“خربشات” بن جلون تكرّس الروائي رسّاما في معرض باريس

لا كلام أبلغ ممّا قاله رئيس معهد العالم العربي في باريس جاك لانغ، في سياق تعليقه على المعرض التشكيليّ للكاتب المغربيّ الطّاهر بن جلون، إذ استعار وزير الثقافة الفرنسيّ الأسبق في وصفه عبارة للكاتب الديبلوماسي الرّاحل رومين غاري يقول فيها “الرّجل لديه حياة واحدة فقط، لكنه جُعل للعيش على الأقلّ مرّتين”. فالطّاهر في معرضه الفنّي الّذي يستضيفه معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسيّة منذ العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2017 حتى السابع من جانفي/ كانون الثاني 2018، يُجسّد جوهر هذه العبارة إذ يعيش حياة ثانية مع الفنّ التشكيليّ بعد حياته كأديب وروائي وقاصّ.

صاحب الصنعتين

يقال باللّغة العربية لمن يتقن القيام بمهنتين أو لمن يتمتّع بموهبتين صاحب الصنعتين أو جامع المجد من أطرافه. وبن جلون هو أستاذ الفلسفة الّذي قفز من القلم إلى الفرشاة فأتقن فنّا آخر يضيفه إلى إبداعاته في الكتابة الّتي درج على ممارستها باللّغة الفرنسيّة رغم أصوله المغربيّة. يقول الكاتب الفرنكفوني: “أحاول أن أرسم نور العالم”.

تحتلّ “خربشاته المُحسنة”- كونها رسومات تشبه رسومات الأطفال لكن بإيحاءات ناضجة- حيّزًا هامًّا من المعرض الّذي يضمّ أيضًا أعمال تطريز من الطّراز الأزموري المغربيّ تعود للقرن التّاسع عشر وأعمال أخرى لرسّامه المفضل هنري ماتيس (1869-1954) وآخرين. لكنّ أعماله المشغولة على القماش بالأكواريل تلفت نظر المشاهد بأنهّا جميعها بلا عنوان، وتتميّز بألوانها الصّاخبة الّتي تحاكي النّور والفرح. هي بالفعل تعبّر عن رغبات طفوليّة مدفونة في وجدان الكاتب الّذي يبدو أنّ الرّسم كان هاجسًا لديه منذ وقت مبكّر وخرج في وقت متأخّر محافظًا على تلك البراءة الطفوليّة الّتي لا يمكن رصدها في كتاباته الروائيّة والقصصيّة. هو يرسم أو يحاول أن يُحسّن خربشاته كما يقول منذ العام 2010.

الدراما والفرح

لعلّ الشّاعر الحاصل على جائزة غونكور الفرنسيّة عن رواية “ليلة القدر (1987)، انتقى بعض رسوماته ليعرضها في سياق مقارنه بين الصّورة والكلمة وما بين المخطوط والمرسوم. هي ليست المرّة الأولى الّتي يدخل فيها عالم الرّسم لكنّه لأوّل مرّة يقيم معرضًا مونوغرافيًّا في مؤسّسة عامّة مثل معهد العالم العربي. مع أنّه عرض قبل ذلك في كلّ من روما، تورينو، باليرمو، مراكش، طنجة وباريس.

المفارقة أنّ بن جلون كتب الدراما متحدّثًا عن آلام العالم، فيما تتميّز لوحاته بالفرح والألوان الزّاهية الّتي تستمدّ من الضّوء معاني البهجة وفضاءات الطّفولة المفتوحة على آفاق رحبة من السّعادة والحبّ وكلّ ما هو جميل. كأنّه يعيش المرّة الثانية ليس في محاولة فقط لتحسين الخربشات، بل أيضًا للخروج من فضاء الدراما الّتي سيطرت على كتاباته في عالم متشكل من الوان زاهية.

تألق الحريّة

هذا ليس غريبًا على كاتب كانت له تجربة نقديّة في تناول أعمال رسامين ونحّاتين كبار. فقد أمسك بن جلون بالفرشاة وقماش الرسم للمرّة الأولى في العام 2010 بناء على رغبة صديق، وبات ينظر إلى الرّسم على أنّ “له وظيفة، كما الكتابة. هو نمط يؤكّد نفسه”، كما يشرح في دليل المعرض. هو يعتبر اللّوحة “تألّقًا للحريّة من دون الاستجابة للأوامر الأخلاقيّة، والرّسم بألوانه وأشكاله يساهم في ستر الرّوح المعذّبة”.

لفترة طويلة هيمن الشّعر على طموحات الكاتب المغربيّ. واقتناعًا منه بأنّ الفنّ بشكل عامّ والشّعر على وجه الخصوص سينقذ العالم، لذلك مارس “خربشاته” منذ الطّفولة قبل تعلم الكتابة. لكنّه لم يتجرأ أبدًا أن يأخذ على محمل الجدّ التّعامل مع قطعة من ورق الرّسم.

يقول صاحب رواية “زواج المتعة”، إنّ “اليوم لديّ فرصة أن أعرض في معهد العالم العربيّ، على الرّغم من أنّني أدّعي أنّني لم آخذ هذا العمل على محمل الجدّ رغم أنّي أدخلت إليه الاحتراف. هناك في بعض النّاس الضّوء والنّعمة الّتي تجعلك تنسى المآسي الّتي ارتكبها الأوباش”.

ويرى أنّ لوحاته تذكره ببلده الأصليّ حيث الشّمس، معتبرًا أنّ الفنّ قادر على إنقاذ العالم من خلال تغير اللّون والضّوء.

ولمن لا يعرف الطّاهر بن جلون هو ابن مدينة فاس المغربيّة حيث ولد في العام 1944. انتقل إلى باريس مبكرًا ونشر قصائده في “ماسبيرو” وكانت روايته الأولى “حرودة”، الّتي حررّها الشاعر الروائي موريس نادو في طبعة صدرت العام 1973. ثمّ “طفل الرّمال”، “ليلة القدر”، “يوم صامت في طنجة”، “ليلة الغلطة”، “تلك العتمة الباهرة”، “ليلتئم الجرح”، “السّعادة الزوجيّة” و”الإستئصال”.

على هامش المعرض تمّ تنظيم زيارات للتلاميذ وطلاب المدارس والمعاهد وأقيمت ندوتان الأولى بعنوان “حوار بين طاهر بن جلون وجان كلود كارير” في 21 اكتوبر و”لقاء بين بيرنارد بيفوت وطاهر بن جلون” في 22 اكتوبر.

في المحصّلة يكتشف زائر معرض الطّاهر بن جلون أهميّة المزج بين الكلمة المعبّرة فلسفيًّا وأدبيًّا واللّوحة المشعّة بألوان الفرح. فقد بدا تنظيم عرض اللّوحات مع مقتطفات من قصائده وفلسفاته باللّغتين العربيّة والفرنسيّة مريحًا للمشاهد الّذي يخرج بانطباع جميل حول نموذج فريد للتلاقح بين أنواع الفنون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق