التَّوسل بالنَّص الدينيّ من الصهيونيّة إلى “الحركات الجهاديّة”

كتب لي صديق عزيز قائلا “لما تقحم الثقافة والدين في كل شيء؟ لقد إستمعت إليك تتحدث عن التوسّل بالدين والثقافة من قبل منظّري الصهيونية ومنظريها والحركات الجهادية وفقهائها لإثبات الشرعية التاريخية وممارساتهم الإجرامية التي لم تتوقف يوما واحدا.

صديقي العزيز … تلك هي قناعاتي وقد تحدثت عنها وكتبتها مرارا وتكرارا وإليك وإلى كل القراء الأعزاء مرة أخرى هذه المعطيات الخاصة بهذا الموضوع الأكثر من جاد وقد كلفتني وقتا وجهدا أرجو أن تقدرهما فتواصل بحثك إنطلاقا من المعلومات التاريخية والأنتروبولوجية الواردة بها:

يوم الثاني من أفريل الماضي_وكما تعلم_أقيمت في إحدى قواعد سلاح الجو الإسرائيلي على الأرض العربية المسلوبة مراسم إدخال منظومة الدفاع المضادة للصواريخ متوسطة وبعيدة المدى إلى الخدمة العملانية وقد أطلق عليها الصهاينة “العصا السحرية” ومما جاء في كلمة “بنيامين ناتنياهو” في هذه المناسبة بأن هذه المنظومة ستسمى “مقلاع داود” موضحا أن “من يهدد وجودنا يعرض نفسه إلى خطر وجودي وأضاف أن هذا الموقف يستند على جذور قديمة و “مرج هائيلا” حيث تغلب الملك داود على جوليات بواسطة المقلاع، ليس بعيدا عن القاعدة الجوية… و”الملك داود” دافع عن اليهود من أعدائهم قبل 3000 عام، وقام بذلك بشجاعة غير عادية وقدره غير مألوفة على الإختراع”. ويضيف ناتنياهو “… وبصفتنا شعباقديما يحب الحياة نواصل  المشي على درب الملك داود،حربته في يدنا، ومقلاعه في سمائنا ونجمة داود مرسومة على علمنا، وهكذا نضيف القوة إلى الروح”؟

الشعب القديم الذي يجب الحياة كما يقول “ناتنياهو” والذي لا يرى مانعا في حرمان أبناء شعب آخر من أسباب الحياة بعد أن إستلى على أرضه وشرده عبر هجرات متتالية إلى أرض الضياع والشتات… هذا الشعب المحب للحياة يحتفل سنويا ولمدة أسبوع بعيد الصفح اليهودي إحياءا لذكرى “خروج بني إسرائيل من مصر الفرعونية بقيادة النبي موسى”، ويذكر الكاتب والمحلل “أنطوان شلحت” بان وسائل الإعلام الصهيونية تعج بهذه المناسبة بمقالات وتحاليل لسيما دلالة الخروج من “بيت العبودية” كما ورد في سفر الخروج وقال”موسى”: “للشعب أذكرو هذا اليوم الذي خرجتم من مصر من بيت العبودية، فإنه بيد قوية أخرجكم الرب من هنا”.

وفي تلاحم بين الديني والثقافي في تأكيد شرعية الكيان الصهيوني ومرجعيته العرقية اليهودية، نشير هنا إلى أعمال وجهود الكاتب والفيلسوف الصهيوني الأمريكي “مايكل فولتسر” وخاصة كتابه الصادر سنة 1993 “الخروج من مصر كثورة”.

وكتابه الثاني في “ظل الله…السياسة في التوراة” “مايكل فولستر” الصهيوني، حد النخاع ومجموعته المقيمة بامريكا تتحرك منذ سنوات وبكل الإتجاهات ضد حملة مقاطعة إسرائيل متوسلين النص الديني كما يوصف في سفر الخروج التوراتي معتبرين الخروج من مصر” برنامجا ثوريا وقاعدة سياسية الإنعتاق من المعاناة والعبودية والقمع المعادلة حديثا لفكره الخلاص والتحرر والثورة”.

ويذهب “فولستر” وجماعته إلى أبعد من ذلك فإقامة إسرائيل حسب زعمهم_ نسخة معاصرة من خروج مصر فضلا عن إنه بعد مئات السنوات التي لم يتح فيها لليهود في شتى أصقاع العالم امكان العمل طبقا لنموذج هذا الخروج، ظهرت الحركة الصهيونية، ووفرت لهم مثل هذه الفرصة وبالتالي، يوجب هذا الأمر وحده إدراج الصهيونية ضمن نظالات التحرر البطولية التي شهرها العصر الحديث.

المؤرخ اليهودي “كوفري ايلاني” وإن كان يختلف قليلا عن بعض زملائه إلا أنه يرى أن سلسلة سفر يشوع ما تزال تشكل نموذجا يحتذى لمستوطنين “كولون” في مناطق 1967 ناهيك عن أنها كانت بمثابة هاد “لديفيد بن غوريون” “كما شفت عن ذلك توصيفاته لنتائج حرب 1948 التي لجأ فيها إلى تعابير مستلة من التوراة”.

الصهيونية وهي أمّ الحركات الجهادية المتطرفة توسلت النص الديني ويرى مؤرخون معاصرون محايدون بان الصهيونية والقاعدة و “داعش” وبقية القائمة فيما نعرف ولا نعرف من الحركات الجهادية في أفغانستان ومصر ومنطقة الساحل والصحراء وليبيا وغيرها… كل هذه الحركات هي ظواهر سياسية متطرفة تتوسل النص الديني (إديولوجيا) لإسباغ الشرعية على سلوكياتها وسياستها ومصطلح الجهاد معطى ثقافي ديني أساسا وهو واجب مقدس في مخيال وعقيدة السلفية تستوجب التضحية والشهادة… وصولا إلى الجنة وحور العين؟

وقد نشأت ظاهرة الجهاد الأفغاني ردا على الغزو السوفياتي (الشيوعي الكافر) لأفغانستان وظهرت جماعة الجهاد في مصر ردا على توقيع إتفاقية “كامب ديفيد” ونشأت القاعدة ردا على دعم إستدعاء القوات الأمريكية إلى الجزيرة العربية لتحرير الكويت من الغزو العراقي.

وكذلك ردا على دعم أمريكا لبعض الأنظمة العربية التي إصطدم بها العائدون من أفغانستان وهكذا دواليك كان نشوء القاعدة في بلاد الرافدين ردا على الغزو الأمريكي للعراق ويعد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية الرد المباشر على السياسات الطائفية والتغول الإيراني فعندما عاد التنظيم من صحراء الأنبار كانت أمريكا قد غادرت العراق وبقيت إيران اللاعب الأكبر في المنطقة وعن طريق حلفائنا أحكمت قبضتها على التنظيم فبدأ مسلسل الفوضى الهدامة بفصول من دم ودمار وتهجير وتنكيل؟… ولا يخفى على عاقل هذا الدور المفزع للدعاة والأيمة وما يروج في الفضاء الإفتراضي والقنوات الإعلامية من آيات قرآنية أخرجت من سياقها وأحاديث تنسب للرسول الكريم وهو منها براء إلى آخر القائمة؟ (أنظر سورة التوبة الآية الرابعة وما تلاها).

ونمضي في مسارنا لنصل إلى الوضع بمنطقة الساحل والصحراء وخاصة الأزمة القائمة على الأراضي المالية وإحتضان منطقة الساحل والصحراء لنشاط المجموعات المسلحة ذات العقيدة الجهادية التكفيرية التي لا تؤمن بحدود ولا بكيانات تتحرك على أراض تعاني من العزلة التاريخية لسكانها في ظل عجز أغلب دول المنطقة عن بسط نفوذها على أراضيها الصحراوية خصوصا إقليم “أزواد’ المتاخم لأربع دول هي موريتانيا والنيجر والجزائر وبوركينافاسو. أزمة الساحل والصحراء هي نموذج واضح لمجمل تراكمات سياسية وثقافية وعرقية: سياسات الإستعمار التي قطعت هذا الجسد دون مراعاة التاريخ والجغرافيا والطبيعة والتركيبة القبلية البشرية.

لقد نسف الإستعمار المجتمع والتاريخ وعواطف الناس من منتجعين ومسافرين ومقيمين مما جعل الخرائط الجديدة جالبة للحروب الأهلية والنزاعات الإقليمية: حروب بين الجار والجار وبين شمال البلد الواحد وجنوبه وآخرها حرب إنفصال الشمال المالي عن جنوبه.

وكان من الطبيعي أن إنتشر الإرهاب في المنطقة مما شجع على التدخل الأجنبي من جديد بتعلة المساعدة على مقاومة الإرهاب فتدخلت القوات الفرنسية في مالي والأمريكية في النيجر لتدخل المنطقة بأسرها في خدمة الأجندة الأجنبية دون إعتبار للمصلحة الوطنية والإقليمية: قوات أجنبية بحمولة ثقافية ودينية نقيضة للمجتمع والسكان مستفزة لمشاعرهم الدينية…فهي بالنسبة للسكان المحليين قوات إستعمارية يشكل بقاؤها أكبر دعم يمكن تقديمه للحركات الجهادية المتطرفة في مساعيها لإستقطاب مزيد من الأنصار لمواجهة هذه القوات والحكومات المتعاملة معها تحت راية “عقيدة جهاد الدفع والطلب” التي زرعت هذه الحركات _كما أسلفنا_ بذورها منذ دخول القوات السوفييتية لأفغانستان وقد إزدهرت لاحقا في كل مكان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق