل، وهو بعنوان “الكشافة” أو les Éclaireurs.

تماثيل ولوحات

لأول مرّة في تاريخ هذه المؤسّسة والمدينة المشهورة بمهرجان المسرح السنوي، يتمّ تنظيم تظاهرة إبداعيّة بهذا الشّكل، حيث يتمّ عرض ستّة وسبعين تمثالاً لثلاثين فناناً من أفريقيا والشّتات، خمسة منها تعرض في متاحف أخرى مدرجة في قائمة اليونسكو. أمّا قصر الباباوات ذو الطّراز القوطي، فهو أحد معالم هذا الفنّ الّذي تطوّر في فرنسا وسط القرن الثاني عشر، وأدّى بشكل متزامن إلى تطوير فنّ العمارة القوطيّة. ترك هذا الفنّ الّذي ساد في البداية في منطقة شمال الألب، بصمة واضحة على الفنون الإيطاليّة الكلاسيكيّة وبعد ذلك الألمانيّة. في القرن السادس عشر أصبح هذا الفن متطورًا جدًّا في جميع أنحاء القارّة الأوروبيّة وتحوّل إلى أحد عناصر فنون عصر النّهضة.

تلاقح حضاري

إلى جانب قصر الباباوات شاركت متاحف أخرى في تقديم بعض الأعمال، مثل متحف  Calvet، ومتحف Lapidaire، ومتحف القصر الصغير  le Petit Palais  وهي تقع في الحيّز الجغرافيّ ذاته من مدينة أفينيون. لقد تمّ توزيع التّماثيل حسب أحجام قاعات القصر الهائلة. كما تمّ اختيار لوحات تتعلّق بالحياة الإفريقيّة لتضيف إلى سحر المكان صورة جميلة تعبّر عن تلاقح أفكار تاريخي- معاصر، وأفريقي أوروبي، هو نتيجة حوار بين حضارتين، حيث عمارة القرون الوسطى تتماهى بجمالياتها مع النّحت الأفريقي المعاصر.

يمكن لزائر المعرض مشاهدة أعمال استثنائيّة قد توصف بالجريئة ومنها ما هو ذات بناء معقّد يؤكّد عمق الفكرة الّتي تقف خلف العمل وقوّة التّعبير الّتي يتحلّى بها. يبدو واضحاً توظيف العديد من العناصر الطبيعية الّتي تختزنها القارّة السمراء في صناعة التّماثيل، مثل الخشب والعيدان والمعادن والأقمشة والبلاستيك والقطن، فقد عرض متحف لابيدير مجسماً للفنّان أندرياس بوتا، من جنوب أفريقيا، بعنوان “الفيل الجريح” هو عبارة عن فيل مصنوع من الخشب والألمنيوم والمسامير صنعه في العام 2008. هذا الفيل الّذي يقرب حجمه من الحجم الحقيقي للفيل الصغير الجريح، يجلس على الأرض  والى جانبه رأس إنسان يبدو وكأنهما يتهامسان في حوار يعبر عن الضعف والشفقة. هو تركيب بصري ضخم يدعو إلى التّأمل والتّساؤل حول هشاشة الحياة.

 “الزولو القاذف”

الفنان السينغالي عثمان سو قدم تمثالاً لمحارب شبه عاري، وهو بعنوان “الزولو القاذف” من العام 1991. هذا العمل هو جزء من سبعة منحوتات تمثل عالم شكا زولو الجنوب افريقي (1787- 1828) مؤسّس أمّة الزولو. هذا المحارب يمثل كفاح المقاومة ضدّ الاستعمار الأوروبيّ ومن بعده نظام  الفصل العنصريّ “ابارتهايد” في جنوب افريقيا، بينما يضمّ متحف “كالفيت” أربعة أعمال للنحات السنغالي الذي توفي في ديسمبر 2016.

في دير “بينوا” الثاني عشر، التابع لقصر الباباوات، عرض النّحات السينغالي نداري لو، عملاً ظليّاً ضخمًا لأشجار رفيعة بعنوان “الصلاة العالميّة”-  2002. وهو واحد من أولى مجموعاته المصنوعة من الحديد. أمّا في صالة” المجلس الكنسي” فثمّة عمل لافت للفنّان السينغالي مصطفى ديمي من جزيرة غوري، بعنوان “رقص معاصر”- 1995، وهو مصنوع من الأخشاب الطافية.

في متحف “القصر الصغير” تمثال ديان شانيل، المصنوع من البرونز بعنوان “موسم في جنوب السودان” تعود للعام 2000. ثمّة أعمال أخرى مثل القطعة الضّخمة للفنّان عبد الحي كونات بعنوان “المشاؤون” – 2006، وقطعة من القماش المعدني الضّخم بعنوان “ملتقيات ” لأل أناتسوي وهي مصنوعة في العام 2008 ومعروضة في غرفة “كامريير” القديمة، إضافة إلى أعمال أخرى لا مجال لذكر جميعها.

الفنّ المعاصر

من الواضح أنّ جان بول بلاشير، صاحب هذه المؤسّسة الّتي تنظم هذه المعارض والمسماة باسمه، قد حقّق في العام 2004، هذا المشروع في مدينته Apt. واليوم  أنجز عملاً رائعًا توّج من خلاله ثلاثين عامًا من المتابعة والعمل، مسافراً في القارة الأفريقية لتشكيل مجموعة فنية كبيرة. عمل بلاشير الكثير من الاجتماعات مع الفنّانين، وصالات العرض، والنّقاد لتعزيز ونشر الفنّ الأفريقي المعاصر في “القارّة العجوز”. وبات لديه اليوم أكثر من 1800 قطعة (لوحات، منحوتات، صور، فيديو، وغيره).

بلاشير، دائماً متحمّس للفنّ الإفريقي، وحريص على اكتشاف الإبداع الإفريقي المعاصر لأكبر عدد من الفنّانين. وهو بهذا التّعاون مع عمدة أفينيون سيسيل إيل  قدّم أفضل ما جمعه من هذه الكنوز الفريدة في العالم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Fatima

    شكرًا لك على هذه المعلومات المهمة عن الفنانين الافارقة اللتي كنّا نجهلها سابقا وتهناة لأسلوبك السلس والراقي في سرد الوقائع

  2. معمر

    شكراً لك ست فاطمة على اطرائك اللطيف امل ان اقدم دائماً ما هو مفيد وممتع.

أضف تعليق