بعد أكثر من نصف قرن على أحداث ساقية سيدي يوسف هل تبخّر حلم مغرب الشعوب؟

المقدمة

مثّلت فكرة المغرب الكبير إحدى تطلّعات النشطاء السياسيين والجمعياتيين ببلدان المغرب إلى جانب فكرتي الجامعة الإسلاميّة ([1]) والوحدة العربيّة ([2]). وقد تبلورت هذه الأفكار خاصّة في علاقة بالتحديّات الخارجيّة وتحديدا الاستعمار سواء كان عثمانيّا أو غربيّا. وهي بذلك لا تمثّل بديلا عن الوطنيّة وإنّما تدعيما لها.

ولقد كان القرن العشرين منذ بدايته أهمّ فترة انتعشت فيها هذه الأفكار. ومع ذلك فهي ما تزال تشغل شرائح واسعة من الرأي العام. بل إنّ “الثورات” العربيّة الواقعة خلال هذه العشريّة وضعتها في صدارة الصراعات الدائرة. فالأطراف الرجعيّة العربيّة أصوليّة وليبرالية جديدة مدعومة بالقوى الإمبريالية والصهيونيّة العالميّة تسعى جاهدة إلى تخريب الأوطان تحت عنوان توحيد الأمّة الإسلاميّة بالنسبة للأصوليين([3]) وكبح طموحات الشعوب العربيّة في الوحدة والتقدّم بالنسبة لغلاة الليبراليين([4]). وفي المقابل تتبنّى القوى التقدّمية العربيّة قوميّة وماركسيّة استراتيجيّة الوحدات الإقليميّة والوحدة العربيّة وتسعى إلى تحويلها إلى واقع ملموس من خلال إدماج أوسع الشرائح الشعبيّة في النظام السياسي وفي صنع القرار([5]).

وفي قضيّة الحال فإنّ فكرة المغرب الكبير تجسّدت منذ بداية القرن العشرين في منشورات وتوجّهات ومعاهدات ولكن أيضا في أعمال تضامنيّة. ولعلّ الدعم الذي وجدته الثورة الجزائرية بين 1954 و1962 وأحداث ساقيّة سيدي يوسف الواقعة سنة 1958 يمثّلان عنوانين بارزين للتضامن المغاربي على مستوى رسمي وخاصّة على مستوى شعبي[6]. ومنذ ذلك الحين تراوحت فكرة المغرب الكبير بين البناء الرسمي الموجّه للاستهلاك الداخلي وبين إجهاض الحلم على نحو خلق حالة من الإحباط واليأس من تأسيس اتّحاد مغاربي فعلي[7].

ولكن هل حقّا تبخّر حلم وحدة بلدان المغرب بعد كلّ ذلك الزخم؟

وتأتي هذه الورقة المقتضبة محاولة متواضعة لإلقاء بعض الأضواء على مسيرة فكرة المغرب الكبير. وسأبدؤها بالتعريف بالاتّحادات الدوليّة والعودة إلى بعض الروّاد ثمّ أتعرّض إلى فشل مغرب الأنظمة وإلى العقبات أمام وحدة بلدان المغرب.

I- الاتّحادات الدوليّة في العهد المعاصر

توجد عدة أصناف من الاتحادات بين الدول وأساسا الكنفدرالية والفدرالية. ففي الكنفدرالية تكمن السيادة في الكيانات المكوّنة للمجموع. وفي الفدرالية تتقاسم السلطة القومية كل من الدولة الفدرالية والدول المتحدة وتكمن السيادة في الحكومة الفدراليّة مثال ألمانيا. في بعض الحالات تمثّل الكنفدرالية مرحلة نحو الفدرالية. وهذا ما حدث في سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية. كما توجد دول يخضع مواطنوها لسلطة واحدة مثل فرنسا وألمانيا.

لقد شهدت هذه الدول مسارات تكوّن مختلفة من بينها مسار تكوّن الدولة الأمة أو الدولة القومية وهي الدول القائمة على الوحدة القومية التي تجمع جماعة من الناس تشكلت تاريخا واستقرت في رقعة ترابية معينة وتشترك في اللغة والخصائص الثقافية والنفسية وكذلك في المصالح الاقتصادية[8]. طرحت هذه الوحدة في البلدان التي تطورت فيها الرأسمالية ولكنها ما زالت منقسمة وتخضع للسيطرة الأجنبية. ولذلك فإن طبقة البورجوازية تسعى الى توحيد السوق القومية وتخليصها من السيطرة الأجنبيّة. ولعل أبرز الامثلة على هذا النوع من الاتحادات هما مثالي إيطاليا وألمانيا.

وتنزع بعض الدول الى تشكيل اتّحاد فيما بينها رغم أنّه لا تتوفر لديها الشروط المكوّنة للقومية أو الامة ولكنها تسعى إلى تعزيز قوتها الاقتصادية واكتساب القدرة على المنافسة في عالم لا مكان فيه إلا للقوى الاقتصادية العظمى. ولعل الاتحاد الأوروبي وهو حالة بين الكنفدرالية والفدرالية يمثل نموذجا لمثل هذه الاتحادات.

فإلى أي حالة نظرية ينتمي اتحاد المغرب العربي؟

انطلاقا من التجارب التاريخية لتشكّل الأمم يمثل المغرب الكبير جزء من القومية العربية التي تحتاج إلى تحقيق وحدتها وإلى التخلص من السيطرة الخارجية ومن عناصر التفكيك والتخريب وأساسا من الصهيونية ومن الأنظمة الرجعية المرتبطة بالقوى الاستعمارية حتى تتمكن من التحوّل إلى أمة مكتملة تخضع لدولة واحدة ولها سوق موحدة. وفي هذه الحالة فإنّ التجمّعات الإقليميّة والجهويّة التي تتشكّل تمثل مرحلة في هذا المسار ويمكن أن تساعد مؤقتا على تدعيم القوّة الاقتصادية وتعزيز المكانة السياسية للدول المتّحدة[9].

فكيف طرحت المسألة في الواقع؟

II- رواد فكرة المغرب العربي

تعود الإرهاصات الأولى لفكرة المغرب الكبير إلى بداية القرن العشرين. وكان محمد باش حامبة (1881-1920) أهم ممثّل لها. فهو أحد رواد الحركة الوطنية التونسية عيّن قاضيّا بمحكمة الدريبة سنة 1910 وتحصّل على شهادة الإجازة في الحقوق بكليّة الحقوق بباريس سنة 1913. وفي السنة نفسها استقال من وظيفته والتحق بأخيه علي باش حامبة في اسطنبول[10]. ثمّ قام بنشاط مكثّف أثناء الحرب العالمية الأولى لفائدة القضية الوطنية في بلدان المغرب وذلك أثناء إقامته بأوروبا. أصدر سنة 1916 “مجلّة المغرب” للدفاع عن مطالب الجزائريين والتونسيين والمغاربة والليبيين. كما شارك في الندوة الثالثة للقوميات المضطهدة المنعقدة بلوزان سنة 1916 وألقى كلمة عرض فيها المطالب الوطنية للشعبين الجزائري والتونسي. وكانت هذه المطالب تندرج في نطاق سياسة المشاركة التّي انتهجتها حركة الشبان التونسيين منذ صدور العدد الأوّل من جريدة “التونسي” الناطقة بالفرنسيّة[11] وتتمحور حول الارتقاء بمكانة الجزائري والتونسي وبحقوقه السياسيّة والثقافيّة[12]. إلاّ أنّه تخلّى عن هذه المطالب الإصلاحيّة وأصدر في سنة 1918 كتاب الشعب الجزائري التونسي وفرنسا (بالفرنسية) طالب فيه بالاستقلال التام للشعب الجزائري التونسي[13]. وقد يكون السبب في عدم ذكره للمغرب الأقصى أنّ هذا البلد خضع لتوه إلى نظام الحماية الفرنسية (1912) ووقعت بعض مناطقه بين براثن الاستعمار الإسباني الذي فرض نظام الحماية على مناطق الشمال وبعض المناطق الصحراوية المتكونة من طرفاية والصحراء الغربية. وهو ما سيكون له تأثير على تأجيج حركة المقاومة خاصة في العشرينات والتّي استمرت جذوتها مدة طويلة من الزمن. وعرفت موريتانيا وليبيا نفس الوضع. فموريتانيا طالها الاحتلال العسكري الفرنسي سنة 1902 واندلعت فيها المقاومة التّي استمرت إلى أواسط الثلاثينات. أمّا ليبيا فإنّها تعرضّت إلى الاحتلال الإيطالي سنة 1911 وكان ذلك بداية لحرب وطنيّة طويلة برز في قيادتها عمر المختار. وفي كلتا الحالتين لم تنشأ حركة سياسيّة تسعى إلى رسم استراتيجيّة مستقبليّة.

ومنذ ذلك الوقت تطوّرت فكرة المغرب الكبير وتجسّدت في نشاط بعض الجمعيّات والأحزاب. ففي 1926 تأسّست جمعيّة “نجم شمال إفريقيا” بباريس لإغاثة العمال المغاربة. ولكنها سرعان ما تحوّلت إلى جمعيّة سياسيّة هدفها العمل من أجل تحقيق الاستقلال الكامل للمغرب العربي[14]. وقد كانت في البداية تمثّل التونسيين إلى جانب المغاربة الذين انسحبوا منها سنة 1927.

وترسّخت فكرة المغرب الكبير مع جمعية “طلبة شمال إفريقيا المسلمين” التّي تأسّست سنة 1928 وضمّت الطلبة المغاربة والجزائريين والتونسيين الذين كانوا يدرسون بالجامعات الفرنسيّة. وكان من أهدافها، علاوة على مساعدة المعوزين من الطلبة، تمتين أواصر العلاقة بينهم وإعدادهم للعمل الوطني. وفعلا فقد كانت هذه الجمعيّة مدرسة عريقة تخرّج منها العديد من المناضلين الذين سيكون لهم شأن في النضال الوطني والمغاربي مثل محمد الفاسي ومحمد حسن الوزاني وأحمد بلافريج وعمر بنجلون (المغرب الأقصى) وأحمد بن ميلاد وصالح بن يوسف وسليمان بن سليمان وعلي البلهوان وصلاح الدين بوشوشة والمنجي سليم والحبيب ثامر (تونس)، وإبراهيم بن عبد الله ومالك بن نبي وأحمد فرنسيس (الجزائر)[15].

ولعلّ تحوّلات ما بعد الحرب العالميّة الثانية خلقت الظروف المناسبة لبداية تجسيد فكرة المغرب العربي. فبعد تأسيس جامعة الدول العربيّة سنة 1945 تحوّلت القاهرة إلى مركز للعمل التحرّري المغاربي. ويتجلّى ذلك في انعقاد “مؤتمر المغرب العربي” في بداية 1947 تحت الرئاسة الشرفية لعبد الرحمان عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية، وبحضور مجموعة من المهتمين بالقضايا العربية والمغاربية بشكل خاص، إضافة إلى ممثلين لمختلف الحركات المغاربية في البلدان الثلاث. فقد مثّل تونس الحزب الدستوري الجديد، ومثّل الجزائر حزب الشعب الجزائري، أما المغرب الأقصى فقد كان ممثّلا برابطة الدفاع عن مراكش والوفد المغربي في جامعة الدول العربية. وكان الهدف من المؤتمر هو ايجاد الأشكال المناسبة للتنسيق بين الحركات الوطنية الثلاث وتطوير الأعمال التضامنيّة. ولعل أهمّ قرارات المؤتمر تتمثّل في المطالبة بالاستقلال التام للبلدان الثلاثة وتأييد استقلال طرابلس وبرقة. وتطبيقا لقرارات المؤتمر تكوّن “مكتب المغرب العربي بالقاهرة” الذي شكّل أداة هامّة في التعريف بقضايا المغرب الكبير والدعاية لفائدة استقلال شمال افريقيا. كما تكونت “لجنة تحرير المغرب العربي” لها مهمة تنسيقيّة وأسندت رئاستها لعبد الكريم الخطّابي (1882-1963) قائد انتفاضة الرّيف المغربي ومؤسّس جمهوريّة الرّيف في العشرينات من القرن الماضي.

وفي الواقع فقد كانت نتائج هذه الأعمال التنسيقيّة محدودة ولم يجد مبدأ الكفاح المشترك طريقه إلى التحقيق. وبذلك تواصل العمل الوطني على مستوى كلّ قطر على حده. وإذ انتهى هذا العمل إلى فرض الانسحاب على الاستعمار الفرنسي من تونس والمغرب الأقصى بالطرق السياسيّة أساسا سنة 1956 فقد اندلعت حرب تحرير في الجزائر دامت من 1954 إلى 1962. ووجدت الثورة الجزائريّة في تونس عمقا استراتيجيّا إذ احتضنها الشعب التونسي خاصّة في المناطق الحدوديّة[16] واضطرت السلطة في تونس إلى مساندتها[17].

في هذه الظرفيّة وقعت أحداث ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958 كردّ فعل على الدعم التونسي للثورة الجزائرية وسقط فيها العديد من الشهداء الجزائريين والتونسيين فضلا عن الخسائر الماديّة الفادحة[18]. ويجدر التذكير انّ ساقية سيدي يوسف تقع على الحدود الجزائرية التونسية وشكّلت منطقة استراتيجية لوحدات جيش التحرير الوطني المتواجد على الحدود الشرقية والذي استخدمها كقاعدة خلفية للعلاج واستقبال المعطوبين[19]. ويمكن القول انّ أحداث ساقيّة سيدي يوسف مثّلت عنوانا بارزا للتضامن الشعبي المغاربي ومنعرجا حاسما في إنجاز مغرب الأنظمة.

III-فشل مغرب الأنظمة

لم يمرّ شهران ونصف على أحداث ساقيّة سيدي يوسف حتّى انعقد أوّل مؤتمر للأحزاب المغاربية الحاكمة والفاعلة في مدينة طنجة بتاريخ 28-30 أفريل 1958. وقد ضمّ ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي والحزب الحرّ الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وانتهى بالدعوة إلى إقامة نظام فيدرالي مغاربي يعتمد على مجلس نيابي وهيئة تنفيذيّة موحّدة[20]. وبذلك تبلورت فكرة الاتحاد المغاربي الذي سيتشكّل بعد قرابة ثلاثين سنة.

وجاءت بعد ذلك محاولات عديدة لتكريس التعاون والتكامل بين دول المغرب العربي، مثل إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي عام 1964 لتنشيط الروابط الاقتصادية بين دول المغرب العربي، وبيان جربة الوحدوي بين ليبيا وتونس عام 1974، وأخيرا اجتماع حكّام بلدان المغرب بمدينة زرالده في الجزائر يوم 10 جوان 1988، انبثق عنه بيان أوضح رغبة القادة في إقامة الاتحاد المغاربي وفي تكوين لجنة تضبط وسائل تحقيق وحدة المغرب العربي[21].

وقد أعلن عن قيام اتحاد المغرب العربي في 17 فيفري 1989 بمدينة مراكش من قبل خمس دول هي: المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. ومن بين ما جاء في الأهداف التّي نصّت عليها معاهدة إنشاء الاتحاد المغاربي[22]:

  1. تمتين أواصر الأخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضهم ببعض.
  2. تحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتهم والدفاع عن حقوقها.
  3. المساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف.
  4. انتهاج سياسة مشتركة في مختلف الميادين.
  5. العمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها.

وحسب هذه الأهداف فإنّ اتحاد المغرب العربي لا يرتقي إلى أيّ صنف من أصناف الاتحادات السياسية أو الاقتصادية بل هو إفراغ لطموحات شعوب المغرب الكبير في الوحدة وحلّ وهمي للمشاكل التي تعيشها.

ووفق اتفاقية التأسيس يتكون الاتحاد من أجهزة تنفيذية وتشريعية وقضائية على النحو التالي:

أولا- هياكل تنفيذيّة

– مجلس الرئاسة ومجلس وزراء الخارجية ولجنة المتابعة واللجان الوزارية المتخصصة والأمانة العامة.

  • مجلس الرئاسة: هو أعلى جهاز في الاتحاد يتألف من رؤساء الدول الأعضاء الذين يتّخذون القرارات بالإجماع ويتناوبون على رئاسة المجلس لمدة سنة.

– الأمانة العامة: مقرها الرباط، وتتكون من أمين عام يعينه مجلس الرئاسة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة وهو عبارة عن رئيس إدارة مكلف أساسا بتنفيذ قرارات مجلس رئاسة اتحاد المغرب العربي بالتنسيق مع سائر أجهزة الاتّحاد وإعداد الخطط التنفيذية لبرنامج عمل الاتحاد وإعداد البحوث والدراسات وتوفير المعلومات والوثائق وإعداد التقارير الدورية حول التقدم الحاصل في بناء الاتحاد وحفظ وثائق ومستندات هياكل الاتحاد بداية من مجلس الرئاسة الخ.

– مجلس وزراء الخارجية: يتكون من الوزراء وأمين اللجنة الشعبية المكلفين بالشؤون الخارجية في بلدان الاتحاد، مهمته التحضير لدورات مجلس الرئاسة وتنسيق السياسات والمواقف في المنظمات الإقليمية والدولية الخ.

– لجنة المتابعة: تتابع قضايا الاتحاد وتعرض نتائج أعمالها على مجلس وزراء الخارجية.

– اللجان الوزارية المتخصصة: عددها أربع لجان وزارية متخصصة هي: لجنة الأمن الغذائي (تهتم بقطاعات الفلاحة والثروة الحيوانية، والمياه والغابات، والصناعات الفلاحية والغذائية، واستصلاح الأراضي، والصيد البحري، وتجارة المواد الغذائية، والبحث الزراعي والبيطري، والبيئة، ومؤسسات الدعم الفلاحي) ولجنة الاقتصاد والمالي (تهتم بميادين التخطيط، والطاقة، والمعادن، والتجارة، والصناعة، والسياحة، والمالية، والجمارك، والتأمين والمصارف وتمويل الاستثمار، والخدمات، والصناعة التقليدية) ولجنة البنية الأساسية (تهتم بقطاعات التجهيز والأشغال العمومية، والإسكان والعمران، والنقل والمواصلات، والبريد، والري) ولجنة الموارد البشرية (تهتم بمجالات التعليم، والثقافة، والإعلام، والتكوين، والبحث العلمي، والشؤون الاجتماعية، والتشغيل، والرياضة، والشبيبة، والصحة، والعدل، والإقامة وتنقل الأشخاص، وشؤون الجالية المغاربية).

يتمثل عمل هذه اللجان الوزارية المتخصصة في وضع الخطط والجداول الزمنية اللازمة لتنفيذ برنامج عمل الاتحاد المصادق عليه من طرف مجلس الرئاسة. وتعرض اللجان الوزارية المتخصصة نتائج أعمالها على مجلس وزراء الخارجية وتنسّق في أعمالها مع لجنة المتابعة والأمانة العامة.

هيكلية اتحاد المغرب العربي

 

ثانيا- جهاز تشريعي يمثله مجلس الشورى ويتألف من عشرين عضوا عن كل دولة عضو في الاتحاد يقع اختيارهم من بين النواب أو تعيّنه الدولة في حالة عدم وجود مجلس نيابي. ويبدي مجلس الشورى رأيه فيما يحيله عليه مجلس الرئاسة من مشاريع وقرارات.

ثالثا- الهيئة القضائية: تتألف من قاضيين عن كل دولة يعيّنون لمدة ست سنوات، ويتم تجديد نصف الهيئة كل ثلاث سنوات, و ينتخب رئيسها من بين أعضائها لمدة عام ومقرها نواكشوط. وظيفتها تنظر في النزاعات المتعلقة بتفسير وتطبيق المعاهدات والاتفاقيات المبرمة في إطار الاتحاد التي يحيلها إليها مجلس الرئاسة أو إحدى دول الأطراف في النزاع, وتكون أحكام الهيئة ملزمة ونهائية.

رابعا- هياكل ثقافيّة

– الأكاديمية المغاربية للعلوم: تأسست في طرابلس لإقامة إطار للتعاون بين مؤسسات البحث العلمي والتكوين العالي في بلدان الاتحاد وبينها وبين المؤسسات المماثلة بالوطن العربي والبلدان الأجنبية، وتطبيق سياسة بحث علمي وتكنولوجي مركزة على الجوانب التنموية المشتركة بين أقطار الاتحاد. وتهدف كذلك إلى تمكين الباحثين في الاتحاد من المشاركة في تطوير العلوم واستيعاب التقنية وتوظيفها.

– جامعة المغرب العربي: مقرها بطرابلس وتتكون من وحدات جامعية موزعة على دول الاتحاد. الهدف من إنشاءها تكوين طلبة في أعلى مستوى في المجالات التي تحظى بالأولوية لدى الاتحاد.

خامسا- هياكل اقتصادية: أحدث المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية سنة 1991 بتونس من أجل المساهمة في إقامة اقتصاد مغاربي مترابط يشتمل على مشاريع إنتاجية ذات مصلحة مشتركة ويعتمد على حرية تنقل رؤوس الأموال والرفع من مستوى التبادل التجاري.

وقد نقلت الدول الأعضاء الأهداف المتّفق عليها في اتّفاقيات بلغ عددها حوالي العشرين اتّفاقا، نذكر منها مثلا القرار باعتماد مبادئ وقواعد وحدة جمركية بين دول اتحاد المغرب العربي (1990)[23] والاتّفاقيّة الخاصة بالنقل البرّي للمسافرين والبضائع والعبور (1990)[24] واتّفاقيّة لتشجيع وضمان الاستثمار بين دول الاتّحاد(1990)[25] واتّفاقيّة التعاون الثقافي(1992)[26].
ولكن إذا قارنا بين مسارين وحدويين هما مسار تشكّل الاتحاد الأوروبي الذي انطلق كسوق مشتركة في 1 جوان 1958 تطبيقا لمعاهدة روما التّي لم يمر عن المصادقة عليها سوى سنة وشهران ومسار الاتّحاد المغاربي الذي انطلق كما رأينا في أواخر أفريل 1958، فإنّ النجاح الذي حقّقه الأوروبيون قابله فشل مشروع اتحاد المغرب العربي الذي لم يحقّق أي نجاح يذكر على كافة الأصعدة السياسيّة والاقتصاديّة العسكريّة. لقد بقي في أدراج المسؤولين منذ ظهر دون أن يتحوّل إلى واقع. ولا تزال الحدود مراقبة وفي بعض الحالات مغلقة والتكامل الاقتصادي غائبا.

IV- عقبات متجدّدة أمام وحدة بلدان المغرب

لم يكد يبعث الإتحاد المغاربي حتّى تعطلت مؤسّساته. فقد قرّر المغرب الأقصى تجميد عضويته في الإتحاد المغاربي في ديسمبر 1995 احتجاجا على موقف الجزائر من مشكلة الصحراء الغربية. ومن جرّاء ذلك تعطّل سير بقيّة المؤسّسات رغم أنّ الأمانة العامة حافظت على نشاط بقي شكليّا يقتصر على دور إداري بحت.

وهكذا يمكن القول أنّ الاتحاد المغاربي ولد ميّتا. وبطبيعة الحال يعود عدم النجاح إلى أسباب عديدة نذكر منها[27]:

  • علاقات التبعيّة للقوى الخارجيّة وخاصّة للقوى الإمبرياليّة الغربيّة بالنسبة إلى الأنظمة في تونس والمغرب الأقصى وموريتانيا. فمنطقة شمال أفريقيا توجد في دائرة نفوذ الإمبرياليّة الرأسماليّة الغربيّة وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكيّة. ولعل التبعيّة في المجال الاقتصادي أكثر وطأة بحيث يصعب على البلدان المغاربيّة أن تأخذ قرارات سيادية.
  • مشروع الوحدة نخبوي وفوقي والتنفيذ مسقط. وهو مشروع يغلب عليه الطابع الاستعراضي.
  • الاتّحاد المغاربي بني على نظم غير ديمقراطيّة وتخضع للحكم الفردي.
  • الاختلافات السياسيّة: رغم أنّ كافة الأنظمة السياسية في المغرب غير ديمقراطية فإن قيامها على الحكم الفردي يجعلها تسير في استراتيجيات مختلفة. ازدادت هذه الاختلافات تعقيدا بسبب تخلّف بلدان المغرب عن الثورة التونسيّة. ففي تونس: دستور ديمقراطي ونظام يقوم على التداول على السلطة شكليّا ولكنّه قابل للتحسّن وأحزاب متجذّرة في الواقع الاجتماعي ونقابات عمالية قويّة ومجتمع مدني مؤثّر وفاعل. ولكن الأحزاب التي توالت على الحكم منذ ثورة 17 ديسمبر 2010- 14 جانفي 2011 تتموقع في اليمين الليبرالي وليس لها توجهات وحدوية مغربية أو عربية. أما في ليبيا فالوضع ما زال في حالة حرب أهليّة بسبب سيطرة مجموعات أصوليّة لا علاقة لها بالشعب ولا بالوطن. ومثّلت الأنظمة القائمة في بقيّة البلدان المغاربية سببا من الأسباب التّي عرقلت وحدة المغرب. ففي المغرب يقوم الحكم على الملكيّة الدستوريّة الشكليّة[28] وفي الجزائر توجد ديمقراطية مسيطر عليها[29]. أما في موريطانيا بلد الانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار رغم دستور 1991 فلا مجال فيها للتداول السلمي على السلطة[30].
  • الاختلاف في التشريعات الاجتماعيّة مثلا في مجال الأحوال الشخصيّة. تونس متقدمة على بقيّة البلدان بحكم مجلّة الأحوال الشخصيّة (1956). أما في الجزائر والمغرب: رغم التعديلات في قانون الأسرة بالجزائر سنة 2005 وصدور مدوّنة الأحوال الشخصيّة بالمغرب 2004 فإنّ المرأة في كلا البلدين لم تبلغ مستوى التقدّم الذي حصلت عليه المرأة التونسيّة وما تزال الأسرة تحافظ على طابعها التقليدي (تعدّد الزوجات ونظام الإرث الذي يفضّل الذكور على الإناث)[31].
  • المشاكل الحدوديّة بين المغرب الأقصى والجزائر التّي لا تنتهي وأدّت سابقا إلى اندلاع حرب الرمال الصحراويّة سنة 1963.
  • الخلاف حول منطقة الصحراء فالمغرب الأقصى يعتبرها جزءا من أراضيه ويرفض ايّ حلّ يكرّس استقلالها. وتجدر الإشارة إلى ان الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرّت بحق شعب الصحراء في تقرير المصير والاستقلال.
  • تهديد الجماعات الأصوليّة للمكتسبات الحضاريّة والسياسيّة والاجتماعيّة. مثلا في موضوع المرأة وتبنّيهم للدولة الدينيّة وللإرهاب. فهم يوجّهون الرأي العام إلى اهتمامات وصراعات مفتعلة ويخلقون حالة من انعدام الأمن تتناقض مع تطوّر الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة.

ومن البداهة أنّ فشل الأنظمة في إنجاح الاتحاد المغاربي له كلفة غالية أي أنّ الفشل يتسبب في خسارة كبيرة لكلّ دولة على حده قدّرها بعض الخبراء ب 1%  من النموّ سنويا أي بمقياس التشغيل 100 ألف موطن شغل سنويّا[32].

الخاتمة

راود حلم بناء المغرب الكبير عدة أجيال من المثقفين والسياسيين منذ جمعية طلبة شمال افريقيا المسلمين بباريس في العقد الثالث من القرن العشرين إلى القادة السياسيين الذين عقدوا مؤتمري طنجة ومراكش مرورا برواد مكتبي المغرب العربي بدمشق والقاهرة وقطع الحلم الأشواط الأولى في التأسيس طبعت بالفوقية والاستعراضية ولكنه لم يتحوّل الى واقع ملموس وتكالب عليه الأعداء. ورغم ذلك لا تكفّ فكرة المغرب الكبير عن كونها جزء من مسألة الوحدة العربيّة. ولئن طرحت هذه المسألة منذ بداية القرن العشرين في علاقة بالحركة القومية العربيّة المنادية بالاستقلال عن الإمبراطورية العثمانيّة وإنشاء دولة عربيّة واحدة، فإنّ فكرة الوحدة الإقليمية تبلورت في نفس الوقت تقريبا استجابة لضرورات جغرافيّة ونظرا إلى أنّها تهمّ بالأساس بلدان تخضع لنفس المستعمر ولكنّها لم تظهر في تعارض مع الوحدة القوميّة على الأقلّ في مستوى التصريحات المعلنة.

وقد لا نجانب الصواب بالقول أنّ الوحدة الإقليميّة يمكن أن تكون مرحلة في الوحدة العربيّة. وفي كلّ الحالات فإنّ البورجوازيات العربيّة الكبيرة المرتبطة بالقوى الإمبرياليّة لا مصلحة لها في تحقيقهما. وهذا ما يشكّل في نظري السبب الرئيسي في تعطّل مشروع اتحاد المغرب العربي. ويزداد الوضع تعقيدا بتدعم التيارات الأصولية الإسلامية التّي تخدم استراتيجيات لا علاقة لها بالمصالح الوطنيّة والقوميّة للشعوب العربية.  وسيظلّ تحقيق الأهداف المنشودة رهين تغيّر ميزان القوى لفائدة الشعوب وقوّاها التقدّمية التّي لها مصلحة في تجاوز حالة الانقسام والتخلّف والارتقاء بالشعوب العربيّة إلى مصاف الامم المستقلّة والمتقدّمة.

*********

[1] – أنظر: العجيلي، التليلي، صدى حركة الجامعة الإسلامية في المغرب العربي 1876- 1918، تونس، كليّة الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة ودار الجنوب للنشر، 2005.

[2] – مجموعة من الباحثين، تطوّر الوعي القومي في المغرب العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1986.

عبد الإله بلقزيز وآخرون، الحركة الوطنية المغربية والمسألة القومية، 1947- 1986: محاولة في التأريخ، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1992.

[3]– Kepel (J), Jihad, Paris, Gallimard, 2003.

[4] –  الحناشي، عبد اللطيف، “موقف الحبيب بورقيبة من قضايا الوحدة العربية (1956-1970)”، أعمال المؤتمر الأول حول الحبيب بورقيبة وإنشاء الدولة الوطنية، منشورات مؤسسة التميمي، 2000.

[5] – الحناشي، عبد اللطيف، “الأحزاب الماركسية في تونس والمسالة القومية”، الوحدة (المغربيّة)، عدد52، جانفي 1989.

[6] – Sghaier, Amira Aleya, « Les Tunisiens et la Révolution algérienne (1954- 1958) », dans :Temimi (A), Actes du 1er Congrès du Forum d’Histoire Contemporaine sur :Méthodologie de l’histoire des mouvements nationaux au Maghreb, Publications de la Fondation Temimi pour la Recherche Scientifique et l’Information, Zaghouan, septembre, 1998,pp. 109- 140.

[7] -التميمي، عبد الجليل، أعمال الملتقى الثاني حول كلفة اللامغرب والمقاربات الجديدة للمستقبل المغاربي، تونس، منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات ومؤسسة كونراد أديناور، 2009، كلمة الأستاذ عبد الجليل التميمي، ص 13.

[8] – Staline (J), Le Marxisme et la question nationale, 1913. http://karlmarx.fr/etudes/staline-1913-question-nationale.pdf, visité le 27 février 2017.

[9] – فراج قاسم (أحمد محمد)، “مقومات ومعوقات التكامل الاقتصادي العربي ومقترحات إحيائه”.

http://kenanaonline.com/users/amfk/posts/389972, visité le 27 février 2017.

[10]الوزير، 3 جانفي 1921.

[11]– Julien, Charles-André, Colons français et Jeunes Tunisiens 1882-1912, Extrait de la Revue Française de l’Histoire d’Outre-mer, t LIV, 1967, pp. 87-150.

[12] – Bach – Hamba, Mohamed, Le peuple algéro – tunisien et la France, présenté par Mahmoud Abdelmoula, Carthage, Beit Al Hikma, 1991, p. 8.

[13]Idem, p. 160.

[14] – الجابري، محمد العابد، “فكرة المغرب العربي أثناء الكفاح من أجل الاستقلال”، وحدة المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1986، ص19.

[15] – عادل بن يوسف، النخبة العصرية التونسية، طلبة الجامعات الفرنسية 1880-1956، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، 2006.

[16] – الهلالي، عبد الحميد، “سكان سهول مجردة العليا وجبال خمير بين تصفيّة الاستعمار والتواصل مع الثورة الجزائريّة (1954-1956)، روافد، العدد العاشر 2005، ص 219-269.

[17] – الشابي، المنصف، “التوجّه المغاربي الشعبي وسياسة المراوحة الرسميّة المغاربيّة”، التميمي، عبد الجليل، المرجع نفسه، ص 139-145.

[18] – بلغ عدد القتلى 68 منهم 12 طفلا أغلبهم من تلامذة المدرسة الابتدائية و9 نساء وعون من الجمارك فيما بلغ عدد الجرحى 87 جريحا. الصباح، 10 فيفري 1958.

[19] – اليزيدي، بشير، “الرهانات والأبعاد في عمليّة الاعتداء على ساقيّة سيدي يوسف 1954-1958”، التميمي، المرجع نفسه، ص 319-333.

[20] – أبو القاسم، إبراهيم، “وحدة المغرب العربي بين تجارب الماضي وتحديّات المستقبل”، التميمي، عبد الجليل، مرجع مذكور، ص 63-82.

[21] – اتّحاد المغرب العربي الأمانة العامة الرباط، الوثائق الأساسيّة لاتّحاد المغرب العربي، الطبعة الثانية، الرباط [دون تاريخ]، ص 11.

[22] – المصدر نفسه، ص 23 وما بعدها.

[23] – المصدر نفسه، ص 145.

[24] – المصدر نفسه

[25] – المصدر نفسه، ص 99.

[26] – المصدر نفسه، 327.

[27] – أنظر أيضا: محمد لميم (عجال أعجال)، “معوقات التكامل في إطار الإتّحاد المغاربي وسبل تجاوز ذلك”، مجلة المفكر، العدد 5، السنة 2012.

http://fdsp.univ-biskra.dz/images/revues/mf/r5/mf5a2.pdf , visité le 2 février 2017.

[28] – انظر نص دستور المملكة المغربية 2011 في الرابط:

http://www.ism.ma/basic/web/ARABE/Textesdeloiarabe/DocConst.pdf, visité le 20 janvier 2017.

[29] – المدني، توفيق، اتّحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل دراسة تاريخيّة سياسية، دمشق، منشورات اتّحاد الكتاب العربي، 2006، ص 7.

[30] – المرجع ذاته، ص 10.

[31] –  المدني، توفيق، مرجع مذكور، ص 115 وما بعدها.

[32] – أنظر حول هذه المسألة:

Baccouche (A), « Le non-Maghreb : coût/ coups et blessures »

منشور في: التميمي، عبد الجليل، مرجع مذكور، ص 21-24. أنظر أيضا:

Mahjoub, Azzam (coordination), L’intégration régionale du Maghreb : quelles alternatives populaires pour une intégration effective et durable ?, 2017.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. عبدالحميد

    ويستمر الحلم والخاطر و الخيال والإحتمال من جيل إلى جيل…فمتى يصير حقيقة ؟!

أضف تعليق